مواسم

انتخابات الأحزاب وخلافات العائلات…نصيحة من البيرو

حسين حمية

“في الحملة الانتخابية، إذ يكتشف المرء السياسة الواقعية بمعناها الحقيقي، دون رتوش، الذي يتمثل بالسّعي وراء السلطة، التي تكتنف على عنصر هدّام قادر على تحطيم جميع القيم والمبادئ، وكيف أنّ محبيها ولأجل إشباع رغبتهم تلك في الوصول إلى السلطة، يغدون على استعداد للتضحية بأخلاقهم وكرامتهم ومبادئهم الأساسيّة”.

قائل هذا الكلام، ليس شخصا عاديا أو يمكن المرور على كلامه مرور الكرام، إنما هو الروائي البيروفي ماريو فارغاس غوسا، الحائز على جائزة نوبل للآداب في العام 2010، وهذه الملاحظة التي قالها لم يلتقطها بالمراقبة أو بالسمع، إنما خبرها عندما شارك في الانتخابات البيروفية مرشحا نفسه لرئاسة الجمهورية في ذاك البلد.

تتشابه ظروف الانتخابات في لبنان بتلك التي كانت سائدة في البيرو وترشح فيها فارغاس بوسا. كلا البلدين يعيش حرب أهلية مستترة، وتجري الانتخابات من فوق ازمات داخلية مستعصية ووسط مناخ يفتقر لسيادة القانون وانحياز مؤسسات الدولة لهذا الفريق أو ذاك، وغياب الرقابة الفاعلة لحفظ سلامة العملية الانتخابية، وانتهاكات مستمرة لحقوق الانسان ومجنمع غارق في الإقصاء والرعب والأمن.

والأسوا من هذا في لبنان، جاءت التحالفات الانتخابية للقوى السياسية الرئيسية، بغرابتها وبتناقضاتها وعجائبيتها، لتعرية هذه الانتخابات وتظهير عوراتها أمام الملأ، فانكشفت عن تسابق وقح على السلطة لن يفضي إلا إلى اجترار الواقع وتكراره بشكله الكئيب والمبتذل، من دون أن يحمل أي معنى جديد أو أمل في تغيير.

ليس هذا الكلام، دعوة لمقاطعة الانتخابات أو الانتقاص من جدواها، فمهما يكن، مجرد حصول الانتخابات (ولو مزورة) هو مكسب، أقله يكفي التمسك بها اسميا لمنح الشرعية، والقول بأن قوة الأمر الواقع لا شرعية لها وتبقى منقوصة ما لم تسلك طريق الانتخاب للوصول إلى الشرعية.

المراد من هذا الكلام، أن لا ننظر إلى انتخاباتنا أنها ممارسة سياسية كتلك التي كانت في ماضينا قبل الحرب الأهلية، أو نعتقد أننا نشبه مواطني الديموقراطيات في بلدان أخرى، يجب علينا التسليم، بأن ظروفنا لا تسمح لنا إلا بممارسة ديموقراطية محدودة جدا، لا تستحق مثل هذه الحماسة التي يبديها البعض.

ما يجب أن نفهمه، هو أننا مقبلون على انتخابات عاقر، لن يولد منها زمن آخر، والقوى السياسية المتنافسة تفتقر إلى إغراءات وجاذبية سياسية واقتصادية واجتماعية لشد الناخبين إليها، وهذه ما أثبتته تحالفاتها وخصوماتها الانتخابية التي بنتها على حساب مواقفها ومبادئها، وعليه لا مجال لها لتغطية هذا النقص سوى اللعب على تناقضات الناس وإثارة المشاكل بينهم وتغذية النعرات العائلية والمحلية وتأليبهم على بعضهم البعض، وهذا ما يحدث في بعض المناطق خصوصا في منطقة بعلبك الهرمل.

لا يمكن أن نطلب من المرشحين أن يكفّوا عن استثارة عواطف ومشاعر الناس لانتخابهم، أصلا، هم لن يمتثلوا لمثل هذا الطلب، فهذا يهدم مصالحهم، ويهدر أموالهم ويمنعهم من تحقيق رغباتهم وسعيهم وراء السلطة والجاه. لكن بالوقت نفسه، يمكن الطلب من الناخب، أن يقرأ جيدا ما قاله الروائي البيروفي، ففي كلامه، لا نحتاج إلى تعبئة انتخابية ولا الاستماع إلى برامج ولا إلى وعود، حتى لا نحتاج إلى اقتراع، لأن نتيجة الانتخابات باتت بحوزتنا ونعرفها، وهو لا تغيير ولا إصلاح.

منذ فترة، التقيت بالشاعر عباس بيضون، قال لي، أنه من الضروري أن ننتخب، واضاف، عندما توجه آخر مرة ليقترع، صادف في طريقه ورقة بيضاء على بعد أمتار من مركز الاقتراع، لمّها عن الأرض وذهب بها ووضعها في صندوق الاقتراع.

أعجبني هدوء هذا الشاعر وليس بالضرورة ورقته البيضاء، المهم ان لا يخسر الناس أمنهم الشخصي والعائلي والبلدي سواء ربحوا الانتخابات أم خسروها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى