مواسم

حي السلّم..اسكوبار على الطريق

حسين حمية

حصدت الأحداث الأخيرة في حي السلّم متابعة سياسية وإعلامية لافتة إن بالتسييس أو بالخبر أو بالتحليل، وأكثر ما حرّك هذه المتابعة هي ردة فعل المواطنين الذين تضرروا من إزالة “مخالفاتهم”، وهي ردة فعل كانت مفاجئة، عندما لم توفر بشتائمها وسبابها واتهاماتها حزب الله وأمينه العام من على شاشات التلفزة.

وأكثر من انشغل بهذه الأحداث، كان حزب الله لجهة معالجة ذيولها، والفريق المناوىء لهذا الحزب على الساحة اللبنانية، وبالأخص شيعته لجهة توظيفها واستثمارها سياسيا وإعلاميا.

انصب جهد حزب الله على تفريغ ردة الفعل المذكورة من أي معنى يمس هيبته وهيبة أمينه العام في مناطقه وعلى جمهوره، فتمّ مسح ما طاله من اتهامات وشتائم بتقديم مطلقيها اعتذارات متلفزة على ما قالوه في المكان الذي “ارتكبوا” فعلتهم تلك، في حين رفع الفريق المناوىء للحزب سقوف قراءته لما جرى في موقف حي السلّم إلى حد الحديث عن تمرد في البيئة الشيعية ضد حزب الله، لكن ما لبث هذا الفريق أن عاد إلى تبريد حساباته، والاكتفاء بالشماتة والتحريض البعيد المدى.

حي السلّم هو غير معني بحسابات الآخرين، أي بحسابات حزب الله وخصومه، وليس مهجوسا بقراءاتهم المتضاربة، هو كما فعل، عندما شتم وعندما اعتذر، إنه حيّ يعيش يومه بيومه، حتى من الخطأ اعتباره جزءا من بيئة حزب الله، لم تستطع إيديولوجية هذا الحزب أن تجانسه مع سائر بيئتها، هو جزء استثنائي من هذه البيئة، وهو في هذه البيئة كما هو في الضاحية، هو ليس جزءا من هذه الضاحية، وليس واحدا أن تقول أنا من سكان الضاحية وأن تقول أنا من سكان حي السلّم، فوارق كبيرة بين الأمرين، لا يمكن ردمها بوحدة تمذهب البيئة أو وحدة جغرافية الضاحية، وما يوصله التمذهب والجغرافيا تقطعه السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

هو  اليوم”كانتون” الفقر، كيان مستقل ليس بذاته إنما بإدارة الظهر له، علما أنه لم يكن على هذه الاستقلالية والعزلة في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، في تلك الفترة، لقد نجحت الأفكار الثورية والتقدمية لأحزاب الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية ومشروع الإمام موسى الصدر في ربط حي السلّم بالهموم الوطنية والقومية، وكان أبناء هذا الحي في طليعة المدافعين عن المشاريع الوطنية وخرجت منه قيادات سياسية وعسكرية لعبت دورا كبيرا على مسرح السياسة اللبنانية، والمقام هنا لا يتسع لاستعادة دور الحي في الحركات العمالية أو الحرب اللبنانية أو مواجهة الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 أو تحجيم حكم أمين الجميل في انتفاضة 6 شباط الشهيرة.

أيضا حينذاك، كانت شرايين الحي الاقتصادية موصولة باقتصاد المدينة كلها، اعتقد أن الكثيرين يذكرون ذلك المشهد الصباحي الذي كان يتكرر يوميا في موقف حي السلم، وهو منظر الأعداد الكبيرة من الموظفين والعمال الذين يتجهون إلى الموقف وكأنهم في تظاهرة شعبية لاستقلال سيارات النقل للتوجه إلى أعمالهم في بيروت وأحيائها.

هذا الترابط الإيديولوجي والاقتصادي بين حي السلّم وقطاعات وفئات متنوعة في المدينة، منح أهالي الحي الكثير من الهوية البيروتية، وكان هناك إقرار بأنهم جزء من بيروت، وكانوا هم يمارسون هذه البيروتية فعليا إن بأعمالهم أو بنشاطاتهم السياسية أو حياتهم الثقافية والترفيهية، لكن مع سياسات إعادة الإعمار ما بعد الطائف، بدأت ترتفع السدود العالية بينهم وبين مدينتهم، وبدأ التحفظ على بيروتيتهم ونبذهم خارجها، ومع تركيز الراسمالية الشيعية على أحياء جديدة في الضاحية بدأ الانتقاص من ضاحويتهم.

ليس لدى حزب الله أو حركة أمل ما يُحاكي أوجاع الحي المزمنة، فالحزب كرّس في اذهان جمهوره تفرغه للحروب ضد التكفيريين وإسرائيل، في حين حركة أمل تبنّت السياسات التحاصصية مع القوى الممثلة للطوائف الأخرى في السلطة، وهذا يكفي لانفصال الحي عن التفاعل مع القوى السياسية المفترض منها تمثيل مصالحه، وفي مقدمها القيام بأوده وتجسير الهوة بينه وبين محيطه.

وبفضل هذه السياسات، لقد تم إجبار أهالي حي السلم على إنشاء اقتصاد شبه ذاتي واتباع معاش يومي يقوم على انتهاك القوانين والمخالفات والخروج على الأنظمة. فالآن، الحي يعيش استقلالية إدارية وحتى أمنية ونوعا من العزلة الوطنية تقطعها مشاركاته في المناسبات المعروفة، ومثل هذه المشاركات لا تعني انصهارا مع المحيط، ولا يسهل للحي التعايش مع هذا المحيط تحت سقف اتحاد بلديات الضاحية.

يخطىء من يعتقد أن الأحداث الأخيرة في حي السلّم هي ساعة غضب هدرت ثم قرّت، كما يخطىء من يعتقد بأن هذا الحي يمكن بالعلاجات الموضعية أن يتحمل إلى ما لا نهاية السياسات الظالمة للدولة والقوى السياسية التي تديرها، ويخطىء أيضا من يعتقد أن هذا الحي غارق في سباته طبقي، فكما في السابق استجاب للأفكار الثورية بثوريين، فهو اليوم لن يسلّم بإفقاره وحرمانه، وسيبقى يمارس تمرده اليومي…فالفقراء لا تعدمهم الحيلة للمواجهة..فإذا لم يكن لديهم جيفارا، انتظروا منهم بابلو اسكوبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى