متابعات

هل تستطيع التسوية منع الانهيار؟

حسين حمية

هل هناك نهاية “سعيدة” لأزمة استقالة الرئيس سعد الحريري بالتراجع عنها واستئناف العمل الحكومي وعودة الأجواء الطبيعية إلى البلد كما يروج البعض؟ قد تحمل الأيام القليلة المقبلة ما يرجّح هذه النهاية لكن ليس بالضرورة على الشكل المتوقع، ولو أن أكثر من موقف محلي ودولي بنبىء بالتوصل إلى تسوية تم فيها التوافق على تعريف “النأي بالنفس” للدولة اللبنانية عن الصراعات السعودية الإيرانية في المنطقة.

لكن، ولو تم  إقرار هذا التعريف ببيان وزاري أو رئاسي وتحديد الجهات الضامنة له محليا ودوليا، وبغض النظر عن طريقة ترجمته على الواقع اللبناني، لن يكون “الاتفاق” سوى محطة في الصراع على لبنان، وهو بأهدافه يتأرجح بين تهذيب هذا الصراع أو تأجيله ولكن ليس إطفائه، بعدما تفجّر بشكله الحاد والمنفتح على كل الاحتمالات لحظة إعلان الحريري استقالته من الرياض في الرابع من الشهر الماضي.

فالتسوية التي ينتظرها اللبنانيون، ولو عُهد إلى القيادات والمسؤولين اللبنانيين التقيد بها وتنفيذها، إلا أنها ليست لبنانية المنشأ، فهي تعالج مشاكل مستوردة ناجمة عن تطور خلافات إقليمية، وبالتالي هي تسوية بالوكالة عن إيران والسعودية، ومحاولة لبننتها ليس سوى ضرب من ضروب الفلكلور المعروف في هذا البلد، لذا، اي مقاربة لفهم هذه التسوية ومفاعيلها وقدرتها على الصمود، تفترض العودة إلى منابعها الأولى.

ما يجدر التنبه له، هو أن التشخيص السعودي للوضع اللبناني، يتجاوز أداء الحكومة اللبنانية ورئيسها ولا ينحصر بتدخلات حزب الله في العراق وسوريا واليمن، إنما يذهب إلى أبعد من ذلك، وتحديدا إلى رفع – ما يراه – القبضة الإيرانية عن لبنان كله، وهذا ما كرره أمس وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بقوله إن “حزب الله قد اختطف لبنان، وأنه لا يمكن السماح لميليشيات هذا الحزب العمل خارج إطار القانون”، ومضيفا ” أن لبنان لن ينعم بالسلام إلا بعد نزع سلاح حزب الله”.

يتطابق الموقف السعودي تجاه لبنان مع النظرة الإسرائيلية لجهة إمساك حزب الله بلبنان، حتى أن ليبرمان يعتبر الجيش اللبناني جزءا لا يتجزأ من منظومة حزب الله القتالية وقبل هذا، توعد الدولة اللبنانية نفسها بمهاجمتها في أي مواجهة مقبلة مع حزب الله، بالإضافة إلى هذا، هناك تسليم دولي وخصوصا أميركي بوجود نفوذ إيراني واسع على الدولة اللبنانية، ومن المفارقات ، أنه أحيانا تصريحات المسؤولين الإيرانيين أنفسهم هي من تزكي وجود هذا النفوذ ، وكان آخرها ما قاله الرئيس الإيراني روحاني “لا قرار يتخذ في لبنان من دون إيران”.

هذه التطابقات الدولية حيال لبنان قد تؤدي إلى تحميل تسوية أزمة الاستقالة شروطا ثقيلة أو إخضاع عملية النأي بالنفس لتأويلات تجعل تطبيقها كأنه سير في حقل ألغام، اضف انه يمكن للتسوية حاليا تجنب إثارة حساسيات الرياض وطهران باعتبار هناك إلمام بساحات الصراع بينهما واشكاله، لكن المواجهة بينهما متحركة وآخذة في التصاعد والاحتدام، مع ما يعني هذا من تكثيف لعمليات الاستقطاب كل لمصلحته وتجنيد ما أمكن لتعزيز مواقفهما، وهذا سيضع التسوية أمام تحديات غير منظورة في الوقت الحالي.

فالمناخات الحالية السائدة في المنطقة ليست مؤاتية لإبرام تسوية ثابتة وطويلة الأمد، تنأى بلبنان عن شرور ما يدور حوله، والإجماع الدولي والإقليمي على محاربة داعش والذي أفاد منه لبنان بإنجاز ما يعرف بالتسوية الرئاسية، هذا الإجماع قد انهار بعد القضاء على هذا التنظيم الإرهابي وتضاربت مصالح أطرافه، وإذ بمرحلة ما بعد داعش، تنفجر أزمات جديدة في المنطقة وآخرها الخلاف الشيعي الكردي في العراق في حين أن الخيارات العسكرية على صعوبتها ما زالت موجودة للحسم في سوريا واليمن.

ليس مبالغة القول إن لبنان غداة استقالة الحريري كاد يغرق في بحور الفوضى، وإذا كان هناك مصلحة للحكومات الأوروبية لانتشاله مخافة تدفق موجات لاجئين جدد إلى شواطئها، لا يعني هذا أن هذه الحكومات ستتجه بضغوطها نحو السعودية وحدها، كلا طرفي الأزمة في لبنان (الإقليميين) يمكنه ابتزاز الأوروبيين بملف اللاجئين، الأول باحتضانهم والثاني بفتح أبواب الهجرة غير الشرعية أمامهم. وما يجدر الالتفات له، هو أن هناك قوى أوروبية ودولية أيضا مع إغراق أوروبا بالمهاجرين لتعديل اللعبة بين اليمين والليبراليين في هذه القارة.

مع هذا، تبقى التسوية هي خير من عدمها، فهي آخر قفل يمكن فيه إغلاق البوابة اللبنانية بوجه الفيلة المتجهة لساحات الصراع في المنطقة، ويكفي أنها تكسب لبنان المزيد من الوقت في ظل العجز الدولي عن إبرام تفاهمات في سوريا والعراق واليمن، فلبنان حاليا لا يتنفس إلا بالوقت مهما كان زهيدا، يكفي أنه يؤجل الانهيار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى