Uncategorized

الحلف المقدّس بين الطائفية والعشائرية في منطقة بعلبك الهرمل

علي سليمان يونس*

أدّت الأحداث التي عصفت في بلاد جبيل في القرن التاسع عشر إلى تهجير أو هجرة (على دفعات) أعداد كبيرة من العائلات الشيعية (التي يُطلق عليها “العشائر الحمادية”) إلى منطقة بعلبك الهرمل، بحكم موقعها الجغرافي المتاخم  لبلاد جبيل وطغيان اللون الشيعي عليها وهو مذهب الجبليين النازحين، وقد تحصن معظم العائلات النازحة في المناطق الجردية على المقلب الشرقي لسلسلة جبال لبنان الغربية، وكأنهم يظنون أنها الحصن الحصين الذي يقيهم عوادي الزمان. وقد انعكس، من جديد، ذاك البعد الجيولوجي صلابة في سلوكهم وتفكيرهم ونفسياتهم وأهوائهم، مما مكنهم، في البدء من مجابهة محاولات الإنفتاح التي قادتها،وبصعوبة بالغة ،قوى التغييرمن أحزاب تقدمية وحركات مدنية.وقد برز من بين ظهرانيهم متنورون أفذاذ ضحوا بأرواحهم دفاعا عن منطلقاتهم الفكرية المناقضة بشكل كلي لنهج عشائرهم المنغلق.
وفي المقابل، يلاحظ أن كثيرين من أفراد العشائر قد تمكنوا من اللحاق بالركب الحضاري الحديث، من حيث
حيازة أعلى الشهادات في جميع المجالات، وتبوء أهم المراكز على المستويين المحلي والعالمي،رافضين كل علاقة لهم بالمنطق العشائري. ولكن هناك آخرين استغلوا ما تقدمه لهم العشائرية من قوة وحماية وتأييد وذلك بغية تحقيق بعض الأهداف الفردية وتمسكوا بنهجها العام حيال كل الإستحقاقات في المجتمع من سياسة وفكر،إلى علائق وتصرفات..
كل هؤلاء ،ما زالوا حتى هذه اللحظة،يدورون في فلكها ما دامت توفر لهم منافع مجانية.فهي،والحالة هذه،روافد مهمة يلهثون خلفهاحينما يحتاجونها ويتنكرون لها وقت ما يستشعرون منها ضررا أو خطرا…
و في هذا المجال من التأثر والتأثير المتبادلين،لا بد من الإشارة إلى انعكاس سلبي خطير ظهر نتيجة هذا الواقع. ذاك أن الطايع العشائري قد تفشى في كل مفاصل المجتمع، حتى أن التكوينات العائلية الصغيرة عددا والمتوسطة أخذت تجرفها تيارات من العصبية لا تقل حدة عن مثيلاتها في العشائرية.لذا،كثرت،اليوم،الجمعيات والروابط العائلية.وقد ساعد نظام سياسي متعفن على تأجيج هذه الظاهرة وعلى تمكينها من إثبات وجودها واستمراريتها.
كل هذه الوقائع، من تالدها إلى طارفها قد دغدغت رغبات القيمين على على بناء الدولة منذ بدايات الاستقلال المزعوم حتى هذا اليوم. لذا لم يعيروا هذه المنطقة أي اهتمام، لا بل أهملوها إهمالا متعمدا وكأنها خارج حدود الوطن. وحتى زعماء العشائر كانوا في غاية الإطمئنان إلى مصالحهم ومصالخ رعيتهم :فهم ممثلو المنطقة الدائمون في الندوة البرلمانية، ولهم كل المكتسبات التي توفرها الدولة في جميع المجالات. ذاك أن المارونية السياسية الحاكمة آنذاك قد عقدت معهم حلفا مقدسا فغدوا أصحاب الحل والربط في كل الشؤون من وظائف وخدمات وامتيازات.وكانوا لا يتورعون عن إبعاد هذه المنطفة من كل المشاريع الإنمائية والتقديمات الإجتماعية ومن التربية والتعليم،ظنا منهم أنهم يضمنون ولاء العوام بعيدا من أي مناكفات أو تساؤلات تقضمضاجعهم الوثيرة.
وكان من نتيجة ذلك أن غرقت هذه المنطقة في بؤر الجهل والفقر والمرض. وتعاظمت ظاهرة الخروج على سلطة الدولة،تارة تستعر وأخرى تهدأ، فالأمن،نوعا ما،ذاتي والأحكام العشائرية والعائلية هي السائدة.،والدولة تغط في سبات عميق بعيدا من أي تواجد فعلي. وهذا قد تلاءم وسياسة التمييز المناطقي والطائفي وحتى المذهبي. وبذلك غدت منطقة بعلبك الهرمل محرومة من أبسط مقومات العيش الكريم.

بعد انهيار المارونية السياسية برزت زميلتها الشيعية وبقوة على المسرح في لبنان. ولتثبيت سطوتها في منطقة بعلبك الهرمل. سرعان ما ركبت موجة العشائرية، واعتبرتها منطلقا متينا لتحقيق مكسب أو غاية في الإنتخابات النيابية وحتى البلدية والإختيارية. وبذلك تنفست العشائرية الصعداء، فقد ضخ في عروقها دم جديد. وسرعان ما عادت إلى الصدارة وانكفأت إذاك الحياة المدنية إلى الصفوف الخلفية. وهكذا تجلت العشائرية والمذهبية بحلف جديد مقدس إرتدى أبهى الحلل في الوقت الحاضر!!!
لذا يمكننا القول:إن العشائرية ووليدتها العائلية تتنافيا وحالة التحضر والتمدن، لا بل والوجود الإنساني الراقي.ولكن عوامل كثيرة وظروف ملائمة يسرت لهما سيرورة طويلة من الزمن في هذه المنطقة، وفي مقدمها تغييب الدولة ومؤسساتها المتعمد بالفعل حتى أيامنا هذه، يعضد ذلك محاولات إحلال قوى أخرى بديلة قد أعاقت انتقال المجتمع إلى المواجدة في كنف العصرالحدبث.
وبالرغم من هذا التناقض الواضح في حركة التطور التاريخي، فإن العشائرية والعائلية مازالتا فاعلتين، إن بالقوة وإن بالفعل، وإن موضوعيا أو ذاتيا.ولا يعني ذلك أن قوى التغيير قد انهزمت إلى غير رجعة ،وإنما هناك صعوبات في المدى المنظور،لا بد من الإعتراف بقدرتها على الحؤول دون تحقيق الأهداف المنشودة.

  • كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى