أمكنة

الشيخ قاسم القرعاوي .. شيخ النصارى وإمام العيش المشترك

خالد صالح

إذا أردت تأريخ منطقة ما، فإنك حتماً ستصوّب بحثك في عدة إتجاهات، الأحداث التي مرت عليها، الآثار الموجودة فيها وعمقها التاريخي، الجغرافيا وموقعها، والشخصيات التي نشأت فيها، وإذا أردت الحديث عن البقاع الغربي، لا بدّ لك أن تقف عند شخصية فذة طبعت هذه المنطقة بطابعها، حتى غدت مثالاً يُحتذى في العيش المشترك.

يمكننا القول أن الشيخ الراحل قاسم القرعاوي، طبع تاريخ البقاع الغربي عموماً وبلدة القرعون على وجه التحديد بسماتٍ فريدة لا تزال الأجيال تتوارثها جيلاً تلو جيل، ولا تزال هذه السمات مفخرة لأهالي المنطقة الذين عاصروه وعايشوه، يتحدثون عنها بكثير من الفخر والكبرياء، أن هذا الرجل هو من جذورهم ومن تراب هذه المنطقة الغالية .

لم تكن مسيرة هذا الرجل العصامي بالمسيرة العادية، وحسب الكثير من الشهادات كانت عامرة بالكفاح والنضال وبالمحطات المفصلية والقضايا الوطنية والقومية، وفي مقدمها القضية الفلسطينية التي أعطاها الكثير والغالي من إهتماماته ومتابعاته، وظل وفياً لها حتى وفاته في العام 2007 .

أيضاً، عند إندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975، ناضل وكافح لإبقاء نيران هذه الحرب بعيدة عن منطقته، ولعب دور صمام الأمان، وإستطاع من خلال علاقاته ورؤيته الثاقبة من مدّ جسور التواصل بين بلدته القرعون مسقط رأسه وبقية البلدات والقرى المجاورة ذات التنوّع الطائفي والمذهبي، حتى أطلق عليه بعض رجال الكنيسة لقب ” شيخ النصارى “، ليكرّس بمجهوداته الكبيرة مرحلة من التعايش والإنسجام والتآخي، ليجعل من منطقة البقاع الغربي فريدة بتعايشها ولا تشبه أي منطقة أخرى من لبنان .

في العام 1982، واجه الإحتلال الإسرائيلي بكل حزم، لا سيما وأن القرعون رزحت تحته لثلاث سنوات تقريباً، وبعد إندحار العدو عن المنطقة في العام 1985، تابع مسيرته في ترسيخ العيش المشترك، بل ورعى الكثير من المشاريع الإنمائية والإجتماعية لمحو آثار الإحتلال الغاشم عن البقاع الغربي عموماً وعن القرعون خصوصاً .

لقد حرص الشيخ الراحل طوال سنين عمره، على بث روح الألفة والمحبة والتعاون وحسن الجوار بين أهالي البقاع عموماً، وبانت لمساته جلية في كل المحطات القاسية التي مرّت على لبنان، بحيث أعتبرت منطقة البقاع الغربي من أكثر المناطق اللبنانية أمناً وأماناً وإستقراراً.

لم يكتفِ الشيخ القرعاوي بلعب دور المرشد الديني والإجتماعي فحسب، بل كان رجلاً إنمائياً على مستوىً عالٍ، فأسّس مع ثلة من وجهاء بلدة القرعون ” الجمعية الخيرية الإسلامية “، وعمل على مجموعة من المشاريع خدمة للقرعون، وكانت باكورة أعماله الإنمائية مبنى من طبقتين قُدّم لحمعية المقاصد الخيرية الإسلامية ليكون مقراً لمدرستها في البلدة.

كانت الحمية الإسلامية والعربية والقومية تغلي في عروق الشيخ القرعاوي، وكان يؤمن بالحرية والعدالة والمساواة كمعبر رئيسي للتقدم والإزدهار، وكانت القضية الفلسطينية في رأس أولوياته ومتابعاته منذ نشوب الأزمة، ولعل أبرز ما قام به كان في العام 1936 حين قام بحملة جمع للتبرعات والمساعدات وإرسالها للمقاومين المنضوين تحت لواء ثورة الشيخ عز الدين القسّام في مناهضة الهجرة اليهودية إلى فلسطين بُعيد وعد بلفور المشؤوم .

إستمر في تطلعاته التحررية والمقاومة لكل أشكال الإستعمار، وكانت محطته التاريخية يوم أنزل بنفسه العلم الفرنسي عن مخفري القرعون ومشغرة في العام 1943 بعد إعلان إستقلال لبنان، وقد قام بهذا العمل التاريخي مع مجموعة من شباب القرعون وفي مقدمهم الشهيد برهان دحروج ومحمد علي طريف .

إكتسب الشيخ القرعاوي خلال حياته ونضاله حساً قوميا ووطنياً صادقاً، فآمن بأن العيش المشترك هو السبيل لبقاء لبنان من أتون الحرب الأهلية، فعمل على ألفة أبناء منطقته وتكاتفهم، فكان يخطب على منبر المسجد وعلى مذبح الكنيسة، فنال إحترام أهالي المنطقة كلهم، الذين وجدو فيه الملاذ الآمن الذي يحميهم من نيران الفتنة الطائفية التي كان شبحها يؤرق كل لبناني من أقصاه إلى أقصاه .

لا تزال منطقة البقاع الغربي عموماً وبلدة القرعون خصوصاً، تفتخر بنسب هذا الشيخ الجليل لها وأنه من أبنائها، ولا تزال تحمل إرثه وتواصل مسبرته لجهة تعزيز الوحدة الوطنية ونبذ التباعد حرصاً على مستقبل المنطقة ولبنان، لأن مواقفه أسست عنواناً مركزيا لهذا الرقعة من لبنان، فلا يمكنك أن تذكر البقاع الغربي إلا وتذكر العيش المشترك، لما في هذا العنوان الكبير من أهمية في ترسيخ السلم الأهلي وحماية الوطن من كل الأخطار .

نستذكر الشيخ الراحل قاسم القرعاوي، لأننا من خلاله نؤرخ لتاريخ مجيد نفتخر به، ونطلق العنوان الحقيقي لمفهوم العيش المشترك .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى