مواسم

جريمة الطيبة…تحصين التخلف دوليا (تجريبي)

جريمة الطيبة ( في بعلبك) التي ذهب ضحيتها المدرس زاهر شلحة على يد رجل أمن بسبب قضية بانتظار التحقيقات لاستجلاء حيثياتها، تستحق الكتابة، بعيدا عن أوجاعها الدامية موضعيا لكل أطرافها القريبة والبعيدة…فهذه الجريمة فتكت بالقاتل والمقتول وما ستظهره الحيثيات من ضحايا يغدون موتى ولو هم على قيد الحياة، اضف الألم الذي يعتصر كل من تربطه علاقة او معرفة بضحاياها جميعا.
استحقاق الكتابة في هذه القضية، وهو يذهب في أكثر من اتجاه، الأمني والاجتماعي وأيضا الثقافي والاقتصادي، وبالنهاية المسؤولية السياسية، فهذه تحتاج إلى توسع وتفصيل، لا يحتملهما المقام، لكن أكثر ما ترميه بوجهنا هذه الجريمة، هي الازدواجية المنهكة في حياتنا، حملت الجريمة الأخيرة رموزها بصورة حادة.
نحن نعيش ازدواجية على مستوى الدولة، لدينا الدولة المعروفة ودولنا الصغرى المعروفة (نحن نتبع لدولنا الطائفية والمذهبية)، وازدواجية في الأمن (الأمن الرسمي والأمن الحزبي والعائلي) وإزدواجية في القضاء (الرسمي والشرعي والأهلي)، وازدواجية في الضريبة (ضرائب الدولة والخمس والزكاة والنذور) ناهيك عن الازدواجيات في المعاش من كهرباء وماء …
وأيضا في جريمة الطيبة، تحيلنا على الازدواجية في التشريع، يجب التسليم، بأن تسيير أمورنا لا تلم به تشريعات الدولة من قوانين وأنظمة، هو خاضع للتشريع الأهلي والمسمى عادات وتقاليد وهي قانون عقوبات فعلي، ومواده هي الناظمة للحياة الاسرية والمجتمعية، ليس في منطقتنا وحسب بل في مختلف المناطق لكن بتفاوت نسبي.
طبعا، لن اقف عند هؤلاء التبسطيين الداعين إلى إعمال عقوبة الإعدام على جرائم القتل، متناسين أن في شرائعنا الأهلية والضغوطات الاقتصادية واللعب الأمنية ما يبيح القتل، وضحايا القتل ليس من ذهبوا ضحيته وحدهم إنما أيضا وفي بعض الأحيان القتلة أنفسهم.
وحدهاالدولة، تنشلنا من هذه الازدواجية المكلفة، تخفف منها، تحد من تأثيراتها، طبعا، ليس الدولة التي يديرها اليوم حزب الله وأمل والتيار الوطني والمستقبل والقوات والاشتراكي، هذا حكم مافيوزي، هو المسؤول عن تعميق مشاكلنا وتكاثرها، ونتقاسم المسؤولية معه بتخلينا عن إعمال مبدأ محاسبته محاكمته، وها هو الآن، مرة أخرى، يهرّب مبدأ المحاسبة باشتراعه قانونا للانتخاب يعطل أي فرصة حقيقية للناس لمعاقبته، في حين نكتفي نحن بالمشاهدة فقط واحتساب النقاط لهذا أو ذاك، وكأن القانون سيعمل به في الهندوراس وليس في لبنان.
كيف ننعش فكرة الدولة، لا أخفيكم، ليس هناك اي أمل يرتجى حاليا، وستطول المحنة، وتتجذر، وها نحن نكيّف أمورنا على الفوضى في كل مناحي حياتنا، لكن ما يدعو للأسف، وفي سياق تحررنا، ذهبنا بمكاسب وطنية أنعم بها علينا المستعمر، هذا المستعمر الذي يستحق الشكر على ما بذله من مشاق لغرس مشروع الدولة بين ظهرانينا، لكن محررينا اقتلعوا هذا الغرس من جذوره، وبالوقت نفسه استنكف المستعمر عن ممارسة مهنة الاحتلال، وكان ذا دلالة قول ترامب في قمة الرياض، لن نملي عليكم نمط حياتكم أو كيفية إدارة أموركم…إذن نحن في قلب المخاض، وحدها الجرائم توقظنا على مأساتنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى