متابعات

قرار ترامب بالانسحاب من سوريا..فلتكن الفوضى

حسين حمية

قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالإعلان عن نيته سحب قواته من سوريا قريبا بعد القضاء على جيوب داعش، كان مفاجأة سياسية وعسكرية من العيار الثقيل، لم تتضح ظروف اتخاذه أميركيا، وكذلك تداعياته على التطورات في سوريا والمنطقة، خصوصا أن أكثر من طرف يتأثر بهذا القرار لم يصدر عنه أي تعليق أو موقف (باستثناء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان)، يشرح كيفية التعاطي معه والتعامل مع تداعياته.

كان التعامل مع الوجود العسكري الأميركي في شرق الفرات، على أنه محكوم باستراتيجية أميركية، تقوم على أن خروج هذه القوات مرتبط، بالقضاء على داعش ومنع ظهور مثل هذا التنظيم مستقبلا،وبحل الأزمة السورية وفقا لبيان ما يٌسمى مجموعة جنيف (أي إعطاء حصة راجحة للمعارضة في حكم سوريا الجديدة)، ومرتبط ايضا بتحجيم النفوذ الإيراني في سوريا وتعطيل خط طهران بغداد دمشق بيروت، وتمكين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) من بناء قوة أمن داخلية في المناطق التي تسيطر عليها، وهذا ما جعل الجميع يعتقد أن الوجود الأميركي سيستمر لفترة طويلة.

الوجود العسكري الأميركي في سوريا كانت وظيفته الأولى مساعدة القوات الكردية على طرد داعش من منبج والرقة ودير الزور، ثم توسعت هذه الوظيفة مع تطورات الأحداث في المنطقة، وكان موضع ارتياح لدى الأكراد والأوروبيين وإسرائيل والسعودية والإمارات، في حين كان يثير حفيظة الأطراف الأخرى (الروس، الأتراك، الإيرانيين، النظام السوري) بصورة جزئية، اي أن هذه الأطراف لا تعترض على تواجد القوات الأميركية بحد ذاتها، إنما كان ينصب تحفظها على دور هذه القوات بين الحين والآخر.

وكانت هذه الأطراف تمارس اعتراضها على شكل ابتزاز لواشنطن، ولم يتحول هذا الاعتراض إلى دعوة فعلية لخروج القوات الأميركية من سوريا، فعندما تتصادم المصالح الروسية في سوريا مع الأميركيين، كانت موسكو تذكّر واشنطن بأن تواجدها العسكري غير شرعي وليس بناء على طلب من الدولة السورية (كما القوات الروسية)، وأنقرة رأت في هذا التواجد ذريعة لدفع قواتها في داخل الأراضي السورية (عبارة اردوغان لواشنطن كانت: وأنتم ماذا تفعلون هناك؟)، والإيرانيون وجدوا فرصة (يمكن تطويرها فيما بعد) للضغط على الأميركيين باعتبارهم قوة احتلال (تهديد على أكبر ولايتي من بغداد لحماية الاتفاق النووي)، وكذلك النظام السوري الذي يعود إليه وحده إثارة عدم شرعية الوجود الأميركي على الأراضي السورية (وهذه يستخدمها لجني منافع سياسية واقتصادية).

الكل كان مستفيدا من الوجود العسكري الأميركي في سوريا (مؤيدين ومعارضين)، وأكثر من ذلك، كان وجود واشنطن العسكري هناك، حاجة فائقة الأهمية لتلك الأطراف، فالروس يعتبرونه ضرورة يُغرق الأميركيين أكثر في الوحل السوري ويساعد على لجم شهية الإيرانيين والأتراك في سوريا، وإسرائيل تنظر إليه عامل مطمئن توازن به الخطر الإيراني، والأتراك يرونه يقطع الطريق على طهران في ربط نفوذها السوري بعمقها الإيراني، في حين طهران بدورها ومعها دمشق تجده سدّا لمنع الأتراك من اقتطاع الشمال السوري.

لم تكن فوائد الوجود العسكري الأميركي محصورة بالأكراد، إلى ذلك، كان هذا الوجود في مكان ما، عاملا مطمئنا لكل الأطراف المنخرطة بالحرب السورية باستثناء داعش. وهنا السؤال، ما الذي سيحدث فيما لو وضع ترامب قراره الموعود موضع التنفيذ؟

من يضمن عدم تعرّض الأكراد في منبج والحسكة ودير الزور لهجوم تركي شامل؟، وبالوقت نفسه يمكن طرح السؤال معكوسا، هل إيران وموسكو ودمشق قادرة على طمأنة اردوغان من تحول الأكراد إلى قوة استخدام (من أي طرف) تقوّض الأمن الداخلي الكردي؟. ماذا عن الفراغ العسكري الذي يحدثه خروج الأميركيين في ظل وجود 3 قوى إيران وتركيا وروسيا قادرة على تعبئة هذا الفراغ، وهل تتم وراثة الأميركيين في سوريا بالقوة أو بالتراضي؟ إمكانية التراضي شبه معدومة، ومثال ذلك الخلافات التي نشبت بين الأطراف ذاتها حول عفرين.

يبقى القلق الأكبر لدى الروس الذين ضجروا من البحث عن ضوء في نهاية النفق السوري الطويل، وهم يدركون أن الخروج من هذا النفق لن يتم إلا بالتعاون مع الأميركيين والتعويل على دورهم في إعادة إعمار سوريا، لكن قرار ترامب الأخير أطاح بآمالهم ووضعهم أمام تعقيدات لم تكن بحسبانهم..هي إدارة الفوضى الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى