مختارات

عيد الحب أو عيد اللذة

حسين حمية

للعشق في اللغة العربية أكثر من ستين اسما “المحبة، الهوى، الصبوة، الصبابة، الشغف، الوجد، الكلف، التتيم، العشق، الجوى، الشوق، الشجن، الحنين، اللوعة، الخلة، الغرام، الهيام، الوله وغيرها”، هذه المكانة اللغوية العالية له، لم تكن ترفا، إنما حيرة في إدراك كنهه، وعلى ما يقول الإمام ابن قيم الجوزية (ت 1350م) “لصعوبة فهم هذا النوع من جنس المحبة، وقوته وخطره على القلب والروح، وتعظيم الناس له”.
مع هذا التعظيم للحب عندنا، ومع أننا نربطه بالحزن والغم والوحشة والفراق والشوق والحنين، نحتفل به كل يوم 14 شباط من كل عام على معنى أوروبي – غربي طافح بألوان الفرح واللهو والبهجة، باسم عيد الفالانتين نسبة إلى قديس روماني ، وفيه تكون هدايا العشاق وردة حمراء ودعوة للعشاء وسهرة لآخر الليل.

لا جدال بربط هذا التحول بمفهوم الحب باستغلال الرأسمال فرصة الاستثمار التجاري على العواطف وقدرته الهائلة على تسليع المشاعر، إضافة إلى التلاقح غير المتوازن بين أمم الأرض وشعوبها بفعل العولمة وبروز التكنولوجيا وتنشيطها استيراد العادات التقاليد، فمن المُدهش الاحتفاء بالحب عندنا بمناسبة تعود لقديس أوروبي، في وقت على ما يقول المؤرخ رشيد الخيّون،  “أن كل قصة عشق عربية تليق أن يكون لها احتفال حزن سنوي، فمأساة ضحاياه المفعمة بالشّيمة والوفاء عالقة برمال الصحراء”، فيوم الحب، هو يوم جميل بثينة، وقيس لبنى، وقيس ليلى، وكثير عزة، وبن زيدون وولادة بنت المستكفي.

السؤال، هو لماذا هذه الأوربة (من اوروبا) للحب، وكان العرب من الأمم التي انشغلت بتعريفه، واعتبره إخوان الصفا من الفضائل الكبرى، وقالوا عنه: ” هو إفراط المحبة وشدة الميل إلى نوع من الموجودات دون سائر الأنواع وإلى شخص دون سائر الاشخاص”، وقال فيه  الفقيه ابن الأثير” دمع العاشق ودم القتيل متساويان في التشبيه والتمثيل”، وعرّفه ثمامة بن الأشرس : ” لمح نور ساطع تستضيء به نواظر العقل وتهتز لإشراقه طبائع الحياة، فيصير من ذلك اللمح، نور خاص لاصق بالنفس متصل بجوهريتها يسمى عشقا.

التراث العربي والإسلامي كان منفتحا على أحاديث العشق والعاشقين، ولم يكن حصرا في كتب الأدب والاشعار، فهناك من تناول العشق موضوعا لمؤلفه، ومنهم ابن حزم الظاهري (طوق الحمامة في الألفة الألاف)، والقاري (مصارع العشاق)، وابن الجوزي (ذم الهوى)، اين قيم الجوزية (روضة المحبين ونزهة المشتاقين)، ابن حجلة (ديوان الصبابة)، الإنطاكي (تزيين الأشواق بتفصيل أشواق العشاق)، محمد صديق خان (نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان) وغيرها.

فيا لك جار الجنب أسمع حسه       وأعلم أن الصين أدنى وأقرب.

كان المبدأ في الحب هو العفة واحتمال البعد وعدم انتهاك التقاليد والأعراف والشرائع الدينية، لكن لم تغب اللذة كما في هذه الزمن ولو أدت إلى ارتكاب المحظور على قول أحدهم: شفاء الحب تقبيل ولمس …و

فليكن عيد للحب، ما يجب أن نعرفه، هو أن ليس هناك روميو واحد أو جولييت واحدة، أو قيس واحد أو ليلى واحدة، وليس هناك عشق واحد، هناك في كل زمن وفي كل مكان عاشق وعاشقة، ومناطقنا بمدننا وأحيائنا وبلداتنا وقرانا تزخر بقصص  مشوقة وجياشة بالحب والوفاء لعاشقين وعاشقات، ومنهم ومنهن من افتدى بروحه محبوبته وافتدت بروحها محبوبها، بهولاء يعيّد عيد الحب ولو كان أوروبيا، فلنرو حكايات هؤلاء العاشقين ليتشرّب العيد شيئا من أصالتنا الوطنية والقومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى