مواسم

الانتخابات وزوربا والعاهرة

حسين حمية

لمن لا يتذكّر، في هذا المشهد يحتضن زوربا العاهرة مدام هورتنيس، كانت في هذه اللحظة تعاني سكرات الموت، لقد بدأ جسدها يشعر ببرودة لما أحس بخروج الروح منه، ووحده زوربا الماجن بما يختزن من عواطف ومشاعر جيّاشة، يعيد إليها شيئا من الدف، كان يهدىء من روعها، كان قادرا على الوقوف معها في هذا المكان المملوء بالخوف والهلع الذي يودي إلى الموت.
هل تذكرون؟ في هذا المشهد أيضا عجائز القرية، كن يجلسن حولها، يلبسن الأسود ويظهرن الحزن على وجوههن ويعصرن أكفهن تعاطفا مع المرأة التي كن قبلُ، قد قتلنها بنميمتهن عليها وبسمعتها وإساءاتهن لها ولؤمهن معها، كان وجودهن حولها لسبب آخر، فكنّ طوال الوقت يتلفتن يمنة ويسرة ليتفحصن أغراض السيدة التي لم يعد لها أحد في هذه الدنيا بعد وفاة زوجها، لقد كنّ يمدن رقابهن ليتلصلصن عليها وهي في حضن زوربا، ليعرفن متى تموت.
هل تذكرون؟ كيف أعاد لها زوربا بحنانه وحبه قليلا من الحياة، لقد اشترى لها تلك اللحظات من الموت، نعم أحيانا الحب يقتطع وقتا من الموت، فغفت على كتفه متوسدة بأمان، وإذ بالنساء العجائز يعتقدن أنها ماتت، فيبدأن بالعويل والصراخ والنواح ونتف شعورهن، ثم تتجه كل واحدة إلى مقتنيات “العاهرة” ليسرقن ما خف حمله وغلا ثمنه، وفجأة تستفيق السيدة هورتنيس على هذا الصراخ والضجيج وقد هالها ما يفعلن وهي ترى جنى عمرها بين أيديهن من دون أن يحترمن لحظاتها الأخيرة في هذه الحياة، تنظر بدهشة وخوف وتمد يدها إلى الجارور الذي قرب سريرها وتأخذ الصليب قبل أن تطاله أيدهن وتضعه على صدرها وتموت.
منظر القوى السياسية اليوم المتنافسة على حب لبنان وتنظيفه من الفساد وحمايته من العدو وبنائه من جديد، والبحث له عن دولة، يذكرني بذاك المشهد في فيلم زوربا، بالعجائز التي أحاطت سرير مدام هورتنيس، ففي غمرة هجومهم على الواقع المتردي، عيونهم مصوبة إلى هذه الوزارة أو تلك، إلى هذه المؤسسة، إلى وظيفة أو مشروع أو استثمار في مكان ما يطمحون إليه بعد الفوز.
أذكر وأنا أشاهد هذا المشهد في الفيلم أني تأثرت على “العاهرة” من هذا الاستهتار باستخدام النفاق، لكن اليوم، اشاهد بلامبالاة، ففي فيلم زوربا هناك ممثلون محترفون يحترمون مهنتهم، أما مرشحونا فليسوا كذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى