ذاكرة وأمكنة

ذكريات بيروتية.. سينما أمبير وفلافل فريحة وشارع المتنبي والفرقة ١٦!
حيدر حيدر

قبل الحرب الاهلية التي اندلعت في العام 75 بقليل كنا شلة من الاصدقاء والأقرباء نسكن في منطقة الشياح، نتوافد على ساحة البرج أو ساحة الشهداء. والتسمية تعود إلى البرج الذي بناه العثمانيون بهدف المراقبة ومن ثم تحولت إلى ساحة الشهداء نسبة إلى ما اقترفه جمال باشا الجزار من إقدامه على إعدام رموز وطنية طالبت بالاستقلال في المكان نفسه، فصار اسمها ساحة الشهداء، لكن قبل تلك التسميتين كانت الساحة تُعرف في أيام فخر الدين باسم ساحة البساتين، لأن الأخير بستنها وزرعها بالأشجار.
لكن بالرغم من التسميات الكثيرة التي أُطلقت على تلك الساحة بقي إسم ساحة البرج هو الأكثر تداولاً بين الناس، إذ كانت تستقطب أغلبية الشعب اللبناني وتتسع لجميع فئاته الاجتماعية، الأغنياء منهم والفقراء. وكان البعض يطلق عليها تسمية «البلد» نسبة لرمزيتها في جمع البلد كله.

شكّلت ساحة البرج الشريان الحيوي الرئيسي للتواصل بجميع المناطق اللبنانية، حيث كانت تضم مواقف السيارات ووسائل النقل الأخرى من بوسطات وغيرها وتنطلق منها إلى ضواحي بيروت ومعظم المناطق اللبنانية.

أيضاً كانت ساحة البرج تحوي جميع دور السينما والمسرح ويحدها عدد كبير من الأسواق التجارية منها سوق الخضر، الأسماك، اللحوم، سوق «أياس» و«النورية» وسوق الذهب وغيرها من الأسواق المتعددة والمتنوعة التي لا يتسع ذكرها الآن.

كنت الأصغر سنّا في شلة من الشباب والصبية تتراوح أعمارنا بين 15 والعشرين عاماً ونسكن الشياح، وعندما تكون وجهتنا “البلد”، ننتظر على طريق صيدا القديمة لنستقل الأتوبيس الذي درجنا على تسميته بجحش الدولة، والكلفة كانت عشرة قروش ينقلنا إلى ساحة الدباس أو ساحة البرج.

عندما نصل إلى جانب دور السينما يبدأ الفرز والاختيار، لكلٍ هوايته وغاياته، نحن الأصغر سناً كنا نهوى أفلام الكاوبوي وأفلام جيمس بوند في سينما أمبير. أما الأكبر سناً كانوا يقفون على أبواب صالات السينما التي تعرض أفلاما عاطفية وحب للتعرف على الصبايا وما يحلو من بصبصة أو صيد ثمين.

كانت صالات السينما تعرض الأفلام في التوقيت نفسه، أي عندما ينتهي عرض الفيلم نعود لنلتقي معاً ونذهب سوياً الى فلافل فريحة فنقف بالصف لشدة الطلب. يشرف فلافل فريحة على شارع المتنبي (بنات الهوى) يتهامس الكبار للذهاب إلى الشارع، نلحق بهم نحن الأصغر سناً، يتملكنا الخوف والذعر من أن يرانا أحد. على بلكون نزل كتب عليه «هيلدا» تقف حسناء شبه عارية، تشخص عيوننا إليها والخدر ينتاب الجسد، يضع حسين أصابعه في فمه يصفر ابتهاجاً، تصرخ الحسناء لتخويفنا «اهربو إجت الفرقة 16».

كانت الفرقة 16 أقوى فرق قوى الأمن الداخلي، رجالها من ذوي الأجسام الرياضية وأصحاب العضلات المتخصصون في مكافحة الشغب. كان مجرد السماع باسمها يرعبنا فنطير كالعصافير أو كأننا في سباق. نهرع ونحتمي بين جموع الناس في ساحة البرج ثم نلتقي عند بائع الليموناضة «تعى بورد.. تعى بورد»، رجل طويل القامة عريض المنكبين يحمل على ظهره إناء كبير كالجرة، مشبوك من أسفل الظهر إلى أعلى الكتفين والخصر، مزين بالورد، موصول بأنبوب ينتهي بحنفية كخزان المياه، يعبئُ منها الليموناضة داخل وعاء من نحاس مخلوط ببرش من الثلج، وعند الانتهاء من كل تعبئة في ذلك الوعاء النحاسي يعاود الترداد «تعى بورد.. تعى بورد»، نردد معه للاصحاب ونعطيه عشرة قروس ثمن ما ارتوينا بعد هجمة مرتدة إلى الخلف.

بعد هذه المخاطرة، بدأت أنفرد عن أترابي والتحول بالذهاب إلى مسرح «شوشو». لقد حالفني الحظ أن حظيت بحضور عروض عدة في ذلك المسرح، لكن حظي تعثّر فيما بعد حيث حطت الحرب الأهلية أوزارها وأهوالها، ولا زلنا إلى الآن نحصد نتائجها واستمراريتها بأشكال أُخرى، لكن لا يزال صوت شوشو يتردّد في أعماقنا «آخ يا بلدنا.. سراقين يا بلدنا.. قالوا عنا سراقين».

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق