ذاكرة وأمكنة

غالب ياغي في “خباياه”..نكء للجراح أو بعلبك تحت الشمس!؟
حسين حمية

لو قال المحامي غالب ياغي عن كتابه “خبايا الذاكرة” معرّفا “ليس بمذكرات ولا بتأريخ لفنرة زمنية معينة وليس سيرة ذاتية..”، مع ذلك يمكن أن نوافقه هذا القول وأيضا نخالفه، فهو بالجملة لا يمكن تصنيفه على عنوان واحد من هذه الكتابات، بينما بالمفرق يشتمل على كل هذه العناوين، فهو مذكرات وسيرة وتاريخ وخواطر وتحليل في وقت واحد.

مع أنه مضى أشهرا على نشره، لم يأخذ كتاب ياغي حقّه في المناقشة والمراجعة، وهذا ما يظهر في “غوغلته” على الشبكة العنكوبتية، فالمقالات التي تناولته كانت شحيحة جدّا في العدد (أدنى من عدد أصابع اليد والواحدة) وكذلك في المضمون (كأن من كتبها اطلع عرضا على الكتاب)، باستثناء ما قاله مؤلف الكتاب في مقابلة إذاعية على إذاعة الشرق، وفيها كان بارعا في لفت الأنظار إلى عمل نادر قام به وهو على عتبة التسعين من عمره وتفتقده مدينة بعلبك ومنطقتها.

لا غرابة أن يتم التعامل مع “خبايا الذاكرة” البعلبكبة على هذا النحو، فنحن أمام داء جماعي شمولي، أمّة بأكملها باتت تحتكم في آرائها ومواقفها إلى خبر عاجل لا يقتضي تحريره ثوان قليلة، أو إلى الخطابات والمؤتمرات الصحافية، او الاشتباكات الكلامية على الهواء ومقدمات نشرات الأخبار، أو منهمكة في تداول فيديوهات وصور فضائحية أو التنصت على ما يُقال تحت السمع. نحن أمام حقيقة، هي أن مجتمعاتنا ما زالت تمانع أن تجاري الأمم الأخرى في اعتماد الكتاب مصدرا أساسيا لتشكيل الوعي وتشخيص الواقع.

كتاب “خبايا الذاكرة”، سواء كنّا مع مضمونه أو معارضين، مع المؤلف أو ضده، هو كتاب مثير للجدل في أكثر من موضوع أو قضية يتناولها، خصوصا ما يتصل بمدينة بعلبك ومنطقتها، وفي هذا الكتاب، لسنا أمام سيرة غالب ياغي ودور عائلته التاريخي في المدينة فقط، بل ما يطرحه الكتاب يلامس التاريخ المعاصر لهذه المدينة، من طفولة بعلبك الحديثة ثم المرحلة المؤسسة (بكسر السين الأولى) إلى يومنا هذا.

مثار الجدل في “خبايا الذاكرة”، أنه في متن (وليس بالهامش) ما تناوله غالب ياغي، مرحلة تاريخية من مدينة بعلبك ومنطقتها (منذ ولادة لبنان الكبير إلى يومنا هذا)، ما زالت محفوظة في ذاكرات جيل من أهل المنطقة آخذ بالانقراض، تجري استعادتها على شكل حوادث متفرقة ومقطوعة عن سياقاتها الكبرى، مخافة نكء جراحات المدينة وإعادة انتاج العدوات والضغائن أو وصمها ب”أدب نبش القبور”، وهذا ما يؤدي غالبا إلى تشويهها أو إساءة استخدامها، لكن بعلبك ومعها المنطقة، بحاجة إلى من يلقيها علينا دفعة واحدة، وهذا ما فعله غالب ياغي، بكشفه خباياه بحلوها ومرها فاتحا الطريق أمام إعادة بناء تاريخ تلك المرحلة المهمة من تاريخنا في منطقتنا.

كيف؟ فضلا عن شخصية المؤلف ومروحة علاقاته الواسعة واحتكاكه مع شخصيات نافذة ومؤثرة في لبنان والعالم العربي (ميشيل عفلق، أكرم الحوراني، صلاح البيطار، فؤاد شهاب، صبري حمادة، كمال جنبلاط، عبد الحميد السراج، حميد فرنجية، المهدي بن بركة، سعدون حمادي وغيرهم)، هناك الأدوار المهمة والخطيرة التي اضطلع بها منذ شبابه (مواليد 1932) إلى يومنا هذا، إن من خلال عائلته ( آل ياغي) أو من موقعه الحزبي (الأمين القطري لحزب البعث قبل الانقسامات) أو ما راكمه ذاتيا وكانت ذروته ترؤس بلدية بعلبك (1998) وترشحة للنيابة في أكثر من دورة انتخابية وكان آخرها (2018).

على السطح، تطفو قراءة سيرة المؤلف وعائلته، لكن كون هذه السيرة ملتصقة بأحداث كبرى شهدتها المدينة ومنطقتها وكذلك الوطن ومحيطه، هناك قراءة بالعمق، يمكننا من خلالها استكشاف عملية التلاقح  بين تلك الأحداث والمضاعفات الناجمة عنها، وبين التبدلات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شكلّت فيما بعد الصورة الجديدة لمنطقتنا بمدينتها وقراها.

لم يؤرخ غالب ياغي لسيرته أو لمدينته أو للمنطقة بمحطات مفصلية، إنما كان يسرد التطورات سنة بسنة. مع ذلك، لا يمكن مؤاخذته على هذه المنهجية، فهو لم يزعم لنفسه كتابة مثل هذا التاريخ. وعلى الرغم من هذا، ترك الباب مفتوحا أمام القارىء أو الباحث، للتصويب على مثل هذه المحطات مستفيدا من كم هائل من الاحداث والوقائع وضعها المؤلف قصدا أو بغير قصد لهذه الغاية.

من الدور الصاعد لعائلة ياغي في مدينة بعلبك إبان الانتداب الفرنسي، وصراعاتها العائلية على السلطة في المدينة مع الحيادرة، ثم تحسسها من تدخلات الزعامة الحمادية ( صبري حمادة) في شؤون بعلبك، ثم تصديها لتمثيل المدينة في المجلس النيابي عبر محمد عباس ياغي، ومواكبة العمل الحزبي العقائدي إلى اكتساح الثنائي الشيعي تمثيل المدينة والمنطقة والنطق باسمها اليوم. كل هذه العناوين قاربها غالب ياغي ليس باسمها الحرفي إنما بأحداثها ووقائعها، وجعلها تحت الاضواء، مستندا إلى معايشته لها وأدواره فيها، مع الإشارة إلى أنها ليست مقفلة على روايته فقط، إنما مفتوحة على حقائق أخرى وتأويلات مختلفة.

لا يتسع المجال هنا، تناول كل هذه العناوين، مع أن “مناطق نت” سيفعل ذلك في مناسبات أخرى، لكن يبقى أحد المفاتيح المهمة لرصد التحولات الاساسية في مدينة بعلبك والمنطقة، هو دور آل ياغي، ليس كصنّاع لهذه التحولات المحلية، إنما لحسن توظيفهم التبدلات السياسية الكبرى في المنطقة بعد هزيمة السلطنة العثمانية لتعظيم دورهم في المدينة.

يتحرج غالب ياغي من تخصيص فقرة من كتابه عن جده خليل ياغي مخافة أن اتهامه بالعائلية والعشائرية ويقول “كتابتي عن خليل ياغي ليس بدافع عائلي بقدر ما هو تقدير لرجل عصامي”، لكن بنظرنا أهمية هذا الرجل لا يستدعي مثل هذا التحفظ، خصوصا انه هو من زرع بذور الصراع مع الثلاثي الإقطاعي (آل حيدر، آل المطران، آل الرفاعي) الممسك بسلطة بعلبك، إن بقوته العددية كونه أبو العشرة (أب لعشرة أولاد) أو بثروته “بجده واستقامته وعمله الدؤوب استطاع مع تقدم الأيام أن يصبح من كبار الملاك والأغنياء في بعلبك”، على ما جاء في “خبايا الذاكرة”.

وقوع بعلبك تحت الانتداب الفرنسي، لم يقطع الصلة مع نخب المدينة الإقطاعيين أيام العثمانيين، فاستعانت السلطات الجديدة بهم لتثبيت سيطرتها مع تركها الباب مفتوحا أمام نخب جديدة للمشاركة في إدارة بعلبك عبر إجراء الانتخابات لمجلس إدارتها.

تركة خليل ياغي هيأت الظروف لأولاده لتشكيل تحالف عائلي لمواجهة الحيادرة، وعلى ما يذكر غالب ياغي في كتابه “عام 1932 (اي بعد 3 سنوات من وفاة خليل ياغي)، جرت في بعلبك انتخابات مجلس الإدارة ..فاز فيها أربعة أعضاء مدعومين من تحالف بعلبكي كانت عائلتنا محوره، شكلت هذه الانتخابات مرحلة حاسمة في تاريخ بعلبك لسببين:

الأول: خسارة عائلة حيدر الانتخابات للمرة الأولى.

الثاني: تحرر العائلات الشيعية من عقدة الخوف.

يروي بعض من عاصر تلك المرحلة أن المستشار الفرنسي دوفارج أطل من نافذة غرفة القئمقام بعد انتهاء فرز الأصوات معلنا بالفرنسية “yaghi a ganee” مع أنه لم يكن لآل ياغي أي مرشح بل كانوا وراء تشكيل اللائحة”، انتهى الاقتباس من كتاب غالب ياغي.

مع أنه لا يمكن تجاوز أسباب هزيمة الحيادرة في تلك الانتخابات ببروز قوة عائلية منافسة لهم، وهذا متروك للنقاش، لكن بالوقت نفسه لا يمكن إغفال نتائجها، وتأسيسها لتبدلات على مستوى سلطة المدينة أخذت بالتدريج الانفكاك عن المرحلة العثمانية، وانبثاق مرحلة جديدة من تاريخ بعلبك والمنطقة، وبغض النظر عن حجم التغييرات التي انطوت عليها وأهميتها، أو الموقف منها، إلا أنها تبقى الينابيع الأولى لقراءة التغييرات اللاحقة…وسيكون لنا وقت للحديث عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق