أحوال

“حرمان تحت العتمة” للدكتور علي الزين.. المناطق الأشد فقراً “تحت الضوء”

لا يدور واقع في مدارات حرمانه جرّاء قدرية تسبغ عليه حتمية لا رادّ لها. فالبؤس والفقر والعوز المحيقة “بمناطق العتمة” في لبنان ليست طبيعة لصيقة تصير قابلة للاستبطان من قبل أهل هذه المناطق الآلفون لحال التهميش الذي نشأوا عليه، وبالمقابل يصير الاستبطان مزدوجا عند ناس آخرين، تشاء الصدف أن يعيشوا في مدن منتعشة بازدهار قطاعاتها ومتنعّمة بالاكتفاء من الخدمات وتجاوزها حدّ الترف. فيتعمّق لدى أولئك المحرومين وهؤلاء المحظيين، إحساس بالدونية يتطبّع عليه سكّان أقضية الأطراف، يقابله شعور بالتميّز والتمايز والأفضلية يرسخ في ذهنية آهلي المدن ونفوسهم.

لكن هذا الدمغ القسري والتفاوت المعيشي وبالتالي الحضاري ليس قدرًا محكمًا، ولا معطى طبيعيا حتميًا ومتجذّرًا غير قابل للتغيير، بل ما هو مسيطر على هذا التصوّر المتقادم، هو الفهم القاصر والجهل الممعن في عدم الإلمام بمعارف وعلوم وقراءات وأبحاث، قادرة على إماطة اللثام والغموض وتبديد اللبس الذي يلف مقاربة الناس لقضايا ومسائل متشابكة تتعالق جميعها وتتشابك لتشكّل وتقرر وضعية الإنماء في المناطق اللبنانية؛ كالتدخّلات الطائفية، ودور الدولة ووظيفة مؤسساتها، والحيثيات السياسية الفاعلة والمحدّدة لكيفية التكوين الإنمائي في منطقة ما من لبنان.

البداية من الوضع الصحي

كتاب “حرمان تحت العتمة، إنماء غير متوازن”، لمؤلّفه الدكتور علي الزين، يضع إشكالية الإنماء في لبنان ضمن مسارها التاريخي، ويدرجها في سياقاتها السياسية، ويعرض لها من خلال الحيثيات والمنعرجات التي سلكتها. وهو فضلًا عن موضعة هذه القضية في ظروفها الموضوعية ليسهل فهم الملابسات التي أحاطت بها، يرفد القارئ بتجارب ميدانية واختبارية موثّقة وموثوقة مدعّمة بالاستبيانات الإحصائية، ومرتكزة على منهجية علمية وبحوث منظمة وموجهة أشرفت عليها جهات أكاديمية وهيئات دولية ومراكز أبحاث مرموقة.

يرمي الكاتب من خلال هذا الجهد إلى تقويم عملية الإنماء المتوازن وتدعيم إصدار الحكم عليها بدلائل وشواهد عمل على استقرائها وجمعها من خلال انخراطه في العمل الميداني المباشر، وأهّله لهذه المهمة موقعه كمدير للبرامج في منظمة اليونيسيف الدولية، وكمستشار في المنظّمة لبرنامج التلقيح ضد كزاز الأطفال في عام 1987. ومن هنا شكّل العامل الصحي في المناطق اللبنانية المنطلق الأساسي والباب الذي دخل منه الكاتب الباحث إلى المناطق الطرفية، لاسيّما في بعلبك-الهرمل بقاعا، وعكار والمنية والضنّية شمالاً.

وإذا كانت مقاربة موضوعة الصحة في القرى النائية انطلاقًا من محدّداتها الاجتماعية والشبكة المرتبطة بها كوضع المستشفيات والمراكز الصحية والطواقم الطبية العاملة في حقل الصحة، هي نقطة البداية التي عرّفت المؤلّف بحال الحرمان في هذه الأنحاء البعيدة عن المراكز المدينية، فإن واقع الفقر والحرمان والتخلّف حفّزه على تطوير البحث وتوسيعه ليشمل مظاهر البؤس التي يغرق فيها أهل “مناطق العتمة”.

مضامين الكتاب

ومن بين هذه المظاهر التي عُني المؤلّف بدراستها للإحاطة بأوجه الفقر المديني؛ التعليم والتربية، الزراعة، عمالة الأطفال، ووضع المرأة الاجتماعي، فنتج عن الإفاضة في البحث والتشعّب في العمل التجريبي كتابا موسوعيا هو بمثابة مرجعية جديرة بالثقة لمن يريد الاطلاع على مسألة الإنماء بين المناطق في لبنان.

يقع المؤلّف الموسوعي في ستة فصول؛ يستهلّه كاتبه بعد صفحات التقديم والإهداء بفصل أوّل يعرض فيه بلمحة تاريخية إلى مأزق الإنماء المتوازن في لبنان في الفترة الممتدّة بين عامي 1990 و2011. وفي الفصل الثاني نطّلع على دراسات ميدانية في الأقضية الأربعة استطلعت أحوالها التربوية والصحية والاجتماعية، ويخصّ المؤلّف الفصل الثالث بتجربته مع حملة التلقيح ضد كزاز الوليد. ونستكمل الفصل الرابع مع ظاهرة عمالة الأطفال، بينما يُفرد دكتور علي الفصل الخامس للوضع المعيشي والصحي والاجتماعي لمنطقة التبانة وجبل محسن. وينتهي العمل الضخم إلى فصل أخير يقصد فيه الكاتب إلى ربط إشكالية الإنماء بسياسات العولمة وأثرها في الأوضاع الصحية والاجتماعية في البلدان النامية.

الإنماء اللامتوازن، تاريخ ومسار

يحرص الدكتور الزين على ربط أجزاء الكتاب وفصوله بخيط ناظم برغم من تفريعه لحقول التنمية التي خصّ فيها كل فصل، وإن طغى الجانب الصحي على أغلبها. وتتركّز الفكرة الأساسية في استخلاص كون محاولات الإنماء في لبنان لم تحقق التوازن ولا الموازاة بين المناطق، بالرغم من أن الإنماء المتوازن هو حق دستوري كرّسه اتفاق الطائف.

ولإثبات طرحه الذي يتعدّى كونه فرضية نظرية إلى نتائج ملموسة، يلاحق الدكتور الزين مسألة ولادة طرح الإنماء في المناطق اللبنانية منذ العهد الشهابي الإصلاحي، حيث أظهر الرئيس فؤاد شهاب مصداقية في التعاطي مع المناطق البعيدة المحرومة، فأرسل بعثة إرفد1961 لاستطلاع واقعها وخلص إلى التأكيد على “التفاوت الكبير بين المركز والأطراف” وحذّرت من “خطورة استمرار ذاك التفاوت، الذي كان أحد عوامل وقوع الحرب الأهلية في لبنان” بحسب الكاتب.

ولعلّ أبرز المقولات الشائعة التي يدحضها الكاتب في سياقات تحليله لواقع الإنماء اللامتوازن، هو التصنيفات المختزلة للواقع الاجتماعي وتقسيمه إلى فقراء وأغنياء. فإهمال السلطة السياسية المقصود والمتنامي لمناطق الأقضية الأربعة المذكورة، يعمّق “الهوّة ليس بين لبنانين؛ غني وفقير وحسب، بل أضاف المؤلّف إليهما ثالثًا، هو الأشد فقرًا وحرمانًا، ويضمّ “الفقراء تحت العتمة” الذين يعيشون في الأقضية موضوع الكتاب، لتمييزهم عن “الفقراء تحت الضوء” وهم سكّان القرى والأرياف التي شهدت إنماء ملحوظًا بخاصة في مناطق الجنوب. ويضيف:” بعد ثلاثين عامًا على تقرير بعثة إرفد، توسّعت الفروق ليولد لبنان ثالث، فالحرمان نسبي والأقضية الأربعة تقع في دائرة المناطق الأكثر حرمانا”.

الإنماء اللامتوازن، بين النوايا والتطبيق

لا يغيّب الدكتور الزين الأسباب التي أفضت إلى فشل محاولات الإنماء، والتي أبقت بالتالي التنمية مجرّد شعار لم يؤت ثماره ولم يفض إلى نتائجه المرجوّة. والسبب الأعمق هو في عدم وجود إرادة سياسية للتغيير ليس فقط لدى المتتالين على الحكومات اللبنانية المتعاقبة، الذين يخضعون الإنماء لمنطق المحاصصة “الذي هو بالأصل مفهوم نقيض للتنمية” ، ولكن أيضًا “لدى القوى المهيمنة عالميا ولدى الأنظمة المتخلّفة والفاسدة الحاكمة في أكثر الدول النامية، والتي لم تلق دعم هذه الدول”. وهكذا فإنّ معوّقات وعراقيل تحقيق المشاريع الإنمائية، تضعها السياسات الداخلية والدولية. من هنا يتطرّق الكاتب إلى أثر العولمة السلبي وتدخّلاتها اللامنصفة بين الدول وفي الدول نفسها، :”إنّ الاختلالات التي تولّدها العولمة على الصعيد الدولي هي أعمق وأكبر مما هي على الصعيد الوطني. إنها تعمل أفضل لصالح الأغنياء، أما مخاطرها وإخفاقاتها فتصيب الفقراء أكثر”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى