أبنية طرابلس القديمة تتهاوى فوق قاطنيها والخوف يملأ أحياء المدينة

في حيّ الأرز، عند أطراف منطقة القبّة في طرابلس، لا تزال الأرض تلفظ ذاكرتها الثقيلة. تحت الأنقاض، استمرّت لساعات طويلة عمليّات البحث عن الممرضة إليسار المير، التي باغتها فجر السبت سقفُ منزلهم الآيل للسقوط، فانهار فوق رأسها ورؤوس أفراد من عائلتها بينهم الوالدان والشقيق والشقيقة.

نجحت الفرق الإسعافيّة في إنقاذ الأخت بعد ساعات من الحادثة، ثمّ انتشلت جثمان الوالد، قبل أن تتمكّن لاحقًا من إنقاذ الأم والشقيق. وحدها إليسار ظلّ اسمها عالقًا بين الركام، بين رجاءٍ خافتٍ وخوفٍ يتكثّف مع انقضاء كلّ دقيقة.

على بُعد أمتار قليلة من المبنى المنهار، رابَط محمّد المير ينتظر. لم يكن يعلم أنّ من أُخرج لتوّه من تحت الأنقاض هو شقيقه الوحيد أحمد، ربّ العائلة. لم يجرؤ أحد على إخباره. كان يصرخ في وجه رجال الإنقاذ، بعينين مثقلتين بالترقّب “جاوبوني… قولوا لي، مين بالكيس؟ هيدي جثة أخي؟”.

دقائق قليلة كانت كافية لتبدّد الأمل. وصل الخبر من المعنيّين، فعاد محمّد إلى كرسيه بصمتٍ ثقيل، رثى شقيقه وبكى بكاء من خسر نصفه الوحيد.

مئة بناء على حافّة الانهيار

المأساة لم تتوقّف عند حدود ذلك المنزل. سكّان الأبنية المجاورة عبّروا عن غضبهم وخوفهم في آنٍ معًا. فالقبّة، كما يقولون، تقف على حافة الانهيار. أبنية متعبة، متشقّقة، مهدّدة بالسقوط في أيّ لحظة. أحد سكان الحيّ قال لـ “مناطق نت” إنّه يخشى النوم ليلًا، خوفًا من أن يهبط السقف فوق رأسه ورؤوس أطفاله.

ومع انهيار المبنى في القبّة، ارتفعت أصوات الخوف في أحياء أخرى من المدينة، كالتبّانة وضهر المغر. تشقّقات طالت عددًا من الأبنية، دفعت ببلديّة طرابلس إلى إصدار أوامر بالإخلاء الفوريّ. لكنّ السؤال كان واحدًا، يتردّد على ألسنة الجميع: “وين منروح؟”.

يقول عصمت صالح، أحد سكّان مبنى متصدّع في محلّة باب التبّانة الطرابلسيّة “وُلدت في هذا المبنى، وعشت فيه عمري كلّه. اليوم أراه يتصدّع يومًا بعد يوم، من دون أن يقدّم المعنيّون أيّ بديل يحترم حقوق الناس وحياتهم الكريمة”.

ماذا تقول البلدية

من أمام المبنى المنهار في القبّة، حاول رئيس بلديّة طرابلس عبد الحميد كريمة وضع الأمور في إطار الأرقام، مؤكّدًا أنّ الوقت ليس للعواطف ولا لبيع الكلام، بل للعمل. وكشف عن وجود أكثر من 700 مبنى متصدّع في المدينة، نحو 105 منها مهدّدة بالسقوط في أيّ لحظة.

من جهته أكّد عضو مجلس بلدية طرابلس المهندس سامر خلف لـ “مناطق نت” أنّ “البلدية تقدّم كل ما لديها عند كل كارثة، من فرق إنقاذ إلى معدات، ولكن هناك مشكلة حقيقية تواجهنا وهي لا نملك معدات كافية، ولا إمكانيات مادية تكفي للتعامل مع هكذا قضايا”. وأشار إلى أنّنا “نحشد كل جهودنا مع نقابة المهندسين والبلدية وكل المعنيين لمتابعة هذا الملف رغم إمكانياتنا الضئيلة”.

بدوره، أشار عضو مجلس بلديّة طرابلس إبراهيم العبيد أنّ “المرحلة الراهنة تتطلّب الابتعاد عن الشعارات والتركيز على وجع الناس”. وأكّد في حديث لـ “مناطق نت” على أنّ “أهالي ضهر المغر والقبّة هم أهلنا، وحقّهم في أن يعيشوا بأمان وكرامة، وهذه أولويّة إنسانيّة قبل أن تكون مسؤوليّة رسميّة”.

مخاوف تثقل كاهل السكّان

مع كلّ شتاء، تعود المخاوف القديمة لتثقل كاهل سكّان حيّ ضهر المغر، فالفصول الباردة هنا لا تحمل المطر والرطوبة فقط، بل تجلب معها هاجس الانهيار والموت تحت سقف لم يعد آمنًا.

رانيا، إحدى ساكنات الحيّ، تختصر ثلاثين عامًا من القلق بجملة موجعة: “كل ما حلّ الشتاء، نأوي إلى فراشنا وننام قرب بعض، ليس حبًّا، بل خوفًا، حتّى ما إذا وقع المبنى نكون قد قضينا سويًّا”.

في منزلها الصغير، بين غرفتين تضيقان بالعائلة والقلق، تستعيد رانيا صور زفافها وأحلام البدايات. لكنّ الرطوبة التي تزحف فوق الجدران، والتشقّقات التي تشقّ طريقها في السقف والمطبخ وغرفة النوم، تقطع الحديث، كإنذار صامت لا يسمعه أحد.

لسنوات طوال، شكّلت الأبنية المتصدّعة في ضهر المغر خطرًا دائمًا على حياة مئات العائلات. الحيّ شهد في الأعوام الماضية مآسِ متكرّرة، أبرزها انهيار مبنى في العام 2022، أودى حينها بالطفلة جومانة ديكو، والذي بقي جرحًا لم يندمل بعد في ذاكرة السكّان حتّى الآن.

رانيا: كل ما حلّ الشتاء، نأوي إلى فراشنا وننام قرب بعض، ليس حبًّا، بل خوفًا، حتّى ما إذا وقع المبنى نكون قد قضينا سويًّا

الغضب هنا لا يقلّ حضورًا عن الخوف. أحد أبناء الحيّ، في السبعين من عمره، يصرخ بمرارة: “بدل أن أعيش شيخوختي في أمان، أعيش تحت سقف لا أعرف في أيّ وقت ينهار فوق رأسي وأموت”.

المغر معاناة طويلة

يمتدّ حيّ ضهر المغر عند الضفّة الشرقيّة لنهر “أبو علي”، في قلب ما يُعرف بدائرة الفقر في طرابلس، محاطًا بأحياء تعاني ظروفًا اجتماعيّة واقتصاديّة قاسية، من القبّة والتبّانة إلى البدّاوي والمنكوبين. إنّها مناطق تشكّل امتدادًا لمدينة تاريخيّة تعود جذورها إلى العصر المملوكيّ، وتضمّ مبانٍ قديمة ما زالت مأهولة على رغم تهالكها وغياب الصيانة عنها منذ عقود.

يحذّر متخصّصون من أنّ عامل الزمن بات خطرًا مضاعفًا، لا على حياة السكّان وحسب، بل على الإرث المعماريّ لطرابلس، العاصمة المملوكيّة الثالثة في العالم العربيّ بعد القاهرة وحلب.

استنفار رسميّ

على الرغم من الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى طرابلس صباح الإثنين، واجتماعه في السراي الحكوميّة مع عدد من نوّاب المدينة وفعاليّاتها لبحث سبل المعالجة، إلّا أنّ الناس، هنا، يقولون إنّهم تعبوا من الانتظار، ويريدون حلولًا سريعة قبل فوات الأوان.

بين الخوف والانتظار، يبقى سكّان ضهر المغر والقبّة والتبّانة عالقين تحت أسقف متعبة، ينامون كلّ ليلة على أمل أن يطلع الصباح من دون أن ينهار بيت، أو تُضاف مأساة جديدة إلى سجل مدينةٍ منهكة، سجلّ طويل من الإهمال، باتت طرابلس تحفظه عن ظهر قلب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى