أحمد هارون يتتبّع المرويّات لكتابة “تاريخ عبّا الاجتماعيّ 1860 – 2017”

تحتاج الوثائق التاريخيّة والجغرافيّة لمكان ما إذا ما توافرت مزيدًا من البحث والتمحيص، فكيف بتتبّع تاريخ قرية او بلدة موغلة في التاريخ وحكايا أهلها من دون وثائق تكفي للخوض في غمار البحث عن الأصول والحيثيّات والدقّة في ما قيل أو لم يقل.
وبلدة عبّا في قضاء النبطية، كغيرها من مناطق الأرياف اللبنانيّة الطرفيّة تكثر بين أهلها القصص والخبريّات والمرويّات التاريخيّة بيد أنّها تشكو من ندرة المصادر المكتوبة عنها، وإن وجدت، فإنّ محتواها لا يتعدّى العموميّات. من هنا، شعر الباحث الدكتور أحمد هارون وهو الخائض غمار دراسة التاريخ، بأنه بات لزاما عليه المباشرة بكتابة تاريخ بلدته بما تيسّر له ممّا هو مدوّن، وما أمكنه جمعه من روايات شفويّة، ممن تواترت إليهم الحكايا أو عاصروها لذلك لم تكن الطريق معبدة أمامه وسهلة، إذ تطلب منه جمع المصادر والروايات ومقارنتها وتبويبها وتدوينها سنوات عدة، بدءا من العام 2012 حتى تمكن أخيرًا من أصدار كتاب “تاريخ عبّا الاجتماعي 1860- 2017”
عبّا والتداعيّات التاريخيّة
يعرض الكتاب لثلاث مراحل “هي الأهمّ” في تاريخ البلدة الحديث والمعاصر، بدءًا بتفاعلها مع الأحداث التي أحاطت بالكيان السياسيّ لجبل عامل، والطبيعة الوظيفيّة للسلطة المحلّيّة في عهد السلطنة العثمانيّة قبل 1920. ثم المرحلة الثانية بين 1920 و1943 وتتناول موقف “العِبّاويّين” من “الاتّحاد والانفصال والانتـداب”، تشكّل الدولة القطريّة، والانضمام إلى دولة لبنان الكبير.
أمّا الثالثة فبين 1943 و2017 وتشمل ما بعد الاستقلال وما تخلّلها من مشاريع سياسيّة في سوريّة الكبرى وتداعياتها على البلدة، أهمّها: نكبة فلسطين، أحداث الحرب العالميّة الثانية، صراع حزبيّ الطلائع والنهضة، أحداث الـ 1958، صعود الأحزاب القوميّة واليساريّة والفلسطينيّة، تداعيات الحرب الأهليّة والاحتلال الإسرائيليّ، إنطلاق أعمال المقاومة.
تاريخ الناس وليس تاريخ النخب
لماذا تاريخ عبّا الاجتماعي وما الهدف من كتابته؟ نسأل الدكتور أحمد هارون فيقول: “نكتب تاريخ عبّا لأنّ الأبحاث التي تناولت التاريخ الاجتماعيّ للأرياف اللبنانيّة قليلة جدًّا، ولأنّ جلّ ما كُتب عن تاريخ جبل عامل، تحديدًا، ركّز على ما مضى من دور للنخب في أحداث تاريخيّة عامّة، ولم يستحضر تاريخ القرى العامليّة، ودورة الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والتعليميّة والصحّيّة فيها، بعدما عانت – وما زالت – من التهميش الذي مورس على الجبل خلال فترة بناء الدولة الوليدة، نعني بذلك مرحلتي الانتداب والاستقلال. ذلك أنّ التأريخ الاجتماعيّ علم قادر على استخدام واستكشاف قوانين تطوّر القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج؛ أو بمعنى أوضح: تاريخ قوانين التطوّر الاقتصاديّ والاجتماعيّ، تاريخ منتجي الخيرات المادّيّة لا تاريخ الرؤساء وقادة الطوائف، بل تاريخ الناس؛ كلّ الناس الذين صنعوا تاريخهم بأنفسهم”.

ويضيف الدكتور هارون إلى “مناطق نت”: “من هنا تكمن أهمّيّة الكتاب، في أنّه يبحث في التاريخ الاجتماعيّ لعبّا؛ وهي مسألة لها أهمّيتها من حيث امتداد الزمن التاريخيّ على مدى قرن ونيف، بدءًا من منتصف القرن التاسع عشر حتى بدايات الواحد والعشرين. ومن حيث المكان، في كونها تتموضع في بقعة جغرافيّة لها تأثيراتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة… وبداخلها كتلة سكّانية تفاعلت وما زالت تتفاعل مع مؤثّرات عدّة. إنّه كتاب يتيح فهم تطوّرها المنطقيّ، ويكشف تأثير الماضي في الحاضر، ويساعد في استشراف المستقبل، ممّا يمنح القارئ رؤية أعمق لفهم جميع التحوّلات الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة لتلك الحقبة”.
أبواب بين السلطنة والانتداب
يتوزّع الكتاب بين مدخل تاريخيّ وأربعة أبواب، يضمّ كلّ باب منها أربعة فصول؛ الباب الأوّل بحسب هارون “الظروف التاريخيّة التي أحاطت بتشكّل الكيان السياسيّ لجبل عامل (1920)، والطبيعة الوظيفيّة للسلطة المحلّيّة في عهد السلطنة العثمانيّة وأهمّ المحطات، انطلاقًا من خضوع جبل عامل لحكم الجزّار، مرورًا بسقوط الحكم الإقطاعيّ الثاني، ومجيء حكومة علي بك الأسعد الثالثة، وموقف عبّا من الحكم الإقطاعيّ لآل منكر، وأبو صعب، وعلي الصغير، ومواكبتها لسقوط الحكم الإقطاعيّ الثالث، وصولًا إلى دخول جبل عامل تحت الحكم العثمانيّ المباشر، وتداعياته عليه لجهة خضوع أبنائه إلى التجنيد الإجباريّ في عسكر السلطنة”.
يعالج الباب الأوّل مسألة صراع الوحدة والتجزئة في المشرق العربيّ إبّان الانتداب الفرنسيّ، وموقف العبّاويّين من الاتّحاد والانفصال والانتداب، وتشكّل الدولة القطريّة بكلّ مكوّناتها. ويتناول الباب الثاني الخصائص الأساسيّة للبيوت العبّاوية وتطوّر بنية المرافق والخدمات الخاصّة والعامّة، قياسًا على خصائص الموقع الجغرافيّ للبلدة، ونشوء الملكيّة العقاريّة والزراعيّة وتطوّرها عند عائلات المكانة العقاريّة.
ويتطرّق الباب الثالث إلى بنية القطاع الزراعيّ في جبل عامل واقتصاديّاته في إبّان الحكم العثمانيّ، وتوسّع في تبيان توزّع الملكيّات الزراعيّة في عبّا، وأدوات الفلاحة، ووسائل الإنتاج، وأساليب الزراعة، والمنتجات الزراعيّة والمحاصيل فيها، ودخول عبّا دائرة المنافسة مع اقتصاديّات السوق، بما في ذلك التبادل التجاريّ وعلاقات الإنتاج والعمل مع الداخل الفلسطينيّ وبيروت، ثمّ الهجرة إلى الخارج. “كذلك يلقي نظرة على نوعيّة التعليم في جبل عامل، ويستعرض كيفيّة تطوره في عبّا، ويتطرّق إلى واقع الوقاية الصحّيّة البلديّة والمدرسيّة، وتوزّع الصيدليّات والأطبّاء والمستفيدين من التأمين الصحّيّ” يوضح الدكتور هارون.
ويردف “يتوقف الباب الرابع: عند التبدلات البنيوية في المجتمع العبّاوي وإنشاء المجالس البلدية والاختيارية، ويبحث في مجمل النشاط الإنساني؛ من حياة أسرية واجتماعية، وتبدلات في بنيتها وأنماطها وتبايناتها، وهيكلية المجتمع التراتبي والطبقات الاجتماعية، وتراجم العلماء من رجال دين وكتّاب وفنّانين وإعلاميين وشعراء وأدباء ووجهاء عائلات.
إعادة إنتاج التفاوت الاجتماعيّ
يخلُص الكتاب إلى تبيان مدى التغيّر الحاصل داخل البلدة نتيجة الحروب والصراعات والتطوّرات، وأثرها في التغيّر الاجتماعيّ والثقافيّ التربويّ… وفي شكل البناء، وفي التقاليد والعادات، وفي ممارسة المناسبات الاجتماعيّة والأعياد، والمأكولات التي ذهبت مع الماضي، والينابيع التي جفّت، والزراعات التي لم تعد قائمة، والأدوات الزراعيّة وقد باتت أدوات زينة يتمّ تعليقها في المنازل من دون استعمال، والأمراض التي تفشّت نتيجة قلّة الجهد والأعمال اليدويّة. ويخلُص كذلك إلى تبيان مدى التغيير في البنى الاقتصاديّة نتيجة نموّ قطاعات على حساب أخرى، وعلاقة ذلك بانخفاض وارتفاع الدخل الفرديّ من جهة، وإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعيّ من جهة ثانية؛ وذلك نتيجة الإنماء غير المتوازن المعتمد من قبل السلطات المتعاقبة.
وحول الأثر الذي يمكن أن يتركه إنتاج مكتوب كهذا، يقول الدكتور هارون: “من الأهميّة بمكان القول: إنّ هذا العمل يتيح إمكانيّة وفرصة لقيام البعض في البلدات المحيطة بكتابة تاريخها، لكن شرط مراعاة الخصوصيّة في مكان ما لكلّ بلدة؛ لأنّ الكتابة في تاريخ الأرياف ليست متطابقة، بل تتّسم بالتنوّع في المواضيع والمنهجيّة وتباين المصادر”.
يخلُص الكتاب إلى تبيان مدى التغيّر الحاصل داخل البلدة نتيجة الحروب والصراعات والتطوّرات، وأثرها في التغيّر الاجتماعيّ والثقافيّ التربويّ
ويضيف “فبينما يعتمد التأريخ ‘المحلّيّ التقليديّ الزراعيّ والاقتصاديّ‘ غالبًا على الرواية الشفويّة، تستخدم الدراسات الحديثة- إلى جانب الرواية الشفويّة- الوثائق الحكوميّة، والسجلّات العقاريّة، والخرائط، وحتّى البيانات الرقميّة الكمّيّة؛ بالإضافة إلى مقاربات منهجيّة متعدّدة، منها: مقاربة المجتمع المحلّيّ التي تركّز على خصائص السكّان وأسلوب حياتهم، و‘المقاربة الإقليميّة‘ التي تدرس الريف ضمن سياق جغرافيّ أوسع، وكذلك الدمج بين التخصّصات المختلفة مثل: علم الاجتماع، والأنثروبّولوجيا، والتاريخ البيئيّ”.
لصياغة الهويّة والذاكرة
ربّما يطرح البعض سؤالًا حول أهمّيّة التأريخ للأرياف (بلدة عبّا – نموذجًا) فما الفائدة من الكتاب؟
يرد الدكتور هارون “تكمن الإجابة في أنّ الكتابة في التاريخ الاجتماعيّ لبلدة عبّا؛ تعيد صياغة الهويّة والذاكرة العبّاويّة، على امتداد زمن يقارب قرنًا ونيّفًا في بيئة جغرافيّة أثّرت وتأثّرت فيها. ولأنّ هذا الكتاب عبارة عن بحث غير تقليديّ، يهتمّ بتاريخ الأرياف والطبقات المهمّشة، يطرح تساؤلات منهجيّة حول: ظهور عبّا كبلدة مأهولة، وكيف تكوّنت عائلاتها؟ وكيف تطوّرت بُنى الحياة الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة فيها؟ ولهذا النمط من الكتابة إيجابيّات وأثر وفائدة، أهمّها :
1- حفظ الهويّة والتراث المحلّيّ عبر توثيق تطوّر القيم، العادات، والتقاليد الأصيلة التي تميّز كلّ منطقة، فضلًا عن إحياء الذاكرة الجماعيّة وحمايتها من الاندثار- بخاصّة في مواجهة التحوّلات السريعة والعولمة- ممّا يمنح السكّان شعورًا بالانتماء إلى الجذور.
2- الفهم العميق للتنمية والتخطيط والمساعدة في فهم “قوانين التنمية” المحلّيّة، ممّا يسهّل على المخطّطين وضع سياسات إحيائيّة تتناسب مع الخصائص التاريخيّة والمجاليّة لكلّ قرية، بالإضافة إلى توفير رؤى حول التكامل الاقتصاديّ والاجتماعيّ بين الريف والمدينة، وكيفيّة تطوّر هذه العلاقة عبر العصور
3- تصحيح المسار التاريخيّ بحيث يقدّم رواية تاريخيّة من وجهة نظر الفلّاحين، من خلال تجاوز النظرة القاصرة التي تعتبر الريف مجرّد “هامش” للمدينة، كذلك المساعدة في إثراء البحث العلميّ والأكّاديميّ، وتحقيق فوائد تعليميّة ومجتمعيّة من خلال ربط الناشئة ببيئتهم، وتزويدهم بمعارف حول تاريخهم المحلّيّ وفهم دور أجدادهم في بناء المجتمع.
4- توثيق وتخليد تاريخ الأرياف، وبطولات المقاومة الشعبيّة ضدّ الاستعمار والظروف الصعبة؛ ممّا يحوّلها إلى دروس ملهمة للأبناء.
5- المساعدة في تطوير قوانين التنمية المحلّيّة والأطر التشريعيّة التي تُمكّن السلطات المحلّيّة (البلديّات) من إدارة شؤون التنمية داخل مناطقها عبر: التخطيط، تمويل وتنفيذ مشاريع البنية التحتيّة، الخدمات، وتحفيز الاقتصاد المحلّيّ. وغالبًا ما تتضمّن هذه القوانين آليات للمشاركة الشعبيّة وتوزيع الصلاحيّات، مع التركيز على اللامركزيّة، تعزيز القدرات، وتحقيق التوازن بين المناطق المختلفة؛ لتمكين تلك المجتمعات من تلبية احتياجاتها، ولتمكين البلديّات من وضع وتنفيذ خطط تنمية محلّيّة شاملة لمواجهة تلك الاحتياجات.
كتابة ليست سهلة
ويختم هارون “في الآونة الأخيرة، أخذ الاهتمام بجمع الرواية الشفويّة وتوظيفها كمنهج معتبر للبحث التاريخيّ يزداد ويطرد، بزيادة الأبحاث والدراسات التي تعتمد هذا المنهج بشكل كبير. تُعدّ كتابة التاريخ الاجتماعيّ للجماعات- سواء الريفيّة منها أو المدِنيّة- أداة حيويّة لفهم تطوّرها، وبرزت أهمّيّة هذا النمط من التأريخ بدءًا من ستّينيّات القرن الماضي، ليصبح مجالًا رئيسًا لدرس البنى والتفاعلات الاجتماعيّة، بخاصّة لدى الفئات المهمّشة. إنّ الكتابة في موضوع الأرياف ليست سهلة؛ لأنّها تستدعي تحديد مصطلحات وعلاقات عدّة، ترتبط ارتباطًا مباشرًا بعلم التاريخ الشفويّ.





