أكباش فداء العبث والخيبة

غالبًا ما يكون صعبًا التوجّه بالكلام إلى شخص يحتضر، وما ينطبق على الفرد في هذا الصدد، ينطبق بالمثل على الجماعات، ومع هذا ترى هذا النمط من الجماعات يدفع الكلمات بغية الوقوف على الحدّ الأدنى من مآربها، ولا سيّما عندما ترتضي هذه الجماعة أو تلك لنفسها، أن تكون على الدوم كبش فداء فوق مذبح المصالح الدنيويّة، والتي ربّما تلبّستْ لبوس القداسة من قبل هذا القائد، هذا المرشد أو ذاك.

يُعرَّف كبش الفداء عادة بأنّه وسيط ضروريّ بين المُضحِّي (السيّد، القائد، الزعيم أو المرشد) والغرض المرتجى من فعل التضحية. فكبش الفداء كما يعلّمنا الدرس الأنثروبّولوجيّ هو إذن آداة تحقيق الأهداف التي ربّما هو ككبش فداء في منأى عن الانتفاع بمردوداتها، ومع هذا تراه يحفر في وعيه قيمة ضخمة لنفسه باعتباره كبش فداء.

في حكيه عن الجماعات التي ترتضي لنفسها، بأن تكون أكباش فداء في الصراعات الضخمة– دنيويّة كانت هذه الصراعات أم مقدّسة– يخبرنا رينيه جيرار عن تلك الخفايا التي تسوق هذه الجماعات لأن تكون أكباش فداء، لأن تكون قرابين وأضاحي إنّما– والعبارة لجيرار– المبالغة في إخفاء المشاعر يساعد في كشفها.

العبث والخيبة

ربّما تلك البيئات الحاضنة والتي انساقت بحبور لأن تكون أكباش فداء فوق مذبح الصراعات الدوليّة، تستبطن قناعة بالحقيقة الآتية: إنّ وجودنا في العالم، أن تلألأنا (كمقاومة مثلًا) فوق شاشات التلفزة لا يتحقّق إلّا بموتنا، إلّا بإراقة دمائنا. وبهذا السياق نجد صحّة تلك المقولة التي ترى أنّ فكرة كبش الفداء، تعمل أكثر ما تعمل لدى تلك المجموعات البشريّة التي أنهكتها الأزمات، حيث نتيجة التضحية بالنفس، هي على الدوم العبث والخيبة بانتظار التضحية المقبلة.

فأنْ تُبدِّد جماعة من الجماعات البشريّة جلّ طاقاتها فقط من أجل الموت، من أجل “الشهادة السعيدة”، فالأمر عندئذ مرعب في الدرجة الأولى بحقّ نفسها، ذلك أنّ الدم المراق في هذا الصدد يفقد مفعوله مع الوقت ما لم يتمّ رفده بدم جديد من وقت إلى آخر، من حرب إسناد لأخرى. يا لهذا البؤس الذي لا نهاية له عندما يكون ضعف العزيمة لا يلغى إلّا بموتي، إلّا باستشهادي، إلّا بتمسّكي في أن أكون كبش فداء، مجرّد قربان وأضحية… ويا لهذا الإجترار المذلّ، عندئذ، لكلّ ادّعاءات البطولة. إنّ البطل في هذا المحلّ هو شخص مسكين (كي لا أقول مشحّر) وقد انقلبت في داخل ذهنه كلّ التعريفات رأسًا على عقب.

أنْ تُبدِّد جماعة من الجماعات البشريّة جلّ طاقاتها فقط من أجل الموت، من أجل “الشهادة السعيدة”، فالأمر عندئذ مرعب في الدرجة الأولى بحقّ نفسها

إنّ التعمّق في دراسة كبش الفداء قاد كثيرين من العلماء إلى فكرة مفادها أنّ ارتضاء الجماعة لنفسها بأن تكون كبش فداء، ينطوي بالعمق على رغبة عارمة في الأخذ بالثأر من أحد أنماط الحياة البخسة، والتماهي بالتالي مع الرفعة، حيث القائد أو المرشد الذي يدفع عندئذ إلى عنف يصار إلى تنسيقه وترتيبه بما يتناسب مع مآرب القبيلة، مع مآرب الدولة في سعيها لتصدير ثورتها، في سعيها لصياغة امبراطوريّتها، مهما كانت ضروب هذه الصياغة وهميّة. أمّا الشهيد، أمّا كبش الفداء ذاك فلن يتجاوز على الدوم عن أن يكون، كما مرّ أعلاه، قربان العبث والخيبة.

السياق المعقّد

كثيرة هي المحفّزات التي جذّرتها الخمينيّة في الجسد الشيعيّ اللبنانيّ وتجييره بالتالي لأن يكون كبش فداء مصالحها وعلى رأس هذه المحفّزات تغيير مسار الدم المراق، تغيير هيئة هذا الدم. إنّ الدم الشيعي في رحلة ولاية الفقيه هو بمثابة رأس المال الرمزيّ لتوطيد العلاقة مع غيب خطّه الخمينيّ بالذات يتلاءم حكمًا مع مصالح جمهوريّته الإسلاميّة (وكأنّي بكلّ تاريخ الفقه الشيعيّ قد ابتدأ مع الخميني وانتهى معه) وليس الشيعيّ اللبنانيّ في هذا السياق المعقّد إلّا “ذلك الغريب الذي تمّ استدعاؤه إلى حفل ضخم غالبًا ما ينتهي بموته “والعبارة الأخيرة من كتاب “كبش الفداء” لرينيه جيرار.

بالفعل، من الصعوبة بمكان تبادل الحديث مع مجموعة بشريّة تحتضر، حيث كلّ اتفاق معها خارج كونها كبش فداء هو محلّ إهمال… “نقعو الاتّفاق واشربو ميّتو”… “روحو بلّطو البحر”، وما شاكل من عبارات تلبّي حاجة كبش الفداء إلى تلك البطولة– في هذا المحلّ بالذات- الكاريكاتوريّة. إنّما وعلى خلفيّة أنّ اقتناع الجماعات بأن تكون أكباش فداء يُشيّد أكثر ما يُشيّد في عتمات السراديب السرّيّة ومجاهلها، فإنّ الكلمات التي تتناول هذه الجماعات المسكينة بشكل عام تراها محلّ تحفّز ورغبة عارمة بالتدوين أو النطق.

ليس من السهل على الكلمات أن تتموضع فوق الرفّ عندما يكون الموت لدى جماعة بشريّة هو محلّ الإقتداء الأوّل. فليس للكلمات من حيلة لأن تصمت عندما يصار إلى استبدال كلمة كبش فداء بكلمة شهيد مثلًا أو أن تتباهى أمّ– نعم أم– بموت ابنها! وربّما– من باب التخمين والتفكير بعليّ الصوت– ربّما استفحال البيئة الحاضنة للخمينيّة في لبنان لأن تكون على الدوم كبش فداء على مذبح مصالح دولة الوليّ الفقيه هي مسعى– هذه البيئة- إلى بناء أسطورة أخرى.

فتاريخ شعوب الأرض يمدّنا بكثير الكثير من الشواهد التي تجمع على أنّ السماح للروح (الفرديّة أو الجماعيّة) بأن تكون كبش فداء ينطوي على تلك الرغبة الكارثيّة بإنتاج أساطير يراد عبرها التباهي وصولًا إلى الإستخفاف بكلّ أساطير الآخرين الذين يداخلون الجغرافيا نفسها، ولا سيّما عندما تكون هذه الجغرافيا لا تتجاوز الـ 10452 كيلومتر مربّع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى