أيمكنني القول إنّها حياة هادئة في إسطنبول يا ميلر؟

أشعرُ دائمًا بحاجة للعودة إلى كتابات هنري ميلر. لا تسألني أيّها القارئ لماذا. بعض الكتب تنطبعُ في داخلك ويصعب عليك نسيانها. بعض الجمل والكلمات أيضًا التي لا تنقلها بحرفيّتها وهذا الأهمّ. بل تستمتع بأن تحرّفها. كان ثمّة جدل تاريخيّ واسع حول “النقل”. يُقال إنّ هرمس كان متمسّكًا بحرفيّة الرسالة التي كان عليه نقلها. وكان أبولون غارق في الإلهام الجماليّ. وذاكرتي اعتادت على الوساطة اللغويّة، لذلك لا يمكن للقارئ أن يتّهمني بالخداع لأنّ هرمس نفسه إله الانتقالات والرسائل تبيّنَ أنّه كاذب.. لم ينقل يومًا رسائل الآلهة بحرفيّتها. لذلك أستعين بعبارة أظنّ أنّها لميلر كي أبدأ بها نصّي:

“الحياة تزدهر أكثر في الضوء المعتم الدامس، إنّها تعيش وتترعرع تحت الأضواء الخافتة، لا تحت وهج النيون”؛ وتنطبق هذه الجملة تمامًا على مدينة إسطنبول ليلًا.

“لو سمحت هل لك أن تدلّني في أيّ طريق أسير كي أنصرف من هنا؟

هذا يتوقّف بالدرجة الأولى على المكان الذي تودّين الذهاب إليه”

أليس في بلاد العجائب، الفصل السادس

الشعر صنعة

عندما كان الظلام يهبط على المكان الذي كان ميلر يكتب فيه روايته “حياة هادئة في كليشي”، كنتُ أحدّق في وجه إسطنبول ليلًا. كان اللامبادير يدور حولي بأضوائه المكثّفة، كنت جالسة بالقرب من حيّ زرافة المعروف في “بي أغلو”، إذ يُقال إنّ امرأة أرمنيّة امتلكته، وكانت شاغلاته من عاملات الجنس، وبخاصّة العابرات جنسيًّا. وعندما ماتت، أو بالأحرى passed away كما يُقال بالإنجليزيّة – تروقني هذه العبارة أكثر لأنّها تعبّر عمّا في داخلي، وحتّى في خارجي. وتعني الكلمة: الانتقال أو العبور وهذه حالتي، كلّ شيء يشي بالحركة، ولا أعلم إذا ما كانت لعنة- بعد رحيلها سعى بعض المسؤولين إلى شراء هذا الحيّ بغية تحويله إلى “مركز ثقافيّ” وانقطعتُ عن متابعة القضيّة. ومع ذلك، إلى اليوم، أمرّ بالمكان نفسه ولا يزال على حاله.

في اللغة التركيّة يُضاف على كلّ صنعة C، أيّ حرف الجيم، كأن نقول باللغة العربيّة كببجي.. سنكرجي..، والغريب أنَّ الشعب التركيّ اعتبر أيضًا الشعر صُنعة، لذلك أصبح الشاعر بنظرهم أيضًا شعرجي Şiircı. وهناك بالقرب من حيّ زرافة، يركن بار حمل هذا الاسم، وأركنُ أنا عند زاوية الطاولة مع موسيقيّ تركيّ، صادفته مرّة في بار تانيا، كان مع فرقته يعزف موسيقى إثنيّة وإحياءً لكاظم كيونجو، الفنّان الذي غنّى بلغته اللازيّة Lazca والمنتمي إلى مجموعة عرقيّة تعيش قرب الحدود الجورجيّة؛ غنّى صديقي وفرقته الليل بأكمله أغاني هذا الفنان الذي مات باكرًا.

دُوار لا نهائيّ

يٌلقّب صاحب البار بـ «مظلوم آبي»، لا أعلم اسمه الأصليّ، فهو لا يعترف به أصلًا، كونه كرديّ وليس تركيًّا كما يجاهر. حين سألت أصدقائي الكُرد مرّة عن هذا اللقب قالوا إنّ السلطات التركيّة تمنع أن يُكتب على الهويّات التركيّة كونه مرتبط بحزب العمال الكردستانيّ، المصنّف على لائحة الإرهاب التركيّة، وبشخص مظلوم دوغان الذي أشعل النار في نفسه داخل السجن في العام 1982 احتجاجًا على تعذيب المعتقلين الكرد.

في إسطنبول لا يمكن أن تمرّ بالشارع نفسه مرّتين. كنت دائمًا أردّد وأنا أجول تائهة، بأنّ كلّ طريق في إسطنبول هو نبوءة صغيرة أو دُوار لا نهائيّ

وعلى الرغم من أنّني لا أومن تمامًا بمصطلح الـ Victimhood الذي درج كثيرًا بعد السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) لدى عديد من الجماعات التي تدّعي تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، لكن في السياق الكرديّ تبقى المسألة أشدّ تعقيدًا ويبقى الكرد أكثر تقدّمًا وتنويرًا من الناحية السياسيّة، فحين تبنّى يومًا حزب العمّال الكردستاني “الانتحار” كوسيلة تحرّريّة، أعاد الكرد مراجعة خطّتِهم السياسيّة وجنّبوا شعوبهم إبادة جديدة.

يقول ألبرتو مانغويل في كتابه الذي يحمل اسم “في غابة المرآة” إنَّ الكتاب يصبح كتابًا آخر في كلّ مرة نعيد فيه قراءته، وكذلك إسطنبول فلا يمكن أن تمرّ بالشارع نفسه مرّتين. كنت دائمًا أردّد وأنا أجول تائهة، بأنّ كلّ طريق في إسطنبول هو نبوءة صغيرة أو دُوار لا نهائيّ.

في ظلال bêjna

في الحيّ ذاته، جلست مرّة في بار تانيا، مقابل بار شعرجي، تملكه امرأة كرديّة نناديها باسمها الكرديّ bêjna الذي يختلف عن التركيّ أيضًا. لا أستطيع التحدّث كثيرًا معها. لم أتعلّم اللغة التركيّة بشكل جيّد بعد – على الرغم من قضائي سنوات عديدة هنا وهذا موضوع آخر- لكنّنا نحبّ بعضنا، وعندما أصل في كلّ مرّة إلى الحانة، تختار bêjna أغنية نجاة الصغيرة: “أنا بعشق البحر”، وقد خصّصت كلّ أربعاء لأغاني فيروز التي تحبّها.

كانت فرقة “أغاني الريمبيتيكو من إسطنبول، وإزمير وبيرا”Istanbul, izmir ve pire’den rembetiko şarkıları تعزف الأغاني الإثنيّة مستلهمة روح تاتافلا  tatavlaالقديمة وطابعها الكوزموبّوليتيّ من جديد، وتعني بالتاتافلا، الحيّ الذي عُرف باسم كورتولوش kurtuluş قديمًا وكان يعدّ مركز الـ rembetiko وهي موسيقى ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بين الطبقات الشعبيّة والمهاجرين.

سألتني امرأة في الستّين من عمرها من أين أنتِ؟ أجبتها من لبنان، فقالت لصديقها الستينيّ إنها yabancı. في التركيّة كلمة yabancı تعني الغريب أو الأجنبيّ ويعود أصلها إلى yaban الكلمة القديمة التي كانت تعني البرّيّة، الغابة أو الخارج. تروقني هذه الكلمة على الرغم من قسوتها، لكنّ ارتباطها الدائم بالغابات، بالخارج، يذكّرني بحالتي في مدينة إسطنبول، بأنّها دائمًا هي الخارج، هي المحطّة التي انتظر الخروج منها إلى خارجٍ آخر.

في تلك الليلة، سقط كأس الويسكي من يدي على سترة صاحبها، وحين طلبت المناديل لمساعدته، قال لي بالفرنسيّة المكسّرة: “طبعًا لبنانيّة تتكلّمين باللغة الفرنسيّة لذلك يا عزيزتي Enchanté”. وتعني بالعربيّة: “مسرور بلقائك”. ابتسمتُ له وانصرفت.

المدينة الهاربة

يُقال إنّ إسطنبول، مدينةٌ هاربةٌ. وإنَّ الناس لا تشعر بحاضرها ولا مستقبلها فيها. دعاني مرّة صديقي التركيّ، وهو موسيقيّ ورسّام إلى منزله، وعرّفني على أصدقائه الفنّانين الآخرين. حملت قارورة العرق اللبنانيّة بيدي والتبّولة التي أعددتها، وذهبت.. كانت الطاولة وقتذاك مليئة بالميزا Meze التركيّة، وهي مختلفة قليلًا عن الميزا اللبنانيّة، إذ إنّها ربّما أشدّ تعقيدًا كتعقيدات المجتمع التركيّ.

دعاني مرّة صديقي التركيّ، وهو موسيقيّ ورسّام إلى منزله، وعرّفني على أصدقائه الفنّانين الآخرين. حملت قارورة العرق اللبنانيّة بيدي والتبّولة التي أعددتها

يقول لي صديقي، إنّ “أمّ أمري” Emre وهو أحد أصدقائنا أيضًا الذي غادر تركيّا أخيرًا أعددتها لنا، وكانت معظم هذه الأطباق من المطبخ الأناضوليّ التقليديّ. أمازحهُ قائلة لكنّك لم تجلب لي “الحيدري”، التي تصنع من الزبادي والثوم والنعنع والشبت وغيرها من المكوّنات؟ ليجيبني وهو يشير إليّ أمام أصدقائه: يكفيني “مظلوم واحد” في منزلي.

يبدأ بالعزف على جيتاره، كانت زينب zeynep التي لا أنسى عينيها الجميلتين تقف قبالتي وتلحّ عليه بأن يعزف أكثر، وكانت هناك صديقته من أب يابانيّ وأمّ تركيّة، تجلس بقربي، سألتها بدون مناسبة، وهي ربّما عادة اللبنانيّ لإفساد السهرات: ما رأيك بقضيّة هيروشيما وناجازاكي؟ فامتدّ حديثنا نحو ساعتين لتشدّني بعدها زينب بيدي كي أشاركها حوارهم عن الناي التي تريد أن تتعلّم العزف عليه.

A rolling stone gathers no moss
الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب

تعدّ فرقة The Rolling Stone، من فرق الروك الشهيرة التي تأسّست في لندن في أوائل الستينيّات، ويُقال إنّهم استمدّوا اسم فرقتهم من المثل الإنجليزي “الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب”. وقد تذكرتُ في حديثي مع أصدقائي وبالقرب من اليابانيّة تلك، أنّني قرأت مرّة وصفًا لا يمكن أن أنساه عن اليابان: في كلّ الشوارع والأزقّة التي نمرّ منها والحركة الدائبة التي تغلي بداخلها، نرى بأمّ العين تجسيدًا قويًّا للعبارة: كلّ من عليها فانٍ. وهذا يمكن أن ينطبق على مدينة إسطنبول تمامًا.

ماذا تقصدين؟ يقول لي صديقي التركي؛ لأجيبه بأنَّ الحركة في اسم هذه الفرقة تمثّل بالنسبة إليّ معنى التيه. والتيه لعب تراجيديّ يجعلك كما يقول عالم الاجتماع الفرنسيّ Michel Maffesoli، تمتلك الحاضر وتستمتع بالأيّام التي تجد معناها في تعاقب اللحظات على رغم طابعها الهارب والفلتان.

تنتهي سهرتنا وأقرّر المغادرة. أذهب باتجّاه Tarlabaşı تارلاباشي، وهي منطقة عشوائيّة وقديمة تميّزت بطابعها المعماريّ القديم، الذي يمزج بين الطابع الأوروبّيّ والعثمانيّ، سكنها اليونانيّون والأرمن واليهود والشاميّون وقد هجرها أهلها قسرًا بعد فرض ضريبة الثروة العام 1942 والمذابح التي لحقتهم في العام 1955. وقد هدمت كثيرًا من مبانيها التاريخيّة على طول الطريق حتّى مضيق البوسفور تحت حجّة “تحويل مدينة إسطنبول إلى متحف مفتوح”.

من شدّة تلاصق الأبنية في هذا المتحف المفتوح، ترى نكالا Nkala وهو ساحر معروف، يأكل ظلال الناس حتّى بزوغ أوّل صرخة لطائر النورس. يمكنك أيّها القارئ أن تنزعج، حقّك أن تنزعج من الصراخ الرفيع. لكن لا يمكنه إلّا أن يشدّني إلى صورة المسافرين والبحّارة التي تقوم النوارس بحراستها.

أضعُ السمّاعات في أذنيّ وأكمل طريقي إلى الحافلة، أسمع أغنية الأرنب الأبيض White Rabbit لـ: jefferson Airplane “وعندما ينهض الرجال فوق رقعة الشطرنج، ويخبرونكِ إلى أين تذهبين، وتكونين قد تناولتِ نوعًا من الفطر، وأخذ عقلك يتثاقل، اذهبي واسألي أليس، أظن أنّها ستعرف..”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى