إقفال وحرائق.. كيف تحوّل معمل نفايات عين بعال إلى مكبّ مفتوح؟

منذ قرابة أربعة أشهر، تقوم فرق الدفاع المدنيّ اللبنانيّ وكشافة الرسالة الإسلاميّة، بعمليّات إطفاء مستمرّة لإخماد الحرائق التي تندلع بشكل متكرّر في معمل النفايات المتوقّف عن العمل في بلدة عين بعال قضاء صور. المعمل الذي أنشئ في الأصل للفرز والتسبيخ، تحوّل بعد تعطّل العمل فيه، إلى مكبّ تتكدّس فيه النفايات، الأمر الذي أدّى إلى حرائق اشتعلت أكثر من مرّة. وعلى الرغم من إخماد الحرائق، إلّا أنّ ذلك لم يكن ليحلّ المشكلة التي كانت تتعمّق من خلال الدخان السامّ والروائح الكريهة اللذين كانا ينتشران مع كلّ حريق، قبل أن تعود الكارثة وتتكرّر من جديد.
على أثر الحريق الذي اندلع أخيرًا، أعلن عضو بلديّة عين بعال أحمد بعلبكي السيطرة على الحريق “المفتعل”. غير أنّ السؤال يبقى: هل تنتهي الأزمة بإطفاء النيران، أم إنّ الحريق ليس سوى محطّة في مشكلة أعمق بكثير، تحوّلت إلى معاناة لم تُعالج بعد؟
بدأ بناء معمل فرز النفايات في عين بعال العام 2004، وذلك استنادًا إلى دراسة هندسيّة وبيئيّة وتقنيّة، أُنجزت بتمويل من وزارة التنمية الإداريّة، تقوم على مبدأ الفرز من المصدر. في العام 2011، انطلقت المرحلة الأولى من التشغيل التجريبيّ للمعمل، الذي كان يستقبل نفايات 64 بلدة، إضافة إلى ثلاثة مخيّمات فلسطينيّة.
في العام 2016 وبعد أن تجاوزت كمّيّات النفايات قدرة المعمل التشغيليّة، وبعد احتجاج أهالي بلدتيّ عيتيت وعين بعال على الروائح الخانقة الناتجة عن تعثّر عمله، تمّ إقفال المعمل، ليتحوّل بعدها إلى مكبّ يستقبل نفايات بلدة عين بعال وحدها.
صحّة المواطنين بين الدخان والكمّامة
تقطن أمّ محمّد، وهي مصابة بمرض السرطان، بالقرب من المعمل. منذ إنشائه، خاضت محاولات حثيثة للتواصل مع الجهات المعنيّة سواء في اتّحاد بلديّات صور أو بلديّة عين بعال لحلّ المشكلة، إلّا أنّها لم تحصل على أيّ إجابة شافية بشأن سبل معالجة هذه الكارثة البيئيّة التي تجاور منزلها.
خلال الحريق الذي اندلع أخيرًا في المعمل، عانت ابنتها البالغة من العمر 35 عامًا من تقيّؤ متواصل، وضيق حادّ في التنفّس، ما اضطرّ العائلة إلى تزويدها بالأوكسجين داخل المنزل.
تقول أمّ محمّد إنّ معاناتهم بدأت منذ إنشاء المعمل، مشيرةً إلى أنّ تقاذف المسؤوليّات بين بلديّة عين بعال واتّحاد بلديّات صور لم يؤدِّ إلى أيّ حلّ. تتابع لـ “مناطق نت” أنّها تواصلت مرارًا مع رئيس اتّحاد بلديّات صور السابق الراحل عبد المحسن الحسيني (أبو ظافر) طلبًا للمساعدة، وما زالت إلى اليوم تتواصل مع الاتّحاد الذي ينفي مسؤوليّته عن المعمل، منذ العام 2016، تاريخ إغلاقه.
روائح وأمراض
لا يقتصر الضرر، بحسب أمّ محمّد، على الدخان الناتج عن الحريق. فـروائح النفايات، وانتشار البعوض والحشرات، تؤذي السكّان بشكل دائم. وتشير أمّ محمّد إلى أنّ “الكمّامة صارت جزءًا من حياتي، أضعها كلّما خرجت من المنزل خوفًا على صحّتي من الدخان والروائح”. تضيف “لم نعد قادرين على التحمّل. فكّرت جدّيًّا في ترك البيت بسبب ما نعانيه من هذا المعمل. أقلّ ما يمكن القيام به هو تعيين حرّاس يراقبون المكان، إذ ما زالت النفايات تُرمى بشكل عشوائيّ، ثم تُشعل”.

الجهات المعنيّة من بلديّة عين بعال إلى اتّحاد بلديّات صور، تفيد بأنّ الحريق الذي اندلع أخيرًا مُفتعل. إلّا أنّ مطالبات الأهالي القاطنين بالقرب من المعمل، ومن بينهم أم محمّد، تنادي بتعيين حرّاس على الأقلّ لمنع تكرار الحرائق.
بادرت أمّ محمّد للاتّصال ببلديّة عين بعال ونقلت مطلب الأهالي، فجاءها الجواب صاعقًا من الموظّف الذي أجابها ورفضت أمّ محمّد الكشف عن اسمه، حيث قال لها: “ضعي كاميرا مراقبة وراقبي من يُشعل المكبّ”، لتجيبه أمّ محمّد أنّ ذلك لا يقع ضمن مسؤوليّاتها كمواطنة، بل من مسؤوليّة السلطات المحلّيّة المتمثّلة بالبلديّات.
بين البلديّة والاتّحاد الأزمة مستمرّة
من ناحيته يشير رئيس اتّحاد بلديّات صور ومنطقتها حسن دبوق، إلى أنّه منذ العام 2016 لم يعد للاتّحاد علاقة بالمعمل. يتابع لـ “مناطق نت”: “قام الاتّحاد بوضع حواجز عند مدخل المعمل وإقفاله، لكنّ الحواجز خُلعت أكثر من مرّة على يد عمّال بلدية عين بعال، وفي كلّ مرة كنّا نعود ونقفله من جديد لكن من دون جدوى”. وأوضح دبوق أنّ الأرض التي يقع عليها المكبّ هي ملك لبلديّة عين بعال، والاتّحاد كان الجهة المستأجرة فقط”.
بعد إقفال المعمل في العام 2016، وجدت بلديّة عين بعال نفسها من دون موقع مخصّص للتخلّص من نفايات البلدة، في ظلّ أوضاع ماليّة متدهورة تعانيها، حالت دون قدرتها على نقل تلك النفايات إلى خارج البلدة، وتحمّل كلفة نقلها، ما دفعها إلى رمي نفايات البلدة في الموقع نفسه، ليتحوّل المعمل تدريجًا إلى مكبّ. ومع استمرار رمي النفايات، تراكمت أطنان النفايات من دون أيّ عمليّات فرز.
حرائق متكرّرة مجهولة
حول الحلول الممكنة بشأن مشكلة المكبّ يقول بعلبكي إنّه منذ قرابة ثلاثة أشهر، قرّرت البلديّة فرض رسم شهريّ، هو عبارة عن بدل لجمع النفايات من البلدة، وذلك بقيمة 400 ألف ليرة لبنانيّة عن كلّ منزل، على أن تُخصَّص العائدات لإزالة جزء من النفايات المتراكمة في المعمل، ونقلها إلى خارج البلدة، وأن تتوالى العمليّة كلّما توافر مبلغ ماليّ كافٍ لإتمام ذلك.
الخلافات و”النكايات” مستمرّة بين اتّحاد بلديّات صور وبلديّة عين بعال حول من يتحمّل مسؤوليّة تعيين حرّاس وإيجاد حلول للكارثة البيئيّة التي تؤثّر في صحّة سكّان البلدة
يتابع بعلبكي لـ “مناطق نت”: “لم يتعرّض المعمل للحرق مرّة واحدة، إذ تكرّر المشهد أربع مرّات خلال الأربعة أشهر الماضية”. يضيف بعلبكي: “في المرّة الأولى بلغت كلفة إخماد الحريق ما بين ألفي وثلاثة آلاف دولار، وفي الثاني ارتفعت إلى نحو سبعة آلاف دولار، وفي المرّة الأخيرة أُشعلت الهنغارات من الداخل والتي تحتوي على مادّة الكومبوست (السماد العضويّ) المتروكة منذ أيّام الاتّحاد، وهي موّاد قابلة للاشتعال وتنتج دخانًا كثيفًا”.
يردف بعلبكي: “استمرّت عمليّات الإطفاء مدة أربعة أيّام متواصلة، في ظلّ غياب التمويل والمعدّات داخل البلديّة”. وأشار إلى أنّهم طلبوا دعمًا من اتّحاد بلديّات صور، إلّا أنّ أيّ مساعدة لم تصل، و”لم نتلقّ أيّ استجابة، باستثناء بلديّة عيتيت التي أرسلت جرّافة ليوم واحد فقط”. بعلبكي أشار إلى أنّ الجهة التي تسبّبت بالحريق لا تزال مجهولة.
اتّهامات متبادلة
حول الحريق أوضح دبوق أنّه “في ما يتعلّق بالحريق، تمّ تقديم شكوى ضدّ كلّ من يثبت تورّطه، وسيُكلّف خبير حرائق لتحديد ما إذا كان الحريق مفتعلًا أم لا، لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الجهة الوحيدة التي كانت تدخل إلى المعمل لرمي النفايات فيه هي بلديّة عين بعال”.
الخلافات و”النكايات” مستمرّة بين اتّحاد بلديّات صور وبلديّة عين بعال حول من يتحمّل مسؤوليّة تعيين حرّاس وإيجاد حلول للكارثة البيئيّة التي تؤثّر في صحّة سكّان البلدة والمناطق المجاورة. وفي هذا الإطار يُوضح دبوق “ليس هناك أيّ نصّ قانونيّ يلزم الاتّحاد بتحمّل كلفة التخلّص من نفايات عين بعال”.
إطفاء الحريق ليس حلًّا كافيًا
تكمن المعالجة الحقيقيّة في إنهاء المشكلة من جذورها، عبر التخلّص من الكمّيّات الهائلة من النفايات وإقفال المكبّ. ويؤكّد رئيس الاتّحاد دبوق هذا التوجّه، وتطلب بلديّة عين بعال العون من متخصّصين، لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: من سيقوم بهذه الخطوة، ومتى سيتم تنفيذها؟ وماذا لو أُعيد افتعال الحريق مجدّدًا؟ وبين الأمرين، يبقى أهالي البلدة وحدهم من يدفعون الثمن.
الأزمة ليست مجرّد حريق متكرّر، بل هي انعكاس لفشل إداريّ وبيئيّ يهدّد صحّة أبناء البلدة والبلدات المجاورة. الحلّ الجذريّ لا يقتصر على إخماد الحرائق، بل يتطلّب تدخّلًا رسميًّا عاجلًا يقضي بتعيين حرّاس لمراقبة المعمل ومنع إشعال النفايات فيه، والتخلّص منها بشكل آمن. ومن دون تلك الإجراءات، ستبقى الأزمة قائمة، وستظلّ صحّة المواطنين رهينة للإهمال.
مكبّ نفايات عين بعال ليس وحده يتعرّض للحرائق، إذ إنّ هناك عشرات المكبّات العشوائيّة تنتشر بين قرى الجنوب وبلداته، وتندلع فيها النيران بين الحين والآخر، ما يعكس مشكلة أعمق وأوسع من مشكلة مكبّ واحد هو مكبّ عين بعال، لتصبح المشكلة تتعلّق بملفّ إدارة النفايات برمّته. هذا الواقع يضاعف المخاطر البيئيّة والصحّيّة على سكّان القرى والبلدات، ويجعل أزمة عين بعال جزءًا من أزمة أكبر تتطلّب تدخّلًا رسميًّا شاملًا.

خلل بنيويّ يعرّي فشل إدارة النفايات
أزمة عين بعال ليست استثنائيّة، بل تعكس خللًا بنيويًّا في إدارة النفايات في الجنوب ومناطق أخرى. يوضح الباحث البيئيّ ورئيس جمعيّة “الجنوبيّون الخضر” هشام يونس في حديث لـ “مناطق نت” أنّ “الحلّ يستدعي إجراء تقييم بيئيّ وتقنيّ يحدّد حجم النفايات ومخاطرها ومعالجتها بوضع خطط متكاملة تبدأ بوقف الحرق العشوائيّ فورًا (والمفتعل)، ومنع استقبال النفايات المختلطة، وفرض حدّ أدنى من الفرز، إلى جانب تنظيم النفايات المتراكمة عبر تفكيكها وتغطيتها بموادّ خاملة، وتأمين مناطق عازلة وممرّات أمان تفصل المكبّ عن المناطق السكنيّة والزراعيّة، للحدّ من الانبعاثات وتسرّب العصارة. وعلى المدى الأوسع، يُقترح اعتماد إدارة مشتركة للنفايات بين القرى المتجاورة، وإعادة تشغيل معامل الفرز القائمة وفق معايير واضحة، إلى جانب تعزيز الفرز من المصدر والرقابة والمحاسبة لمنع تكرار الفشل”.
هواء ملوّث وتربة مهدَّدة
من ناحيته يشير الصحافي المتخصّص بالقضايا البيئيّة مصطفى رعد إلى أنّ “النفايات العضويّة تشكّل نسبة كبيرة من نفاياتنا، لكنّ التركيز ينصبّ بشكل أساس على بقيّة أنواع النفايات التي تحتوي على البلاستيك، التنك، الألمنيوم، النايلون والأقمشة، وهي نفايات خطِرة، ينتج عن احتراقها انبعاث موادّ مصنّفة أنّها مسرطِنة، تحمل معها غازات سامّة وجسيمات دقيقة تنتشر في الهواء”.
يتابع رعد لـ “مناطق نت”: “هذه المواد تلوّث الهواء وتؤثّر في جودة المياه السطحيّة في الأنهار وروافدها، التي تُستخدم لريّ الأراضي الزراعيّة. كذلك تلوّث التربة، ما يجعلها غير صالحة للزراعة إذا لم تُنظَّف من النفايات، ولا سيّما العصارة الناتجة عنها، والتي تنبعث منها روائح كريهة وتنتشر بسبب تخمّر هذه المواد. ويؤدّي تكدّس النفايات كذلك إلى انبعاث غاز الميثان، الذي يُعدّ أخطر من ثاني أوكسيد الكربون، وينتج عن احتراقها أوكسيدات النيتروجين التي تنعكس سلبًا على صحّة السكّان، وذلك تبعًا لكمّيّات النفايات المحترقة وتكرار عمليّات الحرق”.
كارثة تهدّد صحّة السكّان
تواصلت “مناطق نت” مع الطبيب حسن دهيني المتخصّص في أمراض الجهاز التنفسيّ والحساسيّة، الذي أشار إلى أنّ “تنشّق السكّان للدخان الغنيّ بالجسيمات الصغيرة والغازات الملوّثة الناتجة عن حرق المواد العضويّة وغير العضويّة، يسبّب تهيّج الجهاز التنفسيّ الذي تظهر أعراضه بالسعال، العطس، احتقان الأنف، تهيّج الحلق وعيون دامعة”. تابع الدكتور دهيني “إنّ تفاقم هذه الانبعاثات يؤدّي إلى أمراض الرئة القائمة كالربو والتهاب الشعب الهوائيّة والانْسداد الرئويّ المزمن، وتقلّل سعة الرئة حتّى عند الأصحّاء، بينما يمكن للجسيمات الدقيقة جدًّا التغلغل عميقًا وإحداث التهابات مزمنة”.
ويوضح الدكتور دهيني أنّه على المدى الطويل “يمكن لهذا الدخان أن يؤدّي إلى أمراض تنفّسيّة مزمنة وانخفاض في وظائف الرئة تدريجًا مع الوقت، ناهيك عن تأثيرات قلبيّة ودماغيّة”.
وأشار دهيني إلى أنّ “الفئات الأكثر عرضة للخطر تشمل الأطفال الصغار، إذ إنّ رئاتهم لا تزال في طور النموّ، كذلك كبار السنّ، خصوصًا من يعانون أمراضًا قلبيّة أو رئويّة. والمرضى المصابون بأمراض رئويّة أو قلبيّة مثل الربو، والانسداد الرئويّ المزمن وأمراض القلب، لأنّ الدخان يزيد من شدّة الأعراض وحدّة النوبات لديهم. والحوامل، إذ يمكن أن تتأثّر صحّة الجنين نتيجة دخول بعض الجزيئات الضارّة إلى مجرى الدم”.



