الأحاديث السرّيّة للعسكر المتقاعدين حسرة وخيبة تحاكي المجهول

“الله يلعن الساعة يلّلي كنت إنزل فيها على الخدمة بضمير”… بهذه العبارة توجه واحد من المتقاعدين إلى رفاقه بعد أن أحصى الـ 280 دولارًا التي تشكّل راتبه الشهريّ، بعد خدمة في إحدى المؤسّسات العسكريّة تجاوزتْ الـ 20 عامًا.
كان ذلك فوق رصيف متشقّق يشكّل امتدادًا لأحد المقاهي الشعبيّة جدًّا في محلّة الكولا ببيروت. كانت الخيبة ترسم ملامح كلّ هؤلاء الذين اجتمعوا هناك عن طريق الصدفة.
… “بعد 28 سنة خدمة، أنا مضطرّ اشتغل لنصاص الليالي”، قالها آخر بعد أن سخر من الـ 300 دولار التي تشكّل معاشه التقاعديّ. كانت ملامح هؤلاء تؤازر بقوّة تلك الخيبة التي ألمّتْ بهم على خلفيّة تلك الرواتب البخسة، والتي تشكّل في بعدها المعنويّ إهانة لكلّ واحد منهم، كما قال أحدهم وهو ينظر إلى دخان سيجارته بعينين زائغتين…”العمى، لو عم نشحد كانو عطيونا أكتر”.
ثأر ضدّ العسكر المتقاعدين؟
في أحاديث هؤلاء الزملاء ثمّة ما ينمّ عن أنّ هذا البلد الذي أفنوا أعمارهم في مؤسّساته العسكريّة يناصبهم العداء. ترى بعضهم وقد تجلبب بثوب الشعور بفقدان الكرامة، وآخرين صرفوا انتباههم إلّا عن ذاك الفخّ– كما قال أحدهم– الذي نصبه لهم رجال السياسة في هذه البلاد.
“بتحسّ يا زلمي في ثأر ضدّ العسكر المتقاعدين”، قالها أحدهم بتهكّم يراوح بين السخرية من الذات والقرف من سياسيّي لبنان وصولًا إلى نفض الأيدي من أيّ شعور بالاطمئنان: “تقاعدنا لنقضّيها ركض بركض!! الله بقولا هيدي؟!”.
يشي الانصياع غير المتوقّع إلى العوز والقلّة بكلّ ضروب الإهانة، وهي واقعة كانت مجسّدة أمام ناظريّ بكلّ وقاحة في أثناء مجالستي هؤلاء. إنّ الحاضر المتلعثم والملخبط لهؤلاء العسكر المتقاعدين تراه يرمي بظلاله على مجمل تصوّراتهم حول المستقبل وشيخوختهم وصولًا إلى “آخرتنا الزفت”، على حدّ تعبير أحدهم الذي يعمل بوظيفة “فاليه باركينغ” أمام أحد مطاعم الـ “داون تاون”.
طُلعتْ براسنا
ساقتني أحاديث هؤلاء المتقاعدين، إلى فكرة مفادها أنّ تاريخهم العسكريّ في هذه المؤسّسة الأمنيّة أو تلك، أضحى ذكرى في غياهب النسيان، إذ إنّ جلّ ما عليهم فعله في الحياة الآن، هو استئناف بدايات جديدة، والحفر في وعورة مستجدّة من أجل الحدّ الأدنى من الكفاف: “بس شو بدنا نضاين لنضاين ولووو؟”، قالها واحد منهم وهو يحرك بحصة أمامه بعصا يستند عليها في تنقّلاته العرجاء.
من المذلّ أن يروّض العوَز أمزجة الناس بما يتلاءم مع الحاجة والفاقة، وبما يتلاءم بشكل خاصّ مع الشعور بالطعن في الظهر، لذنب لا علاقة لهم به من قريب أو من بعيد: “سرقوا، سرقوا، سرقوا ولاد الكلاب وبالآخر طلعتْ براسنا”، وهي عبارة أدّت بالجميع حينما أدلى بها أحدهم إلى موجة صاخبة من الصمت ومن إطلاق متقطّع للأنفاس.
أمّا مقولة “كلنا للوطن للعلى للعلم…” فإنّ وضع العسكريّ المتقاعد تحت جسر الكولا وفي كلّ مكان في لبنان اليوم يسوق هذه العبارة لأن تكون محلّ ألف سؤال وسؤال
خيبة هائلة
عمدتُ جاهدًا إلى تقصّي تفاصيل تلك الخيبة الهائلة والتي يستبطنها ذلك الصمت. رحتُ أداور العبارات في داخل رأسي المضطرب إلى أن رأيتني من غير قصدي أكرّر عبارة قرأتها في كتاب عن الشيخوخة والتقاعد: “إن التقاعد يثير مشاعر الحسد”، كما جاء في هذا الكتاب. كلّا، إنّ التقاعد، كما شاهدت الأمر بأمّ العين في ساحة الكولا، يثير مشاعر الشفقة والحسرة وصولًا إلى مشاعر الكره، كره الحياة من قبل المتقاعدين.
“شو هل حياة الـ … هيدي؟ خلّينا نموت أحسن”. وكأنّي من خلال هذه العبارة أراد أحد هؤلاء العسكريّين المتقاعدين أنّ يجسّد حقيقة أنّ الحياة تناصب بالفعل هؤلاء العداء بعد سنوات طوال أمضوها في تلك الأسلاك العسكريّة.
“شو عم تشتغل هل أيّام؟”، أسأله فيجيب: “بمغسل سيارات”. ردّ آخر على وقع صوت طرطقة حبّات الخرز في المسبحة التي بين أصابعه، وهي أصابع ربّما تكون قد شارفت على الستّين سنة من العمر.
شعور بالفاقة
حاولتُ جاهدًا صرف انتباهي عن شعور غامض بالتشرّد كان يداخل ملامح وكلمات أصدقائي المتقاعدين، وليس في هذا القول أيّة مبالغة على الإطلاق. نعم، إنّ الشعور بالفاقة المبنيّ على شعور عميق بالخيبة يودي بالإنسان إلى هذا الإحساس الضبابيّ باللّاثبات، إذ إنّ الانتماء حينئذ هو مجرّد لحظة عابرة بينما الضياع سيّد الوقت: “صايرين متل المشرّدين يا زلمي… أحلى شي الموت!”.
أن يتحوّل التقاعد من أن يكون عنوانًا للحياة الكريمة وحفظ الكرامة واختيار المسالك التالية في الحياة بكلّ حرّيّة وحبور، أن يتحوّل التقاعد عن هذه الأمور ليكون عنوانًا عريضًا للفقر والحاجة والعوز والبؤس فإنّ الأمر عندئذ هو أشبه بجنازة في طور الاعداد يومًا بيوم.
ليس العسكريّ المتقاعد في هذا السياق هو ذلك المواطن الذي ترسّخ في وجدانه الانتماء إلى الوطن عطفًا على سنوات عديدة أمضاها في هذه المؤسّسة العسكريّة أو تلك، إنّما هو ذلك الكائن الذي يأمل أن تشفع له تلك الوظيفة الأخرى التي عليه ممارستها بعد سنين خدمته العسكريّة، أن تشفع له بحدّ أدنى من الكرامة أمام وحشة العيش.
ليس من يُسر الأمور أن يشعر الإنسان بأنّ الحاضر والمستقبل فلتا منه على غفلة من كلّ حذر أو انتباه، إنّما الطامّة الكبرى هو ذلك الشعور الذي يسوق المرء إلى الاقتناع في أنّ ماضيه أيضًا كان مجرّد زلّة في غير مكانها… فمع كلّ الاحترام إلى كلّ المؤسّسات الأمنيّة في لبنان، ومع كلّ التقدير للضمير المهنيّ الذي يجب أن يواكب المهام العسكريّة لهذا الجنديّ أو الدركيّ أو ذاك، تراني أقرب إلى ما قاله الروائيّ النروجيّ كنوت همسون في رواية “الجوع”: “أتقول ضمير؟ دعْ هذا السخف، فأنت أفقر من أن يكون لك ضمير. أنت جائع، هذا هو أنت”… أمّا مقولة “كلنا للوطن للعلى للعلم…” فإنّ وضع العسكريّ المتقاعد تحت جسر الكولا وفي كلّ مكان في لبنان اليوم يسوق هذه العبارة لأن تكون محلّ ألف سؤال وسؤال.



