البكاء في الغرفة وحيدًا كروحٍ تتدحرج فوق الخدود

ربّما البكاء في الغرفة وحيدًا، هو استهلال أوّليّ لعالم سوف يحلّ، أو لعل هذا البكاء هو إضافة سائلة لعالم رقيق رحل. يختلف البكاء في الغرفة وحيدًا بعمق، عن البكاء قبالة البحر مثلًا. فهذا البكاء الأخير تجمعه أوجه شبه كثيرة، مع البكاء تحت الشجر في غابة كثيفة، وهو ما لا علاقة له بالبكاء في غرفة وحيدًا.

إنّ الدمع بكلّ الأحوال هو عين أخرى، إنّه جملة من العيون. عبر البكاء في غرفة وحيدًا أخال المرء عينًا هائلة الحجم، مجرّد عين، عينًا ضخمة بحجم الكون. لا يرتق الدمع المتدفّق – عندما يكون المرء في الغرفة وحيدًا– شقوق العالم وتفسّخاته ولا يفي، بالحد الأدنى، تلك الحاجة إلى الاطمئنان، التي تشتهيها القلوب والأرواح ومسامات الجلد. لكنّ هذا الدمع المسجون في الغرفة وحيدًا، هو في بعض وجوهه بمثابة ذخيرة من الماء الدافىء، ذخيرة رقراقة، روح تتدحرج فوق الخدود.

على الرغم من انفراد المرء بذاته، فإنّ دموعه التي تنساب عندما يكون في الغرفة وحيدًا، تلغي تلك المسافة الوهميّة بين الدمع والعالم. الدمع عندئذ هو استجابة فوريّة لتلك المقولة القديمة جدًّا، والتي ترى في العالم، في كلّ هذا العالم، مجرّد وادٍ للدموع.

الدمع حاضر الكلمات

سأل مرّة الفيلسوف الفرنسيّ رولان بارت: مَنْ سيكتب تاريخ الدمع؟ لم يقدّم نأمة جواب على هذا السؤال العصيّ لكنّ جلّ فلسفة بارت – وهو فيلسوف الكلمات بامتياز – تشي على الدوم بأنّ التاريخ الحقيقيّ للكلمات يكمن في ذرف الدموع. فتاريخ الدمع هو حاضر الكلمات، هو ماضيها وهو مستقبلها الذي يقع في غابات الضباب والصمت الأبديّ.

حتّى عندما تكون الأسباب الحقيقيّة للدموع متوارية، فإنّ ملامح الإنسان هي في عمقها الأخير، فعل مؤازرة لهذه الدموع المهيّأة دوما للانسكاب، وفضّ رسائل العالم على طريقتها الخاصّة، ولا سيما عندما يكون المرء في الغرفة وحيدًا. إنّ الملامح هي في بعض متونها فعل مناظرة بين الدمع واللادمع، فعل مناظرة بين البكاء في الغرفة وحيدًا أو كتم هذا البكاء حتّى عن أعين الذات.

غالبًا ما يتمتّع الدمع بالصدق، بل بأعمق ضروب الصدق، لكنّ هذا لا يمنع أنّ الدمع أحيانًا يكذب، وهو عندئذ لا يعدو أن يكون ماءً آسنًا، يتسرّب ليس من قداسة السماء إنّما من قعر الجحيم، وهو ما أخبرنا به قدّيس هائل من قدّيسي القرون الوسطى في أوروبّا الحروب والأمراض والدموع.

نعم… نعم، إنّ الدمع بكلّ الأحوال هو انعكاس لنوايا الروح.

الدمع عواء العالم

يخبرنا القدّيس أوغسطينوس في تلك الاعترافات الرائعة “أنّ الدمع يستمدّ وهجه من إمكان أن يراه الله أوّلًا، أن يرى الله الدمع”. وقد أردف الكاتب الإسبانيّ ميغيل دي أونامونو صاحب الاعترافات بعد قرون من موته بالقول: “من الرائع أن يستجيب العالم لدمعنا”، فالله عندئذ قاب قوسين من العالم أو أدنى من ذلك بكثير، وهو ما لم يقله أونامونو، بل تراني أقوله أنا وهو قول أتمسّك به إلى أقصى الحدود وقد أرشدني إليه كلّ من أونامونو وأوغسطين.

مهما حاول أيّ منّا أن يجتاز تلك المسافة التي تخوضها العيون بين الدمع واللادمع، فإنّ الدمع هو على الدوم الأكثر تمكّنًا والأكثر استئثارًا

ربّما الدموع – ولا سيّما تلك التي تُسكب في الغرف المغلقة عندما يكون المرء وحيدًا – هي أقرب إلى إعادة الصياغة لعلاقة الروح مع العالم. ربّما تلك الدموع الشديدة الوطأة والحميميّة والمكوث هي محاولات سائلة لتعديل الملامح بما يتلاءم مع الخارج المقطّب الجبين، مع ذلك الخارج المرهق، الخارج المنقضّ، الخارج المجنون.

مهما حاول أيّ منّا أن يجتاز تلك المسافة التي تخوضها العيون بين الدمع واللادمع، فإنّ الدمع هو على الدوم الأكثر تمكّنًا والأكثر استئثارًا، بل تراه في تلك الغرفة المغلقة هو الأكثر قوّة في حفر خريطة العالم ودروبه الواضحة أو السرّيّة، وصولًا إلى انتفاء الدروب. فالدمع في بعض سياقاته هو عواء العالم إذا ما أردنا أن نتصرّف بما قاله واحد من خبراء الدمع في القرن العشرين، فيديريكو غارثيا لوركا، في “قصيدة البكاء” حيث فضلًا عن كون الدمع – أو البكاء كما يقول لوركا – عواء، هو أيضًا ملاك هائل… كمانٌ ضخم بحجم الأرض.

لغة لا سبيل لتدوين كلماتها

لا أحسب أنّ اللغة تستجيب من خلال كلّ كلماتها إلى ما يريد أن يقوله لنا الدمع. فحتّى المجاز والكنايات وتلك الاستعارات الرائعة هي في حضرة الدمع مجرّد أضياف بكماء. كلّ الكلمات هي مجرّد فأفآت وتأتآت عندما يكون موضوعها الدمع تمامًا كشأن هذه المقالة.

إنّ البكاء في الغرفة وحيدًا هو لغة لا سبيل لتدوين كلماتها، وحتّى الربّ في حضرة هذا الضرب من البكاء تراه منصاعًا إلى عدم القدرة على فضّ رسائل غيب دموع هذا النمط من البكاء.

على الرغم من اعتبار الوجه بعامّة في مثابة المادّة الخام لاتّصال المرء بالعالم، كما يرى إلى الأمر جملة من الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع، فإنّ الدمع على الدوم تراه يرسم الملامح الأصليّة للوجه باعتباره – باعتبار هذا الوجه أقصد – غريبًا عن العالم إلى أقصى الحدود. إنّ وجه الدمع المنسكب هو غريب العالم بامتياز وكلّ المحاولات لرتق العلاقة مع العالم عبر خيوط الدمع هي حكمًا محاولات فاشلة مهما تنوّعت مسالك الدموع.

إن البكاء في الغرفة وحيدًا هو فردوس شخصيّ جدًا لكنّه أيضًا جهنّم تمسّد فوق الخدود بكلّ حنو.

الأسطورة والدمع

تخبرنا الأسطورة الإغريقيّة أنّ Niobe ملكة طيبة توسّلتْ ربّ الأرباب الإغريقيّ، زيوس، كي يساعدها في كفكفة دموعها بعد أن فقدتْ أبنها وقد أرهقتها هذه الدموع. جرّب زيوس كلّ الطرق ولم ينجح في كفكفة هذه الدموع، إلى أن خطر له أن يحوّلها إلى حجر ضخم، إلى صخرة صمّاء. توقفتْ Niobe وقد تحولتْ إلى صخرة عن سكب الدموع لكن الطامّة أن تلك الصخرة تراها تستدعي حتّى اليوم دموع كلّ من يمرّ بقربها حتّى دون أن يعرف المارّ أسباب هذا الاستدعاء للدمع.

لست أدري، ربّما العالم، كلّ العالم لا يتجاوز أن يكون تلك الصخرة الصمّاء التي يختزنها كلّ منا على طريقته الخاصة، في تلك الغرفة حيث يبكي المرء وحيدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى