الحرب تشتعل على وسائل التواصل معارك وخطابات كراهيّة

بين من رأى في اتّفاق وقف إطلاق النار مساومة وتنازلًا وهزيمة، وبين من رآه قوّة للمقاومة وصمودها، ارتفع السجال من جديد ووقع شرخٌ كبير بين اللبنانيّين! لم تنسحب صورة التضامن الوطنيّ إبّان النزوح على تداعيات الحرب ما بعد العدوان، فعاد اللبنانيّون كلّ إلى مربّعه، يتراشقون بأقذع العبارات التي ضجّت بها مواقع التواصل الاجتماعيّ وفاحت منها رائحة الكراهيّة، وامتدّت إلى اتّهامات متبادلة بالتخوين والتبعيّة للخارج.

الكراهيّة والتخويف من الآخر

“حيعملوا فيكم متل ما عملوا داعش بالإيزيديّين في العراق. مفكّرين في فرق بين داعش وصهاينة البلد؟”، تقول إحدى الناشطات على مواقع التواصل الاجتماعيّ عن موضوع تسليم سلاح المقاومة.

“ما بيشبهونا” عبارة قالها رئيس جهاز الإعلام في حزب القوّات اللبنانيّة شارل جبّور في حقّ أهل الجنوب وبعلبك، صُنّف كلامه في حينه بالعنصريّة وضمن خانة خطاب الكراهيّة، وفي الوقت الذي كان يُتوقّع فيه من الإعلام أن يُهدّئ النفوس، سار عكس ذلك، وهو ما تجلّى من خلال برنامج “ميني مافيا” الذي استضاف في وقت سابق طفلين لبنانيّين من بيئتين مختلفتين لكلّ منهما موقفه السياسيّ، وقام كلّ واحد منهما بالحديث عن تشرّباته السياسيّة ورؤية بيئته من الوطن والسيادة، فكانت لهذه الحلقة آثار تنمّ في غالبيّتها عن جهل بحقوق الطفل واستغلال للطفولة.

احتدام السجال

لم تقتصر حملة التراشق والسجالات على فئة معيّنة، بل انخرط فيها كثر من المفترض بهم أن يتحلّوا بالموضوعيّة كالعاملين في حقول العمل الاجتماعيّ والصحافيّين وأساتذة الجامعات، فغرقوا في التصنيف وكَيل العبارات التي تُنقص من قيمة الآخر الإنسانيّة والمعنويّة.

تكتب إحدى المحسوبات على عالم الصحافة “إلى متى نتحمّل العيش مع همج؟”؛ ليردّ عليها أحدهم في التعليقات: “حسب شو مقياس ومفهوم الهمجيّة وهل للهمجيّة مفهوم ثابت؟… مثل ما الآخر همج بنظرك ممكن أنتِ تكوني أكثر من همج!”.

جاء هذا المنشور بعد حادثة منع الطائرة الإيرانيّة من الهبوط في مطار رفيق الحريري، وما جرّته من أحداث على طريق المطار، حيث ارتفع منسوب التراشق على وسائل التواصل، وفي المنصّات الإعلاميّة المتخندقة ليتوّج بمشهد قاعة المطار بعد عودة الزوّار اللبنانيّين الذين لم يتمكّنوا من العودة على متن الطائرة الإيرانيّة، فعادوا عبر العراق إلى لبنان.

لم تقتصر حملة التراشق والسجالات على فئة معيّنة، بل انخرط فيها كثر من المفترض بهم أن يتحلّوا بالموضوعيّة كالعاملين في حقول العمل الاجتماعيّ والصحافيّين وأساتذة الجامعات

صبيّة غاضبة في المطار

“نحنا ما دفعنا دمّ لتجي تقلّنا اضهروا لبرّا” تروي الشابّة أسماء بزيع وهي حائزة على ماجستير في الصحافة والإعلام، عبر إحدى الصفحات حول تعرّضها وكثيرين للاستفزاز في حادثة منع هبوط الطائرة الإيرانيّة، “عندما تبلّغنا أنّ مطار بيروت رفض رحلة عودتنا، كانت لحظة صعبة، إنّو بلدك ما بدّو ايّاك، رافضك، صرت طلّع بالعالم كيف عم يطّلعوا فينا بالمطار”.

وعن احتجاجها الغاضب في المطار تقول: “.. نحنا من مطار طهران كنّا حاملين صورة السيد، بعدما وصلنا ع مطار بيروت ضبّيناهن حتّى ما نعمل استفزاز لحدا، بعد إجراءات التفتيش وإحضارنا الحقائب ونحن في طريقنا إلى قاعة الاستقبال حملنا الصور، كان هناك شخصان عرّفا عن نفسيهما أنّهما من المخابرات، وطلبوا ممّن يقوم بتصويرنا حذف مقطع الاستقبال، وتوجّه أحدهما بثياب مدنيّة إليّ، طالبًا منّي إنزال الصورة ورفعها خارج القاعة، فأجبته بأنّ هذا مكان عامّ ولا يحقّ لك بتحديد ما عليّ رفعه: هذا مطار بيروت مطارنا كلنا، وهنا أعاد كلامه بلهجة حادّة، نزّليها وارفعيها برّا واحترمي المطرح هون، وقد استفزّني كلامه فرفعت صورة السيّد وقلت له هيدا هو الاحترام وهيدا هو لبنان، نحنا ما دفعنا دمّ لتجي تقلّي اضهري لبرّا،… واللّي مش معاجبه يهاجر”.

“اللّي مش معاجبه يهاجر” عبارة قالها رئيس الجمهوريّة السابق ميشال عون في تعليقه على أزمات لبنان. فأصبحت لازمة يردّدها اللبنانيّون اتّجاه بعضهم البعض، فمن يحدّد من يهاجر ومن يبقى؟! ولماذا نضيّق صدر الوطن؟

بين مناصر ومستهزئ

لاقى احتجاج أسماء ضجّة امتدّت إلى مواقع التواصل الاجتماعيّ، بين مناصر ومستهزئ، في موقف يعكس تمزُّقًا صارخًا في النفوس، وغيابًا قصريًّا لمفاهيم التعاطف والتضامن مع الآخر.

تعلّق ناشطة “فيسبوكيّة” وهي أستاذة جامعيّة: “المدام يلّي عم تصرّخ بالمطار، شو معها بالشنطة. العمى ح تنفزر”؛ لتردّ عليها إحدى المعلّقات مدافعة: “عادي المطار يستقبل الزفّات والدبكات بس ما لازم يستقبل ناس عم تدافع عن مبادئها”.

مع كمّ كبير من تعليقات الساخرين، منها: “مش عارفة ليه رجعت .. كانت تضلّ بإيران”. ويُزايد آخر: “هاي حافظة ومش فاهمة”، “سوهان طعمته بلاستيك محروق”. لتتوالى التعليقات “اللّي بياخود أوامرو من إيران بيكون هيدا بلدو؟!”. و”أوامرنا! ليش انتو من وين يا أمريكان؟”.

تناشد الشاعرة حنان فرفور الجميع في منشور لها على الفايسبوك: “بناء وطن لا يعني الاستقواء على الناس لتلميع صورة ما. بناء وطن يحتاج تفهّمًا ووسطيّة ومقدارًا أدنى من المنطق وسيادة القرار.. المفترض أن يتلاقى الوسطيّون من كلّ المكوّنات، لا أن يتمّ تحييدهم وتخويفهم..”.

 مايلة والتعليقات

في ڤيديو مصوّر نشرته “مناطق نت”، لامرأة تدعى مايلة عيسى من قرية ميس الجبل، تقول بلكنتها الضيعاويّة: “أنا لبنانيّة لا حركة أمل ولا حزب الله”. وبين العتابا والأوف تقف بين أنقاض بيتها، تحكي كيف عمّرته بيديها ومن عملها في زراعة التبغ، وهدمه العدوان الإسرائيلي للمرّة الثانية منذ حرب تموز (يوليو)، وتلعن نتنياهو واللّي عملوا الحرب، وتختم: “وهلّق بدّي يّاهن يجو قبل الكلّ يعمرولي..” لتنهال تعليقات تتّهم الموقع بالخبث والفساد وعدم المصداقيّة: “.. يا عيب الشوم عليكم صفحات فتنة”.

وتتوالى التعليقات “مواقع اجتماعيّة تبحث عن زلّة لسان لكي تزيد الزيت على النار. ارحموا أهل الجنوب..”. لم تسلم الحاجّة من النقد والانتقاص، وإن كان هناك من يبرئها فهو بقوله عنها “الحجّة بسيطة وتفكيرها محدود .. وأنّها لا تدري بالنوايا” وأنّ الموقع يستغلّ زلّات اللسان، ولغرض الصيد في الماء العكر” أيّها الموقع الفاسد همّك تحصد لايكات وتعليقات خرج الموقع ريبورت”.

وكأنّ الحزن لم يعد أمرًا شخصيًّا، التعبير عن الغضب من العدوّ واضح جدًّا، ولكنّ إشكاليّة “اللي عملوا الحرب” والحديث عن التعويضات، فتحت باب النقد والانتقاص على الرغم من أنّ هناك كثيرًا من “الڤيديوهات” التي أعدّتها “مناطق نت” يمجّد الناس فيها المقاومة ويؤكّدون صمودهم وثباتهم وأملهم بإعادة إعمار ما تهدّم.

وكأنّ الحزن لم يعد أمرًا شخصيًّا، التعبير عن الغضب من العدوّ واضح جدًّا، ولكنّ إشكاليّة “اللي عملوا الحرب” والحديث عن التعويضات، فتحت باب النقد والانتقاص

يطرح ما تعرّضت له “مناطق نت” قضيّة حرّيّة الرأي، وهل هي معياريّة؟ ولماذا يصعب إلى هذا الحدّ تقبّل رأي الآخر، ما دام الإعلام يُعالج بموضوعيّة ومن دون تنميط قضايا الرأي العام؟

سجالات نسويّة

تكتب مريم ياغي الصحافية والمعروفة كناشطة نسويّة تحت وسم “أنا نسويّة ونازلة عالتشييع” تردّ فيه على من عاب عليها الجمع بين نسويّتها ورأيها السياسيّ، لتعود وتكتب: “اللي صدّرلي الخوف من الوصمة بحال عبّرت عن تماهيّي مع الحزب بقضايا جذريّة مثل قضيّة المقاومة ضدّ الاستعمار، اللي تناسى استعمار أوروبّا وجرائم الولايات المتّحدة الأميركيّة وعيّب علييّ وجعي عالسيّد واعتبرها تناقض مع مبادئي النسويّة…”.

تتصاعد السجالات إلى حدّها الأقصى مع التحضير لتشييع أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله فتكتب إحداهنّ: “نشالله يكون مصدر الكراسي تبع الملعب نفسو تبع الـ pagers”. لتنتقل السجالات في ما بعد عن الأعداد والتمثيل وغيرها من القضايا التي جعلت من فترة ما بعد العدوان وتداعياته، فترة عصيبة تضجّ بالتحدّيات الكبيرة، لا تبدأ بعمليّة إعادة التعمير ولا تنتهي بإعادة اللحمة إلى أبناء وطن واحد يفترض في “ألف بائه” أنّهم موحّدون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { var blockquotes = document.querySelectorAll('blockquote, q'); blockquotes.forEach(function(blockquote) { var beforeContent = window.getComputedStyle(blockquote, '::before').content; if (beforeContent === '"\\f10e"') { blockquote.style.setProperty('content', '"\\f10f"', 'important'); } }); });