الصدر في ذاكرة بعلبك.. ماذا يقول معايشوه؟

تفرد ذاكرة بعلبك مساحة مميّزة للإمام موسى الصدر الذي تحلّ ذكرى تغييبه الـ 47 هذا العام مع رفيقيه الشيخ محمّد يعقوب، والصحافيّ عباس بدر الدين. فـ “أب المحرومين” و”صاحب الكلمة السواء”، و”إمام التعايش” تزدحم ذاكرة بعلبك بذكراه وصوره وأقواله، وتزدان المطارح والأمكنة بطيفه وحكاياه ومآثره، فلا تعود الأزمنة مؤشّرًا لبعد المسافة، بل دليل على رسوخ الصدر كحالة استثنائيّة في تاريخ بعلبك ومنطقتها.

ككلّ آب من كلّ عام، منذ تغييبه، تحلّ الذكرى هذا العام، تُستعاد فيها أقوال الإمام وشعاراته ومواقفه، وأبرز الأحداث التي كان حاضرًا فيها. لكن على الضفة الأخرى هناك في مناطق الأطراف النائية، ثمّة أناس يحيون الذكرى بطريقة مختلفة متذكّرين الصدر وبداياته في بعلبك، وتعرّفهم إليه والسير وراءه والتفيّؤ بعمامته. يصف ابن الهرمل أبو هيثم ناصرالدين وهو من رفاق درب الإمام الصدر واقعة اختفائه لـ “مناطق نت” فيقول: “كان كعاصفةٍ عصفت بنا، أعمت قلوبنا، كبّلتنا، عندما تلقّينا خبر فقدان الاتّصال بالإمام، أبقينا اجتماعاتنا مفتوحة في مدينة الزهراء، أحدٌ لم يعد إلى منزله، الجميع في الانتظار، من له عمل ومن لا عمل له”.

كثيرة هي محطّات الإمام الصدر في بعلبك وكثر من عاصروه وساروا خلفه، من بعلبك والهرمل، ومن دير الأحمر وجميع أنحاء البقاع. كانوا برفقته في كلّ المناسبات، لا يغادرون المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى، كانوا معه في قسم بعلبك الشهير على مرجة رأس العين في الـ 17 من آذار (مارس) 1974 رافقوه في اجتماعات الإصلاح التي كان يقوم بها بين العائلات والعشائر، وبعضهم استقبله في بلدة اليمّونة عندما حاصرتها الثلوج في نيسان (أبريل) سنة 1968، ومنهم من كان حاضرًا في تدريبات عين البنية عندما وقع الانفجار في تمّوز (يوليو) 1975.

من زيارة الامام موسى الصدر بلدة اللبوة في بعلبك متفقدًا مشروع المدرسة المهنية الزراعية، يرافقه الشيخ محمد يعقوب وعلي المصري وعلي عودة وعلي دبوق(المصدر: مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)
زيارة اليمّونة

يحكي ناصرالدين عن زيارة الإمام الصدر إلى بلدة اليمّونة لافتًا إلى أنّه “عندما سمع سماحته أنّ هناك بلدة في البقاع انقطعت الطرق إليها بسبب تراكم الثلوج، قصد البقاع واتّجه إلى اليمّونة سيرًا على الأقدام وقطع كيلومترات عدّة ليطمئنّ إلى أحوال أهالي البلدة”.

من ناحيته يتحدّث أبو أسعد جعفر من بلدة الشراونة، وهو من معاصري الإمام أنّ الصدر “عندما زار اليمّونة بعد أن قطعت الطريق إليها بسبب الثلوج كان يقصد فتح الطريق، وكانت خطوته بمثابة إيصال رسالة إلى المسؤولين أنّه لا يجوز إهمال المناطق البعيدة، وإلى الناس أنه معهم وإلى جانبهم”.

محطّات في بعلبك والبقاع

عن دور الصدر في حلّ الخلافات، ورعايته كثيرًا من المصالحات بين العشائر والعائلات، يستذكر ناصرالدين أنّه “وقع خلاف بين آل ناصرالدين وآل علّوه على المياه، أدّى إلى وقوع ثلاث ضحايا من العائلتين”، يتابع ناصرالدين “تدخّل الإمام الصدر وكانت الزيارة الأولى له للهرمل، حيث جمع العشائر في سيّدة الدورة، وأقام الصلح بين العشيرتين، وفي طريقه صادف راية سوداء مرفوعة فوق أحد المنازل، فدخل على أصحاب المأتم وقدّم واجب العزاء بالمتوفّى دون معرفة مسبقة”.

ناصر الدين: عندما سمع سماحته أنّ هناك بلدة في البقاع انقطعت الطرق إليها بسبب تراكم الثلوج، قصد البقاع واتّجه إلى اليمّونة سيرًا على الأقدام

يضيف ناصرالدين “رافقته في إحدى جلسات الصلح بين أهل فنيدق، حيث طلب الأهالي أن يتدخّل شخصيًّا، وكان ذلك، فكانوا مسرورين بتلبية الإمام الصدر وتمّ الصلح”.

“كان بمثابة الأب الروحيّ للعشائر، استبشروا خيرًا به، بعدما كانوا يعانون من الإهمال على مدى السياسات الماضية، إذ لا مدارس، لا طرقات، ولا وظائف”، هذا ما قاله أبو أسعد جعفر عن الإمام الصدر وأضاف “طالب وقال إنّ أبناء بعلبك الهرمل من حقّهم وظائف الدرك والجيش والدولة”.

يروي جعفر أنّ “عشائر بعلبك الهرمل والمؤلّفة من حوالي 20 عشيرة والتي لم تكن تأتمر بأحد، كانت تأتمر بأمر سماحته”. يتابع “في الصلح كان الفرقاء المتخاصمين يحتكمون إلى الإمام الصدر ويطلبون منه التدخّل، وكانت المصالحات تتمّ بسرعة، لم يكن أحد ينقض صلحة الإمام، كانت له محطّات في بعلبك ومقنّة وبوداي وشعت والهرمل وغيرها، كان يفاجئ بعض العائلات بزيارته ويستمع إلى معاناتهم ومشاكلهم وهمومهم، يزورهم في بيوتهم، كان قريبًا من جميع الناس الذين كانوا يقرأون فيه مصداقيّة بحيث إذا وعد أوفى”.

يشير جعفر إلى أنّ نحو 99 في المئة من أهالي البقاع سواء كانوا سنّة أم مسيحيّين أم شيعة كانوا مع الصدر عندما زار بعلبك.

قسم بعلبك رأس العين

عن أداء القسم على مرجة رأس العين يروي ناصرالدين تفاصيل ذلك اليوم، وهو الـ 17 من آذار 1974، فيقول: “عندما توجّه الإمام إلى البقاع، تجمهر الناس في كلّ بلدة أو قرية مرّ بها على امتداد الطريق، ينتظرونه كي يترجّل، ينحرون له الخراف، ينثرون عليه الأرزّ والورود، ويمشون وراءه باتّجاه بعلبك، هذه الاستقبالات المتتالية والعفويّة جعلته يتأخّر ساعتين عن توقيت المهرجان، والجميع بالانتظار دون ملل يتوقون إلى رؤيته”.

حشد من أهالي بعلبك يستقبلون الإمام موسى الصدر لأداء القسم في رأس العين

“أكثر من مئة ألف كانوا في مرجة رأس العين وردّدوا وراء الصدر القسم الشهير” يقول ناصر الدين.

يصف أبو أسعد جعفر يوم القسم على مرجة رأس العين فيقول “جماهير غفيرة أقسمت مع الإمام الصدر بحبّ”، ويلخّص المشهد بأنّ “جزءًا من العشائر كان في تشييع رجل من رجال ثورة الاستقلال سنة 1926 وهو محمّد محمود جعفر حيث سمح الجيش اللبناني بحمل السلاح”.

دير الأحمر في حمى الصدر

عن حكاية الإمام الصدر مع دير الأحمر يروي ناصرالدين “بينما كان الإمام الصدر معتصمًا في مسجد الصفا وكنت برفقته، دخل شاب اهتمّ به الإمام، عرفنا لاحقًا أنّه نجاح واكيم”. يتابع ناصرالدين “ما هي إلّا لحظات حتى قطع سماحته الاعتصام معتذرًا وتوجّه إلى البقاع، وتركنا دون أن نفهم السبب، ليتبيّن لاحقًا أنّ عديدًا من أبناء البقاع كانوا قد تجهّزوا للهجوم على البلدات المسيحيّة ومنها القاع ودير الأحمر، فكان خطابه الشهير الذي قال فيه: “كلّ طلقة تُطلق على دير الأحمر والقاع وشليفا إنّما تطلق على بيتي وعلى محرابي وعلى قلبي وعلى أولادي، وما كانت غير دقائق حتى تفرّقت الحشود وتراجعت تلبية لرغبة الإمام”.

بدوره يتحدّث جعفر عن زيارة الصدر إلى دير الأحمر قائلًا: “كنت برفقته عندما طلب من صاحبة المنزل أن تحضر له “القورما” وأراد من ذلك إيصال رسالة أنّه يأكل عند المؤمن وصاحب الديانة السماويّة، فالإمام الصدر صلّى في إحدى الكنائس في روسيا”.

انفجار عين البنية

في تمّوز العام 1975 كانت حركة المحرومين وبحسب ناصرالدين قد بدأت التدريبات في عين البنية جنوبيّ بعلبك، وهي منطقة جرديّة. كان المدرّب فلسطينيًّا من غزّة يدعى “أبو العبد” يدرّب أبناء حركة المحرومين.

عن تلك الحادثة يتحدّث زين مصطفى وهو من رفاق درب الإمام الصدر ومن الكوادر المتدرّبة في عين البنية  لـ “مناطق نت” قائلًا: “بينما كان حوالي 118 عنصرًا متدرّبًا يتجمهرون في حلقة دائريّة حول المدرّب الذي كان يشرح عن لغم الدبّابات، فكّ الصاعق ووقع على الأرض، وعندما حمله ووضعه، وقع الانفجار وتصاعد الدخان الأسود في المكان، نتج عنه وقوع أكثر من عشرين شهيدًا، وعديد من الجرحى”.

يتابع مصطفى “كان الإمام يتريّث في الإعلان عن أفواج المقاومة اللبنانيّة، ولكن مع الانفجار أعلن انطلاقة الجناح العسكريّ لحركة المحرومين التي أطلق عليها لاحقًا أفواج المقاومة اللبنانية أمل”.

كان الإمام الصدر يقضي وقتًا لا بأس به في البقاع، وكان المغترب اللبنانيّ عصام صقر صاحب فندق L’Alouette قد قدم جناحًا للإمام الصدر ليمكث فيه، هذا الأوتيل الذي قصفته إسرائيل لاحقًا، وقدّم صاحبه الأرض لسماحة الإمام حيث بنيت عليها مدينة الإمام الصدر وثانويّة الشيخ محمّد يعقوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى