العريضة العكّاريّة حينما تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ يوميّ (ڤيديو)

في بلدة العريضة، أقصى شمال لبنان، وعلى الضفّة اللبنانيّة من النهر الكبير الجنوبيّ الذي يرسم الحدود الطبيعيّة مع سوريا، فتحت “أمّ محمّد” باب منزلها مع انقشاع العاصفة، محاولة إدخال بعض الشمس لتجفيف الرطوبة التي خلّفتها مياه الأمطار. لم تكن حال منزلها استثناءً؛ فكما في كلّ شتاء، فاض النهر مجدّدًا ودخلت مياهه إلى البيوت، مكرّسًا مشهدًا بات مألوفًا عند أهالي البلدة.

تقول أمّ محمّد لـ “ماطق نت” إنّ منزلها يغرق مع كلّ عاصفة شتويّة، وإنّ مياه النهر لا تلبث أن تتسلّل إلى الغرف. “تركنا البيت وطلعنا عالسطح ونمنا تحت المطر… أختي راحت على ضيعة تانية، بس أنا وين بروح؟” تسأل، في عبارة تختصر هشاشة العيش عند الحدود، حيث لا خيارات كثيرة ولا بدائل متاحة.

تقع العريضة ضمن قضاء عكّار في محافظة عكّار، وتشكّل إحدى أقصى النقاط الشماليّة بلبنان. يحدّها مباشرة الجانب السوريّ، ويمرّ بمحاذاتها معبر العريضة الحدوديّ الذي يربط لبنان بمحافظة طرطوس السوريّة، ويُعدّ من المعابر الأساسيّة في هذه المنطقة. هذا الموقع الجغرافيّ، الذي كان من المفترض أن يشكّل فرصة للتواصل والحركة الاقتصاديّة، تحوّل مع الزمن إلى مصدر أعباء إضافيّة على السكّان.

الوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ

اجتماعيًّا، ينتمي معظم سكّان العريضة إلى الطائفة السنّيّة، مع وجود أقلّيّة علويّة صغيرة تعكس التنوّع الدينيّ في شمال البلاد. وعلى رغم محدوديّة عدد السكّان، تحتفظ البلدة بنسيج اجتماعيّ متماسك، يتأثّر بشكل مباشر بالتحوّلات السياسيّة والأمنيّة في الجوار السوريّ، وبما تفرضه طبيعة العيش عند خطّ تماس دائم مع الحدود.

اقتصاديًّا، تعتمد العريضة على نمط معيشيّ بسيط يرتكز على التجارة الحدوديّة المحدودة، وبعض الأنشطة الزراعيّة والحرفيّة، إضافة إلى صيد الأسماك في النهر. إلّا أنّ هذا الاقتصاد الهشّ يبقى رهينة عوامل خارجة عن إرادة الأهالي، من تقلّبات حركة المعبر إلى الأزمات الاقتصاديّة العامّة التي تضرب لبنان.

لعنة الجغرافيا والحروب

يصف كثيرون من أبناء البلدة واقعهم بـ “لعنة الجغرافيا”. ففي كلّ عاصفة قويّة، تتلف مياه النهر المزروعات، وتغمر الأراضي الزراعيّة، ما يؤدّي إلى خسارة مواسم تقدَّر قيمتها بآلاف الدولارات. ولا تتوقّف الأضرار عند هذا الحدّ، إذ تتكسّر قوارب الصيد وتُقتلع الشباك، ما يحرم الصيادين من مصدر رزقهم الأساس. يقول أحد أبناء العريضة الصيّاد علي في حديث لـ “مناطق نت”: “كلّ سنة تأتي العاصفة فتكسر القوارب وتنزع الشباك، وما من أحد يلتفت إلينا، ولا نرى المسؤولين إلّا في فترة الاستحقاقات الانتخابيّة”.

إلى جانب التهميش الاقتصاديّ، تعرّضت العريضة إلى ضربة إضافيّة خلال الحرب الأخيرة، حين استُهدف معبر العريضة الحدوديّ بغارات إسرائيليّة، وذلك عشيّة قرار وقف إطلاق النار قبل أكثر من عام. وقد أدّى القصف حينها إلى تضرّر المدرسة الوحيدة في البلدة، وهي محاذية للمعبر، ما حرم عشرات الطلّاب من حقّهم في التعليم، فاضطرّ عدد من الأهالي لنقل أولادهم إلى مدارس تبعد نحو نصف ساعة في السيّارة عن البلدة.

ترقّب يسود الحياة

يقول مختار البلدة عصام درويش لـ “مناطق نت” إنّ المدرسة كانت “المتنفّس الوحيد للحياة التعليميّة في العريضة”، معتبرًا أنّها المؤسّسة الرسميّة الوحيدة التي كانت تذكّر الأهالي بانتمائهم إلى الدولة اللبنانيّة. ويضيف أنّ البلدة “لا ذنب لها في تحمّل أعباء الحرب الأخيرة، ولا يجوز أن يُحرم طلّابها من عامهم الدراسيّ”. في المقابل، أفاد مصدر في كتلة الاعتدال الوطنيّ النيابيّة بأنّ العمل جارٍ على معالجة الأزمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي يعاني منها أهالي العريضة.

في العريضة، كما في كثير من القرى الحدوديّة، تُدار الحياة اليوميّة على إيقاع الترقّب: ترقّب المطر ومستوى النهر، في الصيف القلق من الجفاف وفي الشتاء الخوف من الطوفان، بالإضافة إلى ترقّب من نوع آخر يتعلّق بفتح المعبر أو إقفاله، وترقّب الأمان في منطقة اعتادت أن تكون في الهامش. الأطفال ينشأون بوعي مبكر لمعنى الحدود كحاجز سياسيّ وجغرافيّ، بينما يكبر الكبار على قلق تأمين لقمة العيش في سوق محلّيّة محدودة مرتبطة بما يجري عند الضفّتين.

في المحصّلة، العريضة ليست مجرّد نقطة حدوديّة أو اسم على الخريطة؛ إنّها صورة مكثّفة عن لبنان الأطراف، حيث تتداخل الجغرافيا بالسياسة، ومعهما يغدو العيش اليوميّ اختبارًا دائمًا للصمود في وجه الطبيعة والإهمال على حدّ سواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى