“القرنة البيضا” ليحيى جابر وماريّا الدويهي مونودراما الواقع والذاكرة “الزغَردِنيّة”*

لم يتوقّف المخرج يحيى جابر يومًا عن تقديم ما أبهر وأدهش بحقيقته واقعيّته لا بتغريبه أو غرابته ولا بخياله في مشروعه المسرحيّ المونودراميّ الذي أصبح علامة فارقة في الحركة المسرحيّة اللبنانيّة منذ أكثر من 12 عامًا.

واستكمالًا للمشروع المسرحيّ “الهويّاتيّ”، وبعد بيروت زياد عيتاني في “بيروت.. طريق الجديدة” و”بيروت فوق الشجرة” وجنوب أنجو ريحان في “مجدّرة حمرا” و”شو منلبس؟”، وضاحية حسين قاووق في “شو هَا” وساحل نتالي نعّوم الممتدّ “من كفرشيما للمدفون” وبعلبك عبّاس جعفر في ” هيكالو”، يقدّم لنا جابر “القرنة البيضا” مسرحيّته الجديدة وبطلتها الدكتورة ماريّا الدويهي (ابنة الروائيّ الراحل الكبير جبّور الدويهي) في عرض كعادته يضحكنا بكلّ ما فينا من بساطة ويبكينا بكلّ ما فينا من تاريخ.

“القرنة البيضا” كما أخواتها “الجابريّات” السابقات تسعى لإعادة الاعتبار للصوت الفرديّ المهمَّش بوصفه حاملًا لذاكرة جماعيّة لا تُكتب في الكتب الرسميّة، بل تنتقل شفهيًّا من جيل إلى جيل، وها هي تخبو وتكاد تنطفئ في عصر السرعة والتكنولوجيا والقرية الكونيّة والحروب “الفضائيّة”، فالتقطها جابر في لحظة مسرحيّة متجلّية، كما التقط مواهب نجوم مسرحه المذكورين أعلاه، وكما فعل مع الممثّلة ماريّا الدويهي التي لحضورها وأدائها فصول تروى.

ذاكرة شفوية سرديّة خشبة

ليست المسرحيّة مجرّد مونودراما تؤدّيها امرأة واحدة، بل هي فعل استحضار لزمنٍ قرويّ، وللغةٍ محكيّة، ولذاكرةٍ شفويّة تتحوّل على الخشبة إلى سردية مسرحيّة ذات بُعد إنسانيّ وسياسيّ واجتماعيّ وثقافيّ عميق.

“القرنة البيضا” ليست مكانًا محدّدًا بقدر ما هي فضاء رمزي. الاسم، بحدّ ذاته، يشي بالبياض لا كبراءة، بل كمساحة محايدة تُسقط عليها الشخصيّات تاريخها ومخاوفها ورغباتها. القرنة، كعلوٍّ جغرافيّ، تحيل إلى المراقبة، إلى موقع الشاهد الذي يرى أكثر ممّا يشارك، بينما البياض يفتح على النسيان، الإخفاء، أو الطمس القسريّ للوقائع.

يستند العمل على الدويهيّ ممثّلة وحيدة تتقمّص شخصيّات متعدّدة، لتأكيد فكرة أساسيّة: أنّ المجتمع كلّه يمكن أن يُختصر في جسد واحد. هذا الجسد الأنثويّ يتحوّل إلى “هارد ديسك” للذاكرة، شاهدًا على التحوّلات الاجتماعيّة والعنف الرمزيّ والمادّيّ، وحاملًا لأحداث قد تبدو عابرة ولا تعني إلّا صانعيها “البسطاء” لكنّها تاريخ.

زغرتاويّة إهدنيّة

ليست المونودراما عند جابر فقرًا إنتاجيًّا، بل خيارًا واعيًا (عن سابق تصوّر وتصميم) ينسجم مع طبيعة الحكايات الشعبيّة التي كانت تُروى شفهيًّا، من امرأة إلى امرأة، ومن جيل إلى جيل.

لغة “القرنة البيضا” عامّيّة لبنانيّة شماليّة زغرتاويّة إهدنيّة، تشعر وأنت تسمعها وكأنّك تتسكّع في ساحة الميدان أمام مبنى الكبرى الإهدنيّ الأثريّ أو أمام الساعة في ساحة التلّ في زغرتا. هذه اللغة غير مصقولة، وغير معنيّة بإرضاء الذائقة الأكّاديميّة، فهي جوهر العمل، لأنّها تنقل النبرة، الإيقاع، والتوتّر النفسيّ كما هو، بلا وساطة.

العرض يراهن (كما كلّ عروض جابر) على أنّ ما لم يُكتب في السجلّات، كُتب في أجساد الناس في أصواتهم، لهجاتهم، غنائهم، إيقاعاتهم، أهازيجهم وفي إرثهم

لم يكن سبب استعمال العامّيّة في العرض بسبب سهولتها أو شعبيّتها، بل لأنّها قادرة على إنتاج المعنى العميق في الزمان والمكان المفترضَين للعرض، وعلى حمل الأسئلة الكبرى: الموت، الفقد، الخوف، والانتظار. في هذا السياق، تتحوّل البساطة إلى أداة جماليّة إبداعيّة غارقة في الصدق، وتتحوّل اليوميّات إلى مادّة فلسفيّة متشظّية، متمرّدة في وجه كلّ تقليد يعاكس الحبّ والأمان والجمال.

المرأة في “القرنة البيضا” هي امرأة عاديّة تستمدّ قوّتها من “عاديّتها”، فهي ليست ضحيّة صامتة ولا بطلة استثنائيّة و”لا ينبغي لها”. هي لا تواجه السلطة (برجالها ونسائها) بشكل مباشر، لكنّها تفكّكها عبر السرد. الحكي يصبح فعل مقاومة ناعم، لا يرفع الشعارات، بل يكشفها من الداخل. ومن خلال سردها، نكتشف بل نكشف مجتمعًا كاملًا: علاقات السلطة، الخوف من الآخر، الثأر، القمع الاجتماعيّ، وتناقضات القيم.

بين الحكاية والمشهد

لا تقدّم “القرنة البيضا” رواية موثّقة للأحداث بل هي تشتبك مع فكرة التاريخ. ذاكرة متكسّرة، متناقضة، ومشحونة بالعواطف. وهنا تحديدًا تكمن حقيقتها وصدقيّتها.

العرض يراهن (كما كلّ عروض جابر) على أنّ ما لم يُكتب في السجلّات، كُتب في أجساد الناس في أصواتهم، لهجاتهم، غنائهم، إيقاعاتهم، أهازيجهم وفي إرثهم الممتدّ والمستمرّ جيلًا بعد جيل، ممّا يعيد الاعتبار للذاكرة الشعبيّة بوصفها مصدرًا معرفيًّا لا يقلّ بل ربّما يزيد أهمّيّة عن الوثيقة.

أمّا بالحديث عن الدويهيّ فقد أبدعت في تجسيد شخصيّات العمل وجمعهم في شخصها بحضور احتضن شموليّتها الفنّيّة وهي المغنية والممثّلة والمؤلّفة والمخرجة والباحثة الأكّاديميّة والأستاذة الجامعيّة وابنة الروائيّ جبّور الدويهيّ وزوجة الشاعر فوزي يمّين. فأداؤها لا يعتمد على الإبهار، بل على الاقتصاد الحركيّ والدقّة التعبيريّة. الجسد هنا يتحوّل إلى مساحة تحوّل، والصوت إلى وسيلة تنقّل بين الشخصيّات والأزمنة. هذا الأداء يتطلّب بل يفرض على المتفرّج مشاركة فعّالة من خلال الإنصات، التخيّل، وملء الفراغات. المسرحيّة لا تُعطي كلّ شيء، بل تدعوك للإنخراط فيها والمساهمة معها في حفظ ذاكرتها الشفويّة.

“القرنة البيضا” تقف في المنطقة الرماديّة بين الحكاية والمشهد، بين الاعتراف والأداء، بين الذاكرة والفعل المسرحيّ. هي مسرحيّة لا تسعى إلى الصدمة ولا إلى الإقناع المباشر، بل إلى الإنصات الطويل، عمل يثق بذكاء جمهوره، وبقوّة اللغة، وبقدرة الجسد الواحد على حمل مجتمع كامل. إنّها تقول، بهدوء قاسٍ، إنّ الذاكرة التي لا تُروى تموت، وإنّ المسرح لا يزال قادرًا على أن يكون جسدًا تتقمّصه الذاكرة لتحيا ويحيا.

…………

*الزغردنيّة: جمع كلمتيّ الزغرتاويّة – الإهدنيّة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى