بائع الكاز فوق طنبره سانتا كلوز الفقراء

كنّا ننتظر بائع الكاز كما ينتظر الأطفال عربة سانتا كلوز البيضاء، بلهفةٍ دافئة تُشعل الشوارع الرماديّة. غير أنّ عربة بائع الكاز لم تجرّها غزلان الشمال، بل حصانٌ هزيل يسحب وراءه خزّانًا معدنيًّا مستديرًا يلمع كقمرٍ من صفيح. كان الحصان يخطو بتثاقل متعب، ربّما بسبب نداءات البائع، ومشاغبات الصبية ممّن يشدّونه من ذيله.

يهرع الزبائن إليه بغالوناتهم (وحدة قياس للسوائل) وأوعيتهم وقواريرهم، يأتون بها من زوايا الأزقّة ومن خلف الأبواب الخشبيّة، يقدّمونها كما تُقدَّم القرابين الصغيرة إلى مخلّصٍ يعرف معنى البرد والفقر والانتظار. حول خصر الرجل حزامٌ جلديٌّ أسود يتدلّى منه مفتاحٌ عريض وإلى جانبه بوقٌ نحاسيٌّ يطلق فحيحه (زمّوره) فيرتجّ الحيّ بنداءٍ يشبه صلاةَ الخبز والنار: “كاز… كاز…”

كان يظهر من بعيد على حصانه المزيَّن بقطعٍ جلديّة تغطّي عينيه، كأنّها أقنعةُ ملوكٍ في موكبٍ قديم، يمرّ بين البيوت فيفيق الحجر، وتتنبّه النوافذ، ويخرج الأطفال حفاةً ليعاينوا تفاصيل الحصان، بل شكل العربة ككلّ، وأقصى أحلامهم اعتلاء ذلك المقعد الصغير، حيث عرش بائع الكاز.

بائع الكاز… نغمة المدينة القديمة

صوت البائع مع الضغط على البوق المعدنيّ كان جرس تنبيهٍ للشوارع. على امتداد بيروت وطرابلس وصيدا والنبطية، يُسمع نداؤه المميّز، فتتشرّع الشبابيك، وتستعد ربّات البيوت بالأوعية الفارغة والغالونات. في بيروت الخمسينيّات، كان النقيب الذي يرعى هذه المهنة يدعى حسن أبو غنّام، يشرف على توزيع المناطق بين الباعة. لكلّ حيّ “طنبره”  أو “طنبوره”، ولكل بائع جمهوره المُخلص.

كان المشهد ثابتًا في ذاكرة المدن: عربة خشبيّة بأربعة دواليب، يجرّها “نغل” أو “بغل”، عليها صهريج حديدي بلونٍ أخضر مائل إلى الصفرة. في أسفل الصهريج حنفيّة نحاسيّة صغيرة تفتحها يد البائع بثقة. حين يتهيّأ الزبون، يصرخ البائع “هيييش” فتتوقّف الدابّة فورًا، وعندما يفرغ من تعبئة الغالون يصرخ “حاااا” فتنطلق العربة من جديد، والحوافر تضرب كفّ الأرض وكأنّها آلة موسيقيّة تدوزن الإيقاع.

في السبعينيّات، كان “أبو خليل” متخصّصًا بساقية الجنزير، و”أبو عبدالله” في شارع “كنيعو” في عائشة بكّار، و”آل دعوة” في تلّة الخياط. لكلّ حيّ اسمه وصوته. من بعيد كان يُسمع النداء البيروتيّ الودود: “كيز… كيز…” أو “وصّل بيّاع الكاز!”، فيتحلّق الناس حول الطنبر، كُلٌ ينتظر دوره، بعد أن يترجّل البائع، حاملًا مصبًّا معدنيًّا ينظّم نزول الكاز من الحنفيّة إلى الغالون من دون تتسرّب نقطة واحدة.

بائع كاز في أحد شوارع بيروت
كاز خانات الدورة

كان بائع الكاز يستأجر العربة من اسطبلات “أرض جلّول” في الطريق الجديدة لقاء بدل أسبوعيّ. يحتاج الحصان إلى مربط وعلف وماء وعناية. في الفجر يتوجّه البائع إلى “كاز خانات الدورة” ليملأ صهريج العربة، ثمّ ينطلق في جولته المُعتادة عبر الأحياء. لم يكن عملًا سهلًا، بل مزيج من الجهد والكرامة، فكلّ ليترٍ من الكاز كان يحمل وهج بيتٍ جديد.

ومع تطور الزمن، ظهر الجيل الثاني من “الطنابر”: العجلات المطّاطيّة بدل الحديد، والخزّانات المستديرة اللامعة بدل تلك الخشنة القديمة. تطوّر الشكل، لكنّ الروح بقيت كما هي.

سائل النار والذاكرة

قبل أن تدخل الكهرباء إلى البيوت، كان قنديل الكاز بطل الليل. مخلوق زجاجيّ يحتضن النار برقّة الأبّ الذي يخاف على أطفاله من البرد، وكان أشهره القنديل “نمرة 9″، في جوفه كاز صافٍ، وفي فوّهته فتيل قطنيّ يتغذّى بشحيح الكاز واللهب. كان الضوء يخرج أصفر شاحبًا ومتعبًا، كأنّه يتنفس من صدرٍ ضيّق. رائحةٌ تلتصق بالذاكرة كما يلتصق الضوء بالزجاج. كلّ بيت لبنانيّ عرفه، فوق الرّف أو في زاوية الغرفة، يرافق الأهل في لعب البرجيس، أو الباصرة.

بطل الملجأ

في زمن القصف، منتصف السبعينيّات، تكرّس القنديل بطلًا. كان يضيء الملاجئ كقلبٍ نابض بين الدخان والخوف. ضؤه الأصفر ترتجف ظلاله على الجدران، والأطفال يتقافزون حوله، بينما الأمّهات يروين الحكايات القديمة. بعض الرجال أصلحوا الروادي (جمع راديو) على نوره، وبعضهم كتب رسائل حبّ بخطّ يد متأنّية تحت ظلّه المرتجف.

بابور “البريموس”

الكاز كان حياةً كاملة في زجاجة. يوقد القناديل، ويغلي العدس على “بابور الكاز” في الصباح، ويدفئ الغرف عبر مدافئ الحديد (الصوبا) في جبال لبنان وأريافه العالية. كان يُستخدم في تنظيف الزجاج والجلد، وتليين المفاصل الصدئة للأبواب، بل وفي بعض البيوت كان علاجًا تقليديًّا لفروة الرأس من “القمل”! مادةٌ تجمع بين الضوء والعلاج والعمل والدفء، رمزٌ لقدرة اللبنانيّ على تحويل أبسط الأشياء إلى طاقة للحياة.

كان “بابور الكاز” الذي يُعرف باسم “البريموس” نسبةً إلى البلدة السويديّة التي صنعته أوّلًا، مركز المطبخ اليوميّ. صوته المتواصل أثناء الطهو كان موسيقى البيوت الفقيرة، يُغني عن صمت الكهرباء الغائبة أصلًا.

 المهنة لم تنقرض

 يظنّ البعض أنّ زمنَ طنبر الكاز تسرّب من شقوق الذاكرة، وأنّ الحصان لم يعد سوى طيفٍ من حكايات الجدّات، غير أنّ المدينة ما زالت تسمع في الصباح الباكر خشخشةَ الحوافر على الإسفلت. في بيروت كما في طرابلس وصيدا، ما زال بعض الباعة يجوبون الأزقّة، يحملون دفءَ الماضي في عرباتهم المتهالكة، كأنّهم أطيافٌ من زمنٍ يرفض أن يُدفن.

الكاز لم يختفِ، بل تراجع إلى زوايا الحاجة، يعيش في بيوت لم تغزها الحداثةُ تمامًا، وفي الأحياء التي تتنفّس ببطءٍ من أنابيبها الصدئة. البائع يمرّ صامتًا، وجهه مطليٌّ بملح التعب، وعيناه تنظران أمامه بجمودٍ يشبه انتظار الحكم الأخير. الصهريج الحديديّ يهتزّ خلف الحصان كقلبٍ معدنيٍّ لا يعرف النوم، والناس يخرجون حاملين غالوناتهم الفارغة كما لو يحملون نتفًا من أرواحهم القديمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى