بين ارتفاع الأسعار في رمضان وزيادة الضرائب.. يرزح فقراء لبنان

“لم نكن ننتظر قرارات الحكومة كي تفرض ضرائب جديدة حتّى نتأكّد أنّ المواطن الفقير لا يسأل عنه أحد، هذا واقع يوميّ نعيشه من المدرسة إلى المستشفى وصولًا إلى الدكّان”. بهذه الكلمات يختصر المياوم البقاعيّ أبو علي “أحد فقراء لبنان كما يعرّف عن نفسه” شعوره إثر صدور قرار مجلس الوزراء المتضمّن رفع سعر صفيحة البنزين 300 ألف ليرة، والـ TVA واحد في المئة بالتزامن مع بدء شهر رمضان.
القرار وفق ما أعلنت الحكومة جاء في سياق بحث الدولة عن موارد إضافيّة لتمويل زيادة رواتب موظّفي القطاع العام، في ظلّ العجز المزمن الذي تشهده الخزينة، وتآكل الإيرادات منذ العام 2019. غير أنّ السؤال الذي يُطرَح في الأرياف والمناطق البعيدة من المركز: هل تستطيع الفئات محدودة الدخل تحمّل كلفة هذا المسار؟
التاجر يسابق الدولة
في ظلّ غياب أجهزة الرقابة والمحاسبة، لا تسري القرارات عند نشرها في الجريدة الرسميّة أو إقرارها في المجلس النيابيّ، بل لحظة الهمس بفرض ضريبة، وهذا أصبح قاعدة شبه ثابتة، لتنفلت موجة الغلاء وتجنّ الأسعار. الضمير هنا تفصيل وعدم استغلال الناس ترفًا لا مكان له في عالم السوق والمال.
أوّل الغيث في موجة الأسعار كان تعرفة النقل، التي لم تنتظر إعلان وزير الإعلام مقرّرات الحكومة كي ترتفع، فارتفعت وارتفعت معها أسعار المواد الغذائيّة والاستهلاكيّة لتكرّ السبحة، وهذا ما بدا واضحًا في أثناء التجوّل على بعض التعاونيّات و”السوبّرماركات” في البقاع الشماليّ، إذ سبق الغلاء القرارات نفسها، وذلك بالتزامن مع حلول شهر رمضان.
كالعادة وعند حلول شهر رمضان من كلّ عام تُحلّق أسعار الخضار، وهذا أصبح مألوفًا، فإضمامة (ضمّة) النعناع أو الصعتر أو البصل الأخضر، قفزت من25 ألف ليرة إلى 70 ألف ليرة، وكيلوغرام لحم البقر ارتفع 150 ألف ليرة والغنم 250 ألفًا، فيما صعد سعر كيلوغرام الفروج من2,35 إلى 2,65 دولارًا.
ارتفعت ضمّة النعناع أو الصعتر أو البصل الأخضر، من25 ألف ليرة إلى 70 ألف ليرة، وكيلوغرام لحم البقر ارتفع 150 ألف ليرة والغنم 250 ألفًا، فيما صعد سعر كيلوغرام الفروج من2,35 إلى 2,65 دولارًا.
إحدى المواطنات اختصرت المشهد بمرارة صرخة ألم قائلة لـ “مناطق نت”: “أنا لا أفهم في السياسة ولا في الاقتصاد، جُلّ ما أعرفه أنّني دخلت إلى التعاونيّة ومعي 200 دولار وخرجت من دونها، كنت أقدّر أنّها ستكفيني أوّل عشرة أيّام من رمضان”. لتختم بعبارة “الشكوى لغير الله مذلّة، كلّ شي في هذا البلد باهظ الثمن إلّا الإنسان وحد الرخيص”.
الفقراء ليسوا بمنأى
قال رئيس الحكومة نوّاف سلام في تصريحات إعلاميّة إنّ رفع سعر البنزين لا يطال الفئات الفقيرة مباشرة، بخلاف مادّة المازوت التي ترتبط بصلب حياتهم اليوميّة كالتدفئة والكهرباء. بيد أنّ هذا الطرح لا يلقى إجماعًا اقتصاديًّا.
من جهتها قالت الصحافيّة الاقتصاديّة عزّة الحجّ حسن إنّ “البنزين مادّة أساسيّة تدخل في صلب الاقتصاد اللبنانيّ وليست سلعة كماليّة”. ورأت في حديث لـ “مناطق نت” أنّ أيّ “ارتفاع في أسعار المحروقات ينعكس ارتفاعًا تلقائيًّا في كلفة النقل والتوزيع، وبالتالي في أسعار السلع الاستهلاكيّة والغذائيّة”.
وتشير الأرقام بحسب الحجّ حسن إلى أنّ “ارتفاع الأسعار في المحروقات بنسبة 10 في المئة، يؤدّي عادةً إلى زيادة تراوح بين اثنين وثلاثة في المئة على أسعار المواد الغذائيّة والاستهلاكيّة. وإذا ما طبّقنا تلك القاعدة على الزيادة الأخيرة التي بلغت300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، وهي نسبة 21 في المئة، فإنّ الانعكاس على أسعار الغذاء والاستهلاك قد يصل إلى نحو ستة في المئة.
في المقابل تؤكّد الحجّ حسن أنّ “الزيادة لن تتوقّف عند حدود الـ 300 ألف ليرة كرسم جمركيّ لصالح الخزينة العامّة، بل ستتعدّاه في الأيّام المقبلة بناء على وعد قطعه وزير الطاقة لأصحاب محطّات الوقود كونهم غير مستفيدين من الزيادة الحاليّة التي تذهب إلى الماليّة العامّة”.
ضريبة الـ TVA العمياء
تزامن إقرار الضريبة على البنزين مع زيادة واحد في المئة على ضريبة القيمة المضافة (TVA) ورفعها من 11 إلى 12 في المئة، وقد باشر التجّار بتطبيقها فورًا، دون انتظار إقرارها رسميًّا في المجلس النيابيّ ونشرها في الجريدة الرسميّة.
اقتصاديًّا تُصنَّف هذه الضريبة غير مباشرة أو ما يُعرف بـ “الضريبة العمياء” كونها لا تميّز بين غنيّ أو فقير. يدفعها العامل باليوميّة مثلما يدفعها صاحب الشركة، لكنّ أثرها النسبيّ على الأول أكبر بكثير من الثاني.
فالعامل الذي يتقاضى دخلًا محدودًا يخصّص نسبة أعلى من دخله للاستهلاك الأساسيّ، ما يعني أنّه يتحمّل عبئًا ضريبيًّا فعليًّا أعلى من ذوي الدخل المرتفع. بالتالي فإنّ المواطن الفقير هو المتضرّر الأكبر، بينما الشركات وكبار التجار يمتصوّن الجزء الأكبر منها ضمن هامش الربح.
اقتصاديًّا تُصنَّف هذه الضريبة غير مباشرة أو ما يُعرف بـ “الضريبة العمياء” كونها لا تميّز بين غنيّ أو فقير. يدفعها العامل باليوميّة مثلما يدفعها صاحب الشركة، لكنّ أثرها النسبيّ على الأول أكبر بكثير من الثاني.
الحاجة إلى الإيرادات
تُبرّر الدولة هذه الإجراءات بالحاجة إلى تمويل الخزينة، لا سيّما رواتب موظّفي القطاع العامّ، في ظلّ عجز مزمن وتراجع الإيرادات منذ الأزمة الماليّة. لكن في الشارع تُطرح أسئلة تتجاوز الأرقام: هل تُوزَّع كلفة الانهيار بعدالة؟ هل فُرضت الضرائب وفق رؤية اقتصاديّة متكاملة؟ هل استعادت الدولة الأموال المنهوبة؟ هل فُعّلت الجباية في المطار والمرفأ والمعابر البريّة؟
في المناطق الشعبيّة والقرى البعيدة من العاصمة تبدو الصورة أكثر بؤسًا. سائق ڤان أجرة بدخل محدود يسخر من قرار الحكومة وردّة الفعل عليها، قائلًا: “جميعنا فاسدون، الشعب قبل الدولة. الجميع يتظاهر طلبًا للزيادة، وعندما نرفع تعرفة النقل يجنّ جنونهم ويتّهموننا بالسرقة”. يضيف “إنّ أحلام اللبنانيّين تقزّمت وتقلّصت إلى الحاجات الأساسيّة و”من يقدر على توفيرها فهو عنتر زمانه، إذا جنَّبه الله المرض وذلّ المشافي”.
المعادلة تبدو مختلّة بين دولة تبحث عن إيرادات، ومواطن لم يعد يملك هامشًا إضافيًّا للدفع.
أزمة ثقة عميقة
المشكلة اللبنانية ليست في مبدأ الضريبة بحدّ ذاته، فالضرائب ركيزة أساسيّة في أيّ دولة حديثة. لكن حين تغيب العدالة الضريبيّة التصاعديّة، وتُفرض الرسوم في ظلّ غياب نقل عام، وانعدام شبكات أمان اجتماعيّ شاملة، ومشافي حكوميّة وجامعة وطنيّة، تتحوّل الضريبة من أداة تنظيم ماليّ إلى عنصر ضغط اجتماعيّ خانق.
بين ضريبة البنزين والـ TVA يقف الفقير اللبنانيّ مرغمًا أمام خيارٍ واحد، هو التكيّف القسريّ. شدّ الأحزمة، تقليل الاستهلاك والاستغناء عن بعض الحاجات أو اللجوء إلى الاستدانة.
وإلى أن يسلك لبنان درب الدول السليمة، وتُرسم معالم سياسات اقتصاديّة رشيدة، وخطط تعافٍ علميّة واضحة، يبقى فقراء لبنان في المسافة الفاصلة بين قرار الدولة وسعر السوق، يدفعون الكلفة مرّتين، مرّة في الفاتورة ومرّة في قدرتهم المتآكلة على الاحتمال.



