بين زمّور الفان والنقل الرقميّ هل تبتلع التكنولوجيا حكايات الطرق؟

في شوارعنا، ليست وسائل النقل مجرّد حافلات تسير بين بيروت والبقاع والجنوب والشمال والجبل وغيرها أو العكس، إنّها مساحة للحكايات والانتظار، المواقف والعلاقات العابرة. اليوم، نقف ومع تسيير الدولة باصات النقل المشترك، على أعتاب تحوّل رقميّ يعدنا بالنظام والأمان. لكن، ومع بريق هذه الوعود الرقميّة، يبرز تساؤل سوسيولوجيّ: لماذا لا يزال البعض متمسّكًا بوسائل النقل التقليديّة الخاصّة من ڤانات وحافلات؟
قبل مدّة أعلنت وزارة الأشغال العامّة والنقل أنّه، وللمرّة الأولى في لبنان، أصبحت خدمة “Google Transit” متاحة عبر خرائط غوغل، ما يشكّل خطوة نوعيّة نحو تنظيم التنقّل اليوميّ وتسهيل استخدام المواصلات العامّة. والخدمة تتيح للمستخدمين تخطيط رحلاتهم عبر وسائل النقل المشترك، الاطّلاع على الخطوط والمسارات، ومعرفة أوقات الوصول والانطلاق التقديريّة، والحصول على إرشادات دقيقة خطوة بخطوة، بعد أن كان المواطن في لبنان ولسنوات عدّة متروك للفوضى والصدفة والانتظار غير المنتظم كي يستقلّ أيّ وسيلة نقل عام تتنقّل سواء في شوارع بيروت أو بين المناطق اللبنانيّة.
من مغامرة الڤان إلى النقل الرقميّ
تخيّل أنّك تغادر منزلك ويقينك يسبقك بأنّ الحافلة ستصل عند الثامنة صباحًا بالتمام، لتبلغ وجهتك في العمل أو الجامعة عند الثامنة والنصف دون دقيقة تأخير واحدة. هذا المشهد، الذي يبدو اليوم جوهر الوعود التي يقطعها النقل المشترك الرقميّ، كان لسنوات طويلة “عشم إبليس في الجنّة” بالنسبة إلى كلّ لبنانيّ. فما زلت أذكر جيّدًا معاناتي الشخصيّة كطالبة في كلّيّة الإعلام بالجامعة اللبنانيّة (فرع الأونيسكو)، تلك الدوّامة اليوميّة من الركض خلف ڤانين متعاقبين كلّما رفضت سيّارات الأجرة توصيلي، لننتهي غالبًا بالاعتذار عن التأخّر في المحاضرة الأولى.
هذه الوعود في حال تحقّقت ستؤدّي إلى تحوّل في رحلاتنا اليوميّة، من مغامرة مجهولة بمزاج سائق مجهول، قد تجبر على خوض كثير من النقاشات معه منذ الصباح الباكر، إلى خطّة دقيقة ومنظّمة. فالالتزام بمواعيد الوصول يعطي الراكب شعوره بالاحترام، وأنّه ليس مجرّد رقم ينتظر عند الرصيف.

الحافلات أقلّ ازدحامًا
يمنح هذا التنظيم اليوم الركّاب أحد أثمن الموارد، هو الوقت، لكن إلى حدٍّ ما. إذ إنّ هذه الوعود تصطدم مع مشاكل الإنترنت لتحديث المسارات لحظيًّا، ومفاجآت السير التي لا تخلو منها الشوارع والطرقات اللبنانيّة، كلّها عوامل ربّما تساهم في تأخير الباصات عن الوصول في التوقيت المعلن عنه في التطبيق.
في الوقت نفسه، وبالنسبة إلى لنساء بخاصة، يمثّل النقل الرقميّ، المراقب والرسميّ والتابع للدولة، مساحة أمان تجاه التحرّش أو القلق والتصرّفات غير اللائقة التي ربّما يتعرّضن لها.
تصف سارة إسماعيل، وهي طالبة جامعيّة، تجربتها مع حافلات النقل المشترك بالإيجابيّة، معتبرةً في حديث لـ “مناطق نت”، أنّها “أكثر راحة وتنظيمًا” مقارنةً بوسائل النقل الأخرى. وتشير إلى أنّ “الحافلات” أقلّ ازدحامًا، والركّاب يجلسون براحة من دون تلاصق، وأنّ مستوى النظافة فيها أفضل”.
وتلفت إسماعيل إلى أنّ هذا النظام “يخفّف من الإرباك أثناء الطريق ويجعل الرحلة أكثر سلاسة”. فمن حيث الوقت، توضح إسماعيل، أنّ “هذا الباص لا يتوقّف كثيرًا كما تفعل الڤانات العاديّة، التي غالبًا ما تتسبّب في التأخير”.
7000 راكب يوميًّا و100 حافلة
في حديثٍ لـ “مناطق نت”، أوضح المدير العام لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك زياد شيّا أنّ “شبكة النقل تشغّل حاليًّا 11 خطًّا رئيسًا، تربط بين بيروت وعدد من المناطق اللبنانيّة”، موضحًا أنّ “هذه الخطوط تمتدّ بين بيروت وطرابلس، وبيروت وصور، وبيروت وشتورة، وبيروت والجامعة اللبنانيّة – الحدث، وبيروت وبعبدا، وبيروت وأنطلياس، إضافة إلى خمسة خطوط داخل العاصمة بيروت”. وأكّد أنّ “جميع هذه الخطوط مُدرجة ومرقّمة على التطبيق الإلكترونيّ الخاصّ بالمصلحة (ACTC PT)”.
وفي ما يتعلّق بمسألة الإقبال على الباصات، أوضح شيّا أنّ “تفاوت عدد الركّاب يعود إلى طبيعة الخطوط والمواسم، مؤكدًا أنّ “المشكلة ليست في غياب الإقبال، بل إنّ بعض الخطوط تشهد عددًا أقلّ من الركاب في فترات محدّدة”. وأضاف: “كنّا سابقًا ننقل ما بين 1000 و1500 راكب، أمّا اليوم فقد ارتفع العدد ليصل إلى ما بين 6000 و7000 راكب يوميًّا، مع مؤشّرات إلى مزيد من الارتفاع”.
وأضاف شيّا “أنّ العمل جارٍ على تعزيز شبكة النقل وتوسيعها”، مشيرًا إلى أنّ “30 حافلة جديدة وصلت بالفعل، إضافة إلى أربع حافلات مقدّمة من برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ (UNDP)، ستُخصّص للعمل على خطّ بيروت – جبيل، ما من شأنه تعزيز الخدمة وتوسيع نطاقها”. كذلك كشف عن تقدّم المباحثات مع الجانب الصينيّ، قائلًا: “نحن في المراحل الأخيرة من اتّفاق مع الصين لتأمين نحو مئة حافلة جديدة”.
وعن أثر رقمنة قطاع النقل المشترك، يرى شيّا أنّ “هذه الخطوة أسهمت في تسهيل الخدمة على المواطنين، موضحًا أنّ “عدد مستخدمي التطبيق تجاوز 100 ألف مشترك، فيما يتيح إدراج الخطوط على ‘غوغل مابس‘ وصول الخدمة إلى شريحة أوسع من الناس”. وأضاف: “الرقمنة جعلت استخدام النقل المشترك أسهل وأوضح، سواء لنا كجهة مشغّلة أو للمواطنين”.
من هم المنسيون بهذا التحوّل؟
بقدر ما يبدو التحوّل الرقميّ للقطاع مهمًّا، إلّا أنّه يحمل في طيّاته فجوة حقيقيّة، فماذا عمّن لا يملك هاتفًا ذكيًّا؟ أو العامل الذي يجد صعوبة في التعامل مع واجهات التطبيقات المعقّدة؟ هناك فئات مهمّشة ربّما تجد نفسها خارج قطار التطوّر. والتحدّي الحقيقيّ هنا في جعل الخدمة متاحة للجميع، حتّى لا يتحوّل النقل المنظّم إلى خدمة حصريّة بفئة محدّدة.
وفي ما يخصّ كبار السنّ والفئات التي تواجه صعوبة في استخدام الوسائل الرقميّة، أكّد شيّا أنّ المصلحة تأخذ هذا التحدّي في الحسبان، قائلًا: “نعمل على خطّة لتوفير معلومات الخطوط ومواعيد الانطلاق عبر وسائل غير رقميّة، مثل اللوحات والمنشورات، لتسهيل معرفة ووصول كبار السنّ إلى الخدمة”. غير أنّه أشار إلى وجود صعوبات على هذا الصعيد، “إنّ ضعف التعاون مع بعض البلديّات يعرقل أحيانًا تثبيت هذه المعلومات على الأرض، على أمل أن يتحقّق تعاون أكبر في المرحلة المقبلة”.
وبينما تتركّز الجهود في قلب العاصمة، تبقى الأطراف المنسيّة رهينة الفجوة أيضًا، فكلّ الخطوط الحاليّة متّصلة ببيروت، على أمل أن تغطي الخطوط الجديدة تلك المساحات المهملة وتمنح سكّانها حقّهم في التنقّل والوصول.
ماذا عمّن لا يملك هاتفًا ذكيًّا؟ أو العامل الذي يجد صعوبة في التعامل مع واجهات التطبيقات المعقّدة؟ هناك فئات مهمّشة ربّما تجد نفسها خارج قطار التطوّر.
سيكولوجيّة العلاقة مع السائق
بعيدًا من لغة الأرقام والخرائط، ثمّة جانب لا تقيسه التطبيقات الذكيّة، ألا وهو سيكولوجيّة العلاقة مع السائق. تبدأ الحكاية من زاوية الشارع، حيث يقف العشرات بانتظار الڤان الذي بات يعرف أين يقفون ويعرف طباعهم وسلوكهم، وأكثر من ذلك أحيانًا. هنا ستجد مرونة فوضويّة تريح البعض، يمكنك استيقاف السائق في أيّ مكان، الدخول في حوار لتفريغ الهموم أو لنقاش سياسيّ سريع مع الركّاب أو السائق، الذي غالبًا ما يلعب دور المحلّل السياسيّ العالم بخفايا الأزمات.
العشوائيّة هنا ليست مجرّد خلل، بل هي نظام موازٍ بُني مع السنين ليتناسب مع إيقاع حياتنا غير المنضبط، تجعل من رحلة طويلة تجربة اجتماعيّة حيّة. في الڤان، السائق شخص تعرف ملامحه، ربّما يقرضك أجرة الطريق إن نسيت محفظتك، أو ينتظرك لثوانٍ إذا رآك تركض خلفه.
يقول نادر ف. (32 عامًا)، الذي يُصرّ على ارتياد الڤان العاديّ، أنّ “سائق الڤان ليس مجرّد موظّف، هو شخص أواظب على الصعود معه منذ سبع سنوات، أحيانًا بشكل يوميّ وأحيانًا يومًا بعد يوم. يتابع نادر لـ “مناطق نت”: “السائق يعرف أوجاع الركّاب. يعرفني من عيوني إذا كنت مرهقًا من العمل، يسألني: شو يا نادر، اليوم مبين مش مرتاح؟”.
يضيف نادر “هناك أمان اجتماعيّ في الڤان مفقود في الباصات. حتّى السائق هنا يعرف الزواريب (الأزقّة) أوقات الزحمة. في الڤان، السائق يعرف أنّي أحبّ الجلوس قرب النافذة، وأنّي لا أحبّ التكلّم صباحًا، وأنّني أدفع البدل في أثناء النزول من الڤان”.
يختم نادر بعبارة تختصر سيكولوجيّة البقاء في الفوضى المألوفة: “هي العلاقة الشخصيّة مع السائق تعطيني شعورًا بالانتماء إلى مدينة، على رغم كلّ الفوضى التي تعيشها، ما زالت تحكي بعضها مع بعض”.
الانتقال نحو النقل الرقميّ في لبنان ليس مجرّد استبدال نظام بنظام، بل هو محاولة لصياغة عقد اجتماعيّ جديد بين المواطن والطريق. وإذا كانت التكنولوجيا قد تنجح في توفير الوقت ومنح النساء مساحات آمنة ومنظّمة، يظلّ التحدّي في كيفيّة ردم الفجوة مع الفئات المهمّشة والأطراف المنسيّة التي لا تصلها إشارات التطوّر بعد. لذا يبدو أنّ اللبنانيّ سيبقى بين عالمين: عالم رقميّ منظّم إلى حدٍّ ما، وعالم على رغم عشوائيّته، يمنحه شعورًا بأنّه منتمٍ إلى مدينة لا تزال، على الرغم من كلّ انكساراتها، “بتحكي مع بعضها”.



