بين طرابلس ووطى المصيطبة حلم تحقّق ماذا عن الـ “عبّوطة”

لم أعش طفولةً عاديّة، لم أشبه الأطفال الذين كانوا يتعاركون على ألعاب القتال، أو يطاردون الكرة إلى أن يحلّ الغروب. كنت أميل إلى تركيب الپّازل، وإلى الجلوس صامتًا أمام شاشة “الجزيرة للأطفال”، أتابع برنامج “الدرب” بشغفٍ يشبه الاكتشاف.

كلّ شيءٍ تغيّر فجأة. في أوّل يومٍ من العطلة الصيفيّة، استيقظت ليس على صوت أمّي، بل على فكرة العمل. كنت في السابعة من عمري، “شبّ ولازم يشتغل بكّير ليتحمّل مسؤوليّة ويتخشّن، حاج ناعم من كتر القعدة بالبيت!”.

مشيت وحدي مسافةً طويلة وموحشة نحو بؤرة رمل، في يدي سندويشة مغلّفة، وفي جيبي 500 ليرة مخصّصة لكيس شيبس في طريق العودة. جسدي كان هناك، تحت الشمس، لكن قلبي وذهني بقيا في المنزل، عند قطعة بّازل ناقصة، وحلقةٍ فاتتني من الدرب، أسأل عنها أصدقائي في اليوم التالي.

كابوس الصيف بعيدًا من أمّي

كان الصيف عيدًا للأطفال، أمّا بالنسبة إليّ فكان كابوسًا، عشر ساعات يوميًّا أعبّئ الرمل في أكياس، وأغربل الحجارة منها، بينما أكره انتهاء المدرسة لأنّها كانت ملاذي الوحيد.

هناك في الشارع شاهدت ما لا يجب على طفل في عمري أن يشاهده، وقابلت من لا يجب على طفل في عمري أن يقابلهم. هناك اصطدمت بالحياة للمرّة الأولى، هناك ضُربت من مجموعة صبية في الشارع، فركضت نحو صاحب “البؤرة” لأشكو له فضربني لأنّني شكوت له ولم أدافع عن نفسي، كانت تلك المرّة الأولى التي بحثت فيها عن أمّي ولم أجدها.

كنتُ فرحةَ أمّي وأبي الأولى، وكانا حزني الأوّل أيضًا. وُلدت في بيتٍ فقير؛ أمّ تحبّ زوجها كثيرًا، وأبٌ فقير لا مهنة ثابتة في يده.

أذكر أن أمّي كانت تطعمني لبنًا وسكّرًا كي أبقى شبعانًا حتّى الليل. لم يكن أهلي يفقهون السياسة ولا يرون في العلم خلاصًا. كانوا يعتقدون أنّ حبّ الطفل يُقاس بامتلاء معدته، وربّما كان عليّ يومها أن أطلب “عبّوطة”، بدل أن أقول “إنّني لا أحبّ اللبن والسكّر”.

أحلام إعلاميّة مبكرة

منذ العاشرة، بدأت أُصاب بدهشةٍ غامرة أمام شاشة التلفزيون. كنت أرى المراسلين فأشعر أنّني أنتمي إلى هناك، أتابع داليا أحمد، وسمر أبو خليل، فأطرب كما يطرب من يسمع موسيقى. لم أكن أفهم السياسة، لكنّني فهمت أنّ في ذلك المكان شيئًا يُشبهني.

مرّةً، وأنا أشاهد “ستاند أبّ” لمالك الشريف من ميدان التحرير في القاهرة، صارحت والدي بحلمي: “أريد أن أكون مراسلًا”. ضحك طويلًا وقال: “مش إلنا”.

في مصنع الحديد، كنت أمسك قضبان الحديد وأتخيّلها مذياعًا. أختبئ في الحمّام لأبكي. هذا المكان ليس مكاني. ما أقسى أن يُجبر الإنسان على البقاء حيث لا ينتمي

في ألعابي مع الأصدقاء، سمّيت نفسي مالك. كنّا نلعب لعبة المراسل والمذيعة. أقول لابنة خالتي “نعم سمر”، فتجيبني: “نعم مالك”، ونطيل رسالةً وهميّة عن اليوم الدراسي.

بعد ولادة شقيقي الأصغر، تدهورت صحّة أمّي. كنت الابن الأكبر بين صبيّين، وأمّي لم تنجب بناتًا. يومها علّمتني طهو الحليب.

في ذاك البيت الفقير، كانت تطعم شقيقي حليبًا مطبوخًا بالنشاء ليشبع أكثر: سبع ملاعق حليب، أربع نشاء، ثلاث سكر، وتحريك لساعةٍ كاملة كي لا “يفرط الحليب”.

هناك فهمت أنّ مسؤوليّاتي اتّسعت، وأنّ وقت اللعب انتهى. ودّعت ألعاب الفيديو والكرة والبّازل، وصرت أبًا لأخي وأنا في الثانية عشرة. وحده حلم الصحافة بقي حيًّا، يرافقني في تفاصيل أيّامي.

هنا تقطّعت أوصال حلمي

حين بلغت الخامسة عشرة، ساءت حالة أمي كثيرًا. قبل الامتحانات بشهر، قال لي والدي إنّ عليّ ترك الدراسة فورًا. مدخوله لا يكفي علاجها، وعليّ أن أكون إلى جانبه في رحلة العمليّات والعلاج الطويلة.

كيف أترك الدراسة؟ كيف أقطع أوصال حلمٍ نما معي منذ الطفولة؟ كيف أغيّر طريقي من التلفزيون إلى مصنع الحديد؟ وهذا ما حصل.

تركت المدرسة كطفلٍ يُنتزع من حضن أمّه. في مصنع الحديد، كنت أمسك قضبان الحديد وأتخيّلها مذياعًا. أختبئ في الحمّام لأبكي. هذا المكان ليس مكاني. ما أقسى أن يُجبر الإنسان على البقاء حيث لا ينتمي.

من المصنع إلى محطّة وقود بدوامٍ ليليّ، 12 ساعة عمل، ويوم عطلة واحد في الشهر. كان والدي قد اقترض مبلغًا كبيرًا لإجراء عمليّة جراحيّة لأمّي، فعملت مجّانًا لسداد الدين. أنهي دوامي، أستحمّ، أمسك فرشاة الشعر، وأقف أمام المرآة مقدّمًا نشرة أخبار عمّا جرى خلال الليل.

كلّ شيء كان يقول لي: لا. أهلي، أصدقائي، صاحب المحطّة، فقرنا، تعب والدي، مرض أمّي؛ كلّ شيء إلّا أنا. كنت أقول نعم. نعم وألف نعم لكل حلمٍ نبيل.

مرآة أضحت شاشة

في المحطّة، قدّمت شهادة “البروفيه” حرّة، ونلت إفادة خلال انتفاضة “17 تشرين”. بدأت أتدرّج في الدراسة، وأسجّل في دورات أونلاين عن التقديم التلفزيونيّ وكتابة الخبر، بالتوازي مع عملي.

هناك رأيت إعلانًا لمنصّة تطلب مراسلًا في طرابلس. من هناك إلى “النهار”، ومن ثمّ إلى “تلفزيون العراق”، ومنها إلى شاشة “الجديد”. إلى الوقوف أمام سمر وداليا، والزملاء والأساتذة ممّن كنت أخاطبهم يومًا من خلف المرآة.

أكتب اليوم لأقول إنّ الحلم خُلق كي نحقّقه، لا لنتفرّج عليه وهو يضيع. أكتب إلى الذين لم يجرؤوا بعد على قول “لا”.

إلى شباب هذا البلد إذ يدفن الفرص. إلى من يظنّون أنّ جرأتهم على الحلم أضعف من كسر “التابوهات”. أكتب وأنا أقف مراسلًا على الهواء، بكلّ فخر.

المذياع الذي كان فرشاة شعر، صار كاميرا. والمرآة صارت شاشة. أمّا اللبن والسكّر، فصار فنجان قهوة أرتشفه مع سمر أبو خليل، أسمع خلاله إطراءً على أدائي.

أودّ لو أخبرها أنّ ذلك كلّفني كثيرًا؛ طفولة بلا ألعاب، مراهقة صرت فيها أبًا، وحلمًا حاول الجميع قصّ جناحيه، لكن الجناحين أصرّا على الطيران.

واليوم، عند كلّ إطراء أسمعه من رئاسة التحرير، أرغب في جلب أبي من طرابلس إلى وطى المصيطبة كي يسمعه، لعلّها تتحوّل ضحكة “مش لألنا” إلى تصفيقة فخر تليها “عبّوطة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى