جرّ مياه الأوّلي إلى بيروت حلّ أم تكريس الفشل؟

يعود مشروع مدّ بيروت بالمياه إلى الواجهة من جديد، مع موافقة اللجان النيابيّة المشتركة على مشروع قانون يرمي إلى قبول قرض من البنك الدوليّ بقيمة 257 مليون و800 ألف دولار أميركيّ لتنفيذ المرحلة الثانية من مشروع جرّ مياه نهر الأوّلي إلى بيروت. المشروع الذي سينفّذه مجلس الإنماء والإعمار، ووحدة إدارة مشروع مياه بيروت وجبل لبنان تحت إشراف وزارة الطاقة والمياه، يُقدَّم رسميًّا كحلّ لأزمة العطش في العاصمة، لكنّه يثير اعتراضات علميّة وبيئيّة وحقوقيّة واسعة، تتقاطع عند أسئلة جوهريّة حول مصدر المياه، سلامتها، كلفة المشروع، وغياب البدائل الأقلّ كلفة والأكثر استدامة.
الآراء تباينت حول المشروع بين خبراء هيدروجيولوجيا باحثين في نوعيّة المياه، وناشطين بيئيّين، في مقابل حماسة سياسيّة لإتمام المشروع.
وفق التقرير الرسميّ
ووفقًا للتقرير الرسميّ الذي تمّ نشره بصيغة PDF ولم يتمّ طرحه للنقاش العام، يفترض أن يؤمّن مشروع جرّ مياه نهر الأوّلي نحو 250 ألف متر مياه مكعّب يوميًّا لبيروت الكبرى، في حين تقدّر الحاجة الفعليّة للعاصمة وضواحيها بـ 300 إلى 350 ألف متر مكعّب يوميًّا، ما يطرح منذ البداية أسئلة حول قدرة المشروع على تلبية الطلب كاملًا في ظلّ هدر تراوح نسبته من 40 إلى 50 في المئة في شبكة مياه بيروت، واستمرار الاعتماد على حلول إنشائيّة مكلفة، بدل معالجة الخلل البنيويّ في إدارة المياه، ما يعني أنّ المشروع يُقدّم كحلّ جزئيّ، ما يطرح تساؤلات حول تمويل الخسارة بدل معالجتها، ويفتح الباب أمام نقاش أوسع حول الخيارات المائيّة في لبنان.
لم يلحظ التقرير كذلك نسبة كمّيّات المياه وتطوّرها في نهر الأوّلي خلال أكثر من نصف قرن بينما تشير الدراسات المنشورة من قبل البنك الدوليّ، وضمن دراسة الأثر البيئيّ السابق لسدّ بسري، إلى تراجع ملحوظ في الكمّيّات التي تمرّ ضمن بسري- الأوّلي، كما لم يناقش إذا كان المشروع هو الخيار الأفضل، أو إذا كان قابلًا للتنفيذ، كما لم ينفِ التقرير المخاطر، وافترض وجود دولة قادرة على الرقابة المستمرّة، في بلد يعاني من انهيار مؤسّسي مزمن، كذلك فإنّ تقييم الأثر البيئيّ لا يجيب على سؤال “هل هذا أفضل حلّ؟” بل “كيف نخفّف أضرار هذا الحل؟”.

توضيح علمي
حول اللغط الذي رافق الحديث عن المشروع وعلاقته ببحيرة القرعون، يوضح الباحث في علوم المياه الدكتور كمال سليم قائلًا: “المشروع الفعليّ الذي يجري الحديث عنه هو القانون الذي تمّ التوافق عليه في مجلس النوّاب، وهو القرض من أجل جرّ مياه نهر الأوّلي وبركة جون، ونؤكّد أنّ مشروع القرعون لا علاقة له بهذا المشروع، الذي نعلم أنّه يمثّل المرحلة الثانية”.
يتابع الدكتور سليم لـ “مناطق نت”: “كانت المرحلة الأولى من المشروع سدّ بسري، وهو الآن على الرفّ، ولا أعتقد أنّ هناك مجالًا لتنفيذه. أمّا عن المرحلة الثانية وهي جرّ مياه من نهر الأوّلي وبركة جون، من أنان – جون، وستذهب بعدها إلى المعالجة في محطّة الوردانيّة حيث تمّ بناء معمل بمواصفات دوليّة وينتظر التجهيزات، بحيث تكون هناك كمّيّة من المياه نتمنّى أن تكون كافية وتصل إلى بيروت الكبرى”.
رهان على المعالجة ووفرة مياه
عن الملوّثات أوضح سليم أنّ “نسبتها مقبولة وبإمكان محطّة الوردانيّة إزالتها، وبالنسبة للبكتيريا يمكن لمحطّات التكرير معالجتها أيضًا”. وأردف “الآن ليس ثمّة وفرة في المياه ولا نعلم ما إذا ستتجمّع كمّيّات لضخّها إلى بيروت؟ هذا هو السؤال، وهناك كثير من السدود الموجودة لدينا بشكل عامّ بالكاد فيها ربع الكمّيّات المفترضة، وهذه ليست إرادتنا بسبب عدم وجود هطولات فعليّة أو ثلوج تتكدّس، كلّ ذلك مرهون بالمناخ، ومن الخطأ القول إنّنا نريد أن تشرب بيروت مياهًا ملوّثة من القرعون، هذا خطأ كبير، كباحث علميّ أصرّ على أن لا دخل للقرعون بالمشروع الذي سيقام وتمّ التوافق عليه”.
ويوضح سليم “بعد أن أنجزت أكثر من 25 بحثًا، (الخضار) الواضح للعيّان ليس (سيانو بكتيريا) وهو بعض النباتات المفيدة وغير مضرّة أبدًا، نسمّيها (عدس المياه) أو Duckweed أوLentille d’eau، وهي موجودة وتزيلها مصلحة الليطاني دائمًا، ويمكن أن تساعد في امتصاص بعض الملوّثات الموجودة، وهذا أمر إيجابيّ دائمًا لأيّ مسطّح مائيّ، وهي معروفة في كلّ العالم، ومفيدة لأن فيها كثير من البروتيّين. وحتّى إذا جفّفناها يمكن أن نضعها للطيور والحيوانات الداجنة، ولذلك نقول ليس هناك تلوث كبير من أنان إلى جون وبالتأكيد نهر الأوّلي أيضًا”.
أبي راشد: نعارض هذا المشروع لأنّه يشكّل خطرًا مباشرًا على صحّة اللبنانيّين وليس حلًّا حقيقيًّا لأزمة المياه
الهيدروجيولوجيا بمواجهة السدود
من جهته يقدّم الخبير في مجال الهيدروجيولوجيا الدكتور سمير زعاطيطي قراءة نقديّة حادّة للمشروع وللسياسات التي سبقته فيقول “إنّ القرار يُكمل سياسة مائيّة خاطئة تنتهجها الدولة منذ العام 2010 بتمويل وتشجيع من البنك الدولي، وهي أدّت إلى تنفيذ خمسة سدود فاشلة وتوقّف العمل بالسادس وهو بسري بعد افتضاح الأمر في أنّ هذه السياسة لا أساس علميًّا لها بل هي مناقضة للتوصيات العلميّة الفرنسيّة والأمميّة.
تابع زعاطيطي لـ “مناطق نت”: “في شرق بيروت تحت نهر الكلب ومغارة جعيتا، يتكشّف سطح قسم مهمّ من مخزن صخريّ كربوناتيّ كارستيّ للمياه الجوفيّة، هو عبارة عن مجموعة صخور قاسية مشقّقة تذوب بمياه الأمطار وتغلق فراغات سماكتها 1200 متر، وهناك حفر فيها آبار في بلدات وادي شحرور والداشونيّة والجديدة وبليبل وكلّها كانت منتجة وعلى أعماق بسيطة”.
يؤكد الدكتور زعاطيطي أنّه “لا يوجد استنزاف جوفيّ للمياه في لبنان، بل هناك سوء إدارة وحفر آبار عشوائيّة بدون دراسة أدّت إلى تملّح المياه في الجديدة والدامور”. وتابع: “التجربة مع مجلس الجنوب كانت ناجحة، فهناك 90 بئرًا موزّعة بين القرى تغطّي كلّ حاجات الجنوب اللبنانيّ وهذا هو البديل”.
تمويل مشاريع الفساد الرسميّ!
عن عدم الاستثمار في المياه الجوفيّة يقول الدكتور زعاطيطي: “هم لا يحبّون تنفيذ آبار لأنّ كلفتها قليلة وأرباحهم منها ضئيلة، لذا يفضّلون بناء السدود التي ينتج عنها استملاكات وتشغيل كسّارات ومقالع ومرامل”. يتابع الدكتور زعاطيطي “ثبت للجميع أنّهم وبعد فشل سدّ بريصا في الشمال لم يتوقّفوا، بل استكملوا بخمس سدود فاشلة هي: المسيلحة، بلعا، جنّة، بقعاتة كنعان، القيسماني، وسدّ مرج بسري”.
وتساءل زعاطيطي: “لماذا لا تشرب صيدا من مياه الأوّلي وتعتمد على مصادر أخرى؟ وأيضًا شرق صيدا يعتمد غالبيته على المياه الجوفيّة والآبار”.
غياب الشفافيّة والمشاركة
في السياق عينه، قال رئيس “جمعيّة الأرض – لبنان”، الناشط البيئيّ بّول أبي راشد: “نحن لا ننكر حاجة بيروت الماسّة إلى المياه، لكنّنا نعارض هذا المشروع لأنّه يشكّل خطرًا مباشرًا على صحّة اللبنانيّين وليس حلًّا حقيقيًّا لأزمة المياه”. تابع لـ “مناطق نت”: “لا يمكن تلبية حاجة مشروعة عبر حلّ ملوّث، مكلف، وخطير، في حين توجد بدائل أكثر أمانًا وأقلّ كلفة تمّ تجاهلها”.
أضاف أبي راشد: “لم نطّلع على دراسة تقييم الأثر البيئيّ، ليس لأنّنا لم نرغب بذلك، بل لأنّ حقّنا في الاطّلاع والمشاركة سُلب منّا، فاللقاء العامّ الإلزاميّ عُقد في تشرين الأول (أكتوبر) 2024، في فترة كانت تشهد حربًا واعتداءات إسرائيليّة على لبنان، ما جعل المشاركة المجتمعيّة شبه مستحيلة، وعلى رغم مطالبتنا الواضحة بإعادة عقد اللقاء، لم يتمّ تنظيم أيّ لقاء بديل وهذا سبب كافٍ بحدّ ذاته لإعادة النظر بالمشروع من أساسه”.
أبي راشد: الاستدانة هنا غير مسؤولة، لأنّ الدولة عاجزة عن تشغيل محطّات معالجة، وصيانة الشبكات وضمان استمراريّة الكهرباء
يشرح أبي راشد أنّ “الخلل ليس تقنيًّا فقط بل إجرائيّ وديمقراطيّ، وإنّ تمرير المشروع لاحقًا وكأنّ المشاركة قد حصلت، يطرح تساؤلات جدّيّة حول ما تحاول الجهات المعنيّة إخفاؤه”.
أيّ سياسة مائيّة؟
يرى أبي راشد أنّ “المشروع يحمّل مناطق الحوض كلفة التلوّث والضرر البيئيّ، بينما تُنقل المياه إلى العاصمة، من دون أيّ ضمانات فعليّة أو تعويض عادل، وهذا يناقض مبدأ العدالة المائيّة”.
وختم أبي راشد أنّ “الاستدانة هنا غير مسؤولة، لأنّ الدولة عاجزة عن تشغيل محطّات معالجة، وصيانة الشبكات وضمان استمراريّة الكهرباء، ما يعني مشروعًا مهدّدًا بالتوقّف، مع دين ثابت على كاهل اللبنانيّين”.
وبحسب الدراسات التقنيّة التي أعدّها مكتب BGR الألماني لصالح الجهات الرسميّة اللبنانيّة، فقد جرى التوصية بتأهيل قناة النقل من نبع جعيتا إلى الضبيّة للحدّ من الهدر ورفع كفاءة إيصال المياه إلى بيروت، مع تكبير معمل التكرير في الضبيّة إلّا أنّ هذه التوصيات لم تُنفّذ حتّى اليوم.
تطرح الدراسات التي تناولت نبع جعيتا وتأهيل قناة النقل إلى الضبيّة أسئلة أساسيّة حول مسار السياسات المائيّة المعتمدة، إذ أوصت بإصلاح الهدر القائم ورفع كفاءة البنية التحتيّة الحاليّة، لكنّ هذه التوصيات بقيت معلّقة، من دون تفسير رسميّ واضح، ما يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: في حال كان الهدر في قناة جعيتا يُقدَّر بنحو 30 في المئة، ألم يكن من الأجدى تقنيًّا وماليًّا معالجة هذا الخلل أوّلًا قبل البحث عن مصادر إضافيّة؟
بين مقاربة رسميّة ترى في مشروع جرّ المياه إلى بيروت حلًّا تقنيًّا لأزمة مزمنة، ومواقف علميّة وبيئيّة تحذّر من مخاطر صحّيّة وبيئيّة وماليّة طويلة الأمد، يتكشّف حجم التباين في الرؤى حول إدارة المياه في لبنان.
وبين من يدعو إلى استكمال مشروع قطع أشواطًا كبيرة، ومن يرى فيه استمرارًا لسياسات فاشلة ومكلفة، تبقى اسئلة مركزيّة معلّقة: “هل تعالج الدولة أصل أزمة المياه، أم تكتفي بنقلها من حوض إلى آخر؟ والأخطر ما سيكون هو البديل لو لن تصل الكمّيّات المرجوّة من الأوّلي إلى بيروت؟ هل سيكون استخدام مصادر أخرى لتغطية الفشل؟ وماذا عن الأثر الفعليّ على سكّان بيروت الكبرى والجنوب والبقاع عبر تقليص احتياطهم المائيّ في سنوات الشح؟ ومن تخدم هذه التمويلات والسياسات المائيّة وبمن تضرّ؟



