جنون الضجيج وشياطينه وقعٌ يرهق جميع الحواس

من النافل القول إنّ العالم يمنح نفسه للإنسان من خلال الحواس. ربّما يمنح العالم نفسه بوضوح الصورة وتبيانها، وقد يمنح نفسه بضبابيّة أو بمواربة، أو عطفًا على حُسن المزاج أو عتمته، والحواس في كلّ هذه السياقات، هي من تعيد ترتيب العالم من خلال شروطها الخاصّة.
فالحواس إذًا هي من تجعل من مشهد العالم متجانسًا، وإن كان ثمّة ما ينسف هذا التجانس عن بكرة أبيه، من آن إلى آن، وأتكلم تحديدًا عن الضجيج. ضجيج المدن والأحياء المكتظّة والأبنية المحشوكة، وصولًا إلى دواخل الشقق حيث الجدران عندئذ تتحوّل كي تصير شقوق تزاحمها شقوقًا.
فبين ضبط الحواس وانفلاتها وبين صخبها وهدوئها، يبقى الضجيج على الدوم تلك الواقعة النشازيّة التي تمزّق الأعصاب. فالضجيج في بعض تعيّناته هو بمثابة تطاول سمعيّ وقح، تطاول شرّير ينسف قدرة المرء على الحدّ الأدنى من الإنصات. فإذا كان تعدّد الأصوات يشير بالحالات العاديّة إلى التعدّد السمعيّ للعالم، فإنّ تحوّل هذه الأصوات إلى ضجيج يسوق العالم إلى وحدة سمعيّة عنوانها العريض يتلخّص بالقول إنّ العالم هو مأزق سمعيّ على الإطلاق، حيث العلاقة بين الأذن وما يداخلها من أصوات، هي عندئذ علاقة شواش واضطراب.
احتلال الصوت الأذن
على الرغم من أنّ الضجيج بعامّة هو بمثابة احتلال الصوت للأذن بالقوّة، فإنّه في وقعه الصادم هو احتكار لكلّ الحواس وليس فقط لحاسّة السمع. إنّ الضجيج في هذا السياق تحديدًا هو بلورة صوتيّة لفظاظة العالم في علاقته معنا كبشر بالإجمال.
بالنسبة إلى كثيرين ممّن تصدّوا لوقع الضجيج على الإنسان رأوا فيه آفّة هائلة عنوانها العريض غربة الإنسان عن الأمكنة، عن كلّ الأمكنة حتّى عن تلك التي تحتضننا منذ سنوات وسنوات. فالواقعة الصوتيّة الضاجّة والملحاحة، تسوق حتّى أمكنة الألفة، لأن تتحوّل إلى أمكنة شديدة الغربة، وشديدة البعد وشديدة العدوانيّة في كثير من الحالات، وليس من باب الصدفة في هذا الصدد أن يكون التصدّي للضجيج عبر سنّ القوانين قد بدأ منذ القِدم، منذ العام 44 ق. م. مع الإمبراطور الرومانيّ يوليوس قيصر.
لذا، فالضجيج لا يقبع في مصدره كحال المنظر مثلًا أو الذوق أو اللمس، بل هو أقرب إلى الواقعة الانتهاكيّة الفظّة. وفي هذا السياق تحديدًا، لم يتوانَ أهل الاختصاص في علم الأعصاب، عن اعتبار الأذن المعرّضة دومًا للضجيج، محلّ تحوّل عن أن تكون واحدة من الوسائط الطبيعيّة في العلاقة مع المحيط الخارجيّ، لتكون من ثمّ بمثابة المنفذ أو الطريق السريع لخلخلة هذه العلاقة وتخريبها، وإذا بهذا المحيط عندئذ يناصب أعصابنا وكلّ قدراتنا التركيزيّة العداء.
تكفّ الأصوات في هذا المجال عن أن تلبس فقط لبوس التلوّث السمعيّ المتعارف أو أن تتزيّا بزيّ الإزعاج الموقّت والمفهوم، ذلك أنّ الضجيج حتّى بعد انقضائه تراه يستقرّ ليس داخل الآذان وحسب، بل أيضًا داخل الأمزجة وداخل المسام وصولًا إلى الدواخل القصيّة للدماغ.
“عالم الصمت”
ثمّة من أهل الأدب وكتابة الروايات من قارب الضجيج كشيطان يوسوس ليس في محض الصدور، إنّما في داخل كلّ خليّة من خلايا الجسد المتهالك. وكلّ محاولة في هذا الصدد لتطويع العلاقة مع الضجيج هي مجرّد كذبة أو خداع للذات، وصولًا إلى الوقوع في معمعان التيه والجنون. وتحيّاتي القلبيّة إلى الرائع فلاديمير نابوكوف في هذا المجال.
إنّ ذلك الضجيج المتأتّي عن الغباء وقلّة الأخلاق لا يثير الطنين داخل الآذان وحسب، بل تراه يثير أكثر كلّ مشاعر القرف والغثيان
يخبرنا الكاتب الفرنسي ماكس بيكارد في كتابه “عالم الصمت” أنّ الصمت في تجلّيه الأروع هو مصدر طبيعيّ لإعادة ابتكار الكلمات. أمّا الضجيج– وهو ما لم يقله بيكارد– فإنّه بطش العالم الخارجيّ بالكلمات، وهو ما كان محلّ قراءة من عديد أهل الأنثروبّولوجيا وعلم الاجتماع. فأن يُفرض على المرء واقع سمعيّ لا قدرة لهذا المرء على تحمّله، فإنّ العالم عندئذ هو محلّ شواش وإبهام حيث حبل الكلمات المقطوع وحيث الذهن المرهون فقط إلى الضياع والشتات وتلعثم اللسان.
إنّ تلك العلاقة الصراعيّة مع الأذن والتي تسمّى الضجيج، ليست مجرّد صخب صوتيّ أو مجرّد شحذ إجباريّ لحاسّة السمع، بل إنّ تلك العلاقة الشديدة التوتّر والإنقباض، هي في متنها الأوفر تقنيّة كارثيّة حيال علاقة الإنسان مع كلّ ما يحيط به أولًا، ثمّ حيال العلاقة مع الذات، وهو ما صير إلى مقاربته عبر عديد الاختصاصات، بدءًا بعلم الأعصاب، مرورًا بالسيكولوجيا الفرديّة والجماعيّة، فضلًا عن علم الإجتماع وغيرها من الإختصاصات حيث جمّ الكلام الذي قد أثير عن خلخلة العلاقة الطبيعيّة مع الذات، بل وتفكّك الروابط الاجتماعيّة، وصولًا إلى التعاطي مع المحيط الخارجيّ كمسودّة غير مكتملة العناصر، وتشوبها كثير من عوامل العدائيّة والمقت والرغبة الدائمة بالإنقضاض على الراحة الذهنيّة وحُسن أو اعتدال المزاج.
توزيع الحواس
لذا، فإن الضجيج في بعض متونه إهانة لمن يقع عليه، بل تراه محاولة موفّقة– للأسف الشديد– لاقتياد المرء إلى متاهة الاختيارات ومحاولات الفرار، وهو ما يتجسّد غالبًا في عمليّة توزيع الحواس، كلّ الحواس، بما يتناسب مع ممكنات فهم الواقع الذي يعمّه الضجيج، وكأنّنا بهذه اللعنة المقيتة ليست واقعة سمعيّة فقط، بل واقعة ترهق كلّ الحواس.
إن ذلك المحو الاعتباطيّ للهدوء وللصمت وللتركيز وللنوم وصولًا إلى راحة البال يقذف بالمرء لأن يكون– من باب المجاز– أشلاءً متناثرة وجملة من المنغّصات، وقد اقتيد ليكون على الدّوم رهن التوتّر والاضطراب.
كخاتمة لهذا التأمّل السريع في شياطين الضجيج وجنونه، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه– وعلى الرغم من التطرّق لهذا الموضوع عبر عديد الاختصاصات كما مرّ أعلاه– ليس ثمّة من قارب نوعًا معيّنًا من الضجيج، وهو ذلك الصادر عن تلك الكائنات البشريّة، التي من أبرز صفاتها الغباء والهبل من جهة، وقلّة الأخلاق والتهذيب من جهة أخرى. فأن يجاورك في السكن– على سبيل المثال لا الحصر– أحدٌ يختزل بشخصه هذه الصفات، فإنّ الضجيج عندئذ ينتقل من كونه محضّ فاجعة صوتيّة، إلى فاجعة من نوع آخر تقود أيضًا إلى القرف والغثيان، وهي فاجعة توكّد بعمق ذلك الترابط اللغويّ الرائع بين الكلمة الإنكليزيّة Noise والتي تعني الضجيج والكلمة اللاتينيّة Nusea والتي تعني القرف والغثيان.
نعم، إنّ ذلك الضجيج المتأتّي عن الغباء وقلّة الأخلاق لا يثير الطنين داخل الآذان وحسب، بل تراه يثير أكثر كلّ مشاعر القرف والغثيان. وبالعودة إلى العزيز نابوكوف، “أو بلاها”، كي لا أبدو شديد الفظاظة، وهي تهمة أعمل جاهدًا على التخلّص منها في كلّ حال.



