حينما شكّل “يلاّ ندبك” فسحة مشرقة بعيدًا عن الوجوه الكالحة

في حديثنا عن برنامج “يلّا ندبك”، وخلال تنبّوئنا المبكر بالنتيجة، قال لي صديقي فيصل إنّ “فرقة برجا للفنون الشعبيّة” سوف تفوز في هذه المسابقة، وتحتلّ المركز الأوّل.
كان ذلك بعد الحلقة الثانية، وربّما الثالثة، من “مسلسل” الدبكة الذي اجتمع حوله اللبنانيّون، وغير اللبنانيّين، وتفرّقوا أيضًا. اجتمع المشاهدون، ضمن نسبة مشاهدة قلّ نظيرها، عشيّة كلّ يوم أحد لمشاهدة هذا النوع من الرقص، والحكم عليه، كلٌّ من وجهة نظره، علمًا أنّ هذه الأحكام لم تستند، أحيانًا، إلى معرفة عميقة بهذا الشكل من أشكال التراث الفولكلوريّ.
لا أدري كيف توصّل صديقي إلى هذا الحكم في بداية عرض المسلسل، عندما كان تحديد الفائز، حينذاك، أقرب إلى “الضرب بالمندل”. لم أناقش فيصلًا في ما قاله، إذ إنّ مشاهداتي القليلة للبرنامج لم تتعدَّ ما كان يؤمّنه لي عامل الصدفة، أيّ التواجد في المنزل، بعيدًا من الهموم التي تمنعني من مشاهدة ما يدور على الشاشة الصغيرة. لكنّ الضجّة التي أثيرت حول قصّة الدبكة، والتي كرّستها مشاركة فرقتين من بعلبك، ولّدت لديّ فضولًا لم أنجح في كبحه. لا أخفي أنّ اهتمامي بالبرنامج تصاعد تدريجًا، بحيث حاولت ألّا أفوّت حلقة من الحلقات، إذا ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
هل استهدف البرنامج التراث؟
كان الحديث العام الذي يدور حول البرنامج يتمحور حول مسائل التراث. لم تغب هذه العبارة عن أيّ حلقة من الحلقات، مع العلم أنّ استعمالاتها لم تأتِ، دائمًا، في المكان المناسب. هذا التراث، في جميع مفاصله وبشكل عام، جيّد وذو أهمّيّة. لكنّ العلاقة به، أو بالأحرى التعلّق بجلابيبه على نحو دقيق، (والدقّة هنا ليست كلمة جامدة في طبيعة الحال)، له حدود. اللوحات التراثيّة، أكان في الرقص، والموسيقى، وحتّى في الفنون التشكيليّة، تثير، في كثير من الأحيان، مشاعر النوستالجيا، وبخاصّة لدى جيل معيّن.
هذه النوستالجيا، حيال زمن ماض ولن يعود، اشتد وقعها في أيّامنا الحاضرة، وفي مجالات عدّة، نظرًا إلى ما نشهده حاليًّا، من تدهور في الأوضاع، وسوء في الأحوال، قياسًا على ما كانت عليه سابقًا. هذا السابق “الحلو واللذيذ”، بقي راسخًا في نفوس ذلك الجيل الذي عايش ما يسمّى بـ “الزمن الجميل”، على ما تشهده هذه العبارة، بدورها، من استعمالات قد لا تكون موفّقة هذه الأيّام، وفي حالات لا تستدعي اللجوء إليها.
استعراضات تشكيليّة
من المعروف أنّ الدبكة هي أحد أشكال الرقص الفلكلوريّ، بما هو رقصّ شعبيّ تقليديّ موروث يعبّر عن ثقافة، وتاريخ، وعادات مجتمع معيّن، وتنتقل حركاته وإيقاعاته عبر الأجيال. وللحقيقة، من وجهة نظرنا في الأقلّ، لم تحاول بعض الفرق المشاركة في المسابقة الخروج عن هذا الإطار، مخافة أن تقع في الخطأ. تمتّعت هذه الفرق بتقنيّة صائبة لا غبار عليها، لكنّها وقعت في شباك هذه التقنيّة، ولم تحاول، في شكل جدّي، الخروج منها نحو شكل من أشكال الابتكار، ولو ضمن حدود معيّنة. لن نذكر أسماء هذه الفرق تحديدًا، كي لا نثير ضجّة لا ضرورة لها، خصوصًا وأنّها تمسّ فرقًا قريبة منّا. كذلك فإنّ هذا الأمر يحتاج إلى بحث مفصّل لا نودّ الخوض فيه، كي لا نُتّهم بأنّنا عارفون في الأمور كلّها، إضافة إلى مجالنا الأساس الذي تدور حيثيّاته حول الفنّ التشكيليّ.
النوستالجيا، حيال زمن ماض ولن يعود، اشتد وقعها في أيّامنا الحاضرة، وفي مجالات عدّة، نظرًا إلى ما نشهده حاليًّا، من تدهور في الأوضاع، وسوء في الأحوال، قياسًا على ما كانت عليه سابقًا
وللمناسبة، لقد شاهدنا بعض الإستعراضات كمن يشاهد لوحة تشكيليّة، مؤلّفة من عناصر عدّة لكلّ منها دوره في المشهد العامّ، ونحن عارفون أنّ الشاشة الصغيرة لا تنقل الانطباع الذي قد يولّده لدينا الحضور الحيّ. ونحن مدركون، أيضًا، أنّ الفرق كانت تمتلك أيّامًا معدودات لا أكثر كيّ تُخرج لوحتها الأسبوعيّة، وتحاول من خلال الرقص أساسًا، وخلفيّة اصطناعيّة على الشاشة (لم تكن موفّقة أحيانًا)، الوصول إلى مرادها.
بعض هذه اللوحات كان جميلًا بالفعل، لا سيّما وأنّ صانعيها لم يتعمّدوا اللجوء إلى الزخرفة والإبهار الشكليّ، الذي قد تتركه الأزياء لدى المشاهد، على ما لهذه الناحية من أهمّيّة بصريّة. لن نبالغ إن قلنا، على سبيل المثال، إنّ “فرقة كركلّا” الشهيرة لم تهمل هذا التفصيل، بل وقع في صلب استعراضاتها. نتذكّر هنا، استنادًا إلى ذاكرتنا الصلبة، مقالًا كتبه عبّاس بيضون في صحيفة “السفير”، منذ عقدين في الأقلّ، وعنونه “ألف لون ولون في حفل كركلّا”، وكان الحديث يدور حينها حول الاستعراض المعنوَن “ألف ليلة وليلة”.
حينما تطغى الذكوريّة
أمّا أكثر ما نال اعجابنا فهي تلك الحيويّة والاندفاع الواضحين لدى المشاركين والمشاركات. لا بدّ من أنّ المسألة بديهيّة إلى حدّ معيّن، فبعض الراقصين والراقصات لم يتعدّوا سنّ المراهقة، ولحظنا أنّ بعضهم لم يبلغه حتّى. ما زال الدم يتدفّق بغزارة في شرايين هؤلاء، وهم أبعد ما يكون من أن ترهقهم رقصة تمتدّ لخمس دقائق، وربّما أكثر أو أقلّ قليلًا. زعلنا لخروج فرقة Fusion من المسابقة قبل بلوغها النهائيّات. فرقة مكوّنة حصرًا من فتيات صغيرات أردن إضفاء نكهة خاصّة، من خلال مقاربات مختلفة، على مسابقة في الدبكة، لطالما اتّخذت طابعًا ذكوريًّا في أذهاننا. ذكوريّة طغت على الفرقتين البعلبكيّتين اللتين كان من المجدي أن توليا أهمّيّة لهذه الناحية، التي لم تظهر معالمها سوى من خلال مشاركة خجولة لأنثى واحدة لدى إحدى الفرق. هذا مع العلم أنّ الفرقتين المذكورتين كانتا تعاملتا مع المهمّة بحرفيّة ظاهرة تستند إلى موروث شعبيّ عريق.
ولكن، ومع تتابع الحلقات، أدركنا أنّ “فرقة برجا للفنون الشعبيّة” تستحقّ ما نالته من مركز. فرقة لم تولد من فراغ، بل من تربية صارمة، ومن تدريب لا مجال فيه للهفوات. جدّيّة في التعامل مع المهمّة المطروحة، تنقّل مدروس على المسرح، وتناغم متقن بين الراقصين والراقصات، مكلّلًا بابتسامة المتحدّثة باسم الفرقة ووجهها المحبّب. لقد كان فيصل على حقّ حينما تنبّأ باسم الفرقة الفائزة، ولا ندري من أين نزل عليه هذا الوحي في بدايات البرنامج، الذي مثّل أحد الوجوه المشرقة في زمن وبلد أتعبتنا الوجوه الكالحة لمن يدير أموره، أو أكثر هذه الوجوه في أقلّ تعديل.



