حين نحزم حقيبة صغيرة ونترك خلفنا حياة كاملة

إنّه الفجر يتثاءب قبل النهوض مرّةً أخرى. قالوا إنّ المقاومة أطلقت صليةً صاروخيّة نحو إسرائيل. لم نصدّق الأمر في البداية، ربّما يكون حدثًا عابرًا. لكن أن تطلق المقاومة صواريخ فيعني شيئًا واحدًا: علينا إخلاء القرية. ويعني أنّ الحرب قد فُتحت على مصراعيها. “من المعقول نرجع نتهجّر؟”. سؤال أجابتنا عليه مدفعيّة العدوّ التي أصبحت أقرب فأقرب.
مرّ عامٌ وشهر على عودتنا من الحرب الأخيرة. أعدنا ترتيب حياتنا بما تبقّى لدينا. ظننّا لوهلة أنّنا نجونا، وعلى رغم الاعتداءات اليوميّة، كان البيت يخفّف عنّا وطأة الحرب. أن تصدر المقاومة بيانًا تتبنّى فيه إطلاق الصواريخ هذا يعني أنّ إسرائيل لن تدعنا ننام بسلام.
قرّرنا جميعنا في القرية أن ننتظر طلوع الضوء ونخرج بمسيرة واحدة. تساءلتُ أنا وأصدقائي: “معقول يطلع علينا الصبح ونكون عايشين؟”. بعضهم قرّر أن نتجمّع في دارٍ واحدة، كي نموت دفعةً واحدة. بدأ القصف المدفعيّ على القرية. غارات قريبة، مسيّرات على علو مخفوض، وأخيرًا، الإنذار الذي أكره قراءته: إخلاء قرى الجنوب فورًا.
قرار الإخلاء
قرأت أسماء القرى جميعها، حتّى وصلت إلى “بيت ليف”، وأنا أشعر أنّ قلبي خرج من صدري. صرخنا جميعًا: علينا الإخلاء.
بدأنا الاتّصال بالجيران والأصدقاء. الجميع يرفض الإذعان. ليس لأنّنا لا نهتمّ للموت بغارة صاروخيّة، بل لأنّنا نخاف من النزوح… وترك البيوت مرّةً أخرى.
بين الصراخ والإنكار وورود اتّصالات تأمرنا بالإخلاء، وجدتُ نفسي أعيد ترتيب أولويّاتي في حقيبة صغيرة. هذا الأمر الذي كنت أخشاه طوال فترة الهدنة: أن أضطرّ لأخذ حقيبة صغيرة وأترك خلفي أشياء كبيرة. تركتُ البيت، والقطط، والعمل، ومكتبتي، وذكرياتي، وألبوم صوري في طفولتي. وأخذت: هويّتي التي لم تسعفني يومًا، بعض الثياب، قليلًا من المال، ومسبحتي.
خرجت ولا أعلم متى أعود
من بيتي حتّى حاجز الجيش في كفرا، إنّها الطريق الأطول دائمًا. في الأيّام العاديات تستغرق عشر دقائق فقط، لكنها حين النزوح أشعر وكأنّها تمتدّ أمامي وتضيّق على صدري.
منذ نزوحنا في حرب تمّوز (يوليو) 2006، ما زلت أرى نفسي تلك الطفلة التي تنظر من السيّارة نحو الخلف، لترى صاروخًا يقطع الطريق بينها وبين أهلها وبيتها. من حرب تموز، إلى معركة الإسناد 2023، ثمّ معركة أولي البأس، ثم هدنة الـ 60 يومًا، ثمّ منذ أيّام، ما زلتُ تلك الطفلة نفسها التي تحزم حقيبة صغيرة وتهرب.
الفرق الوحيد هو أنّني اليوم أعرف ممّن أهرب، ولماذا أهرب!
تطول الطريق أمامنا، وما زالت الاتّصالات تردنا فتأمرنا بالإخلاء حفاظًا على أرواحنا. أيّ أرواح؟ وإذا بقيت في منزلي، ألن تقصفني؟
عبرتُ طريق البلدة وبدأت الزحمة. تتوافد السيّارات من كلّ مخارج القرى. ننظر في وجوه بعضنا، وتبقى الكلمات عالقة بين المعدة والحنجرة. الأرواح كلّها هاربة: فجرًا، صائمة، خائفة، تنتظر أن يصرخ فينا أحد لنتوقّف ونعود.
الحياة بين الطريق والسيارة
أربعون ساعة قضيتها مع أفراد عائلتي الخمسة في السيّارة. كانت تجربة كاملة من المشاعر الإنسانيّة المتضاربة. رأيت فيها كلّ الوجوه: الهادئة والمحتسبة، الحزينة، الحائرة، الباكية، الغاضبة، والخائفة. وجوه لديها كثير لتخسره، وأخرى ليس لديها ما تخسره.
أراقب الناس على جانبي الطريق: سيّارات انقطعت من البنزين، وأخرى تحاول مساعدتها. رجل يضع عنزته إلى جانبه، وآخر ينقل بقراته وعجولها، وطفلة تحتضن قطّتها، تهدّئ من روع بعضهما. عجوز كأنّه يقضي ساعاته الأخيرة، طفل لم يشرح له أحد ما يحدث، أب حائر، أمّ تحاول ألّا تنهار، جدّة تخبّئ أحفادها في طيّات عباءتها. وعلى الطريق الطويل، بعضهم يفترشون الأرصفة ويفترشهم الحزن والتعب.
كنّا ننام لدقائق متقطّعة، نصحو على أبواق السيّارات، على حوادث صغيرة في الطريق، وعلى أخبار الغارات التي تتوالى في القرى الحدوديّة، وعلى كوابيس تتسلّل فجأة: صاروخ يسقط فوق رؤوسنا، يقطع نومنا ويزيدنا قلقًا. كلّ دقيقة كانت تبدو كساعة، وكلّ ساعة كأنّها يوم كامل في انتظار أن نصل إلى نهاية آمنة.
أراقب الناس على جانبي الطريق: سيّارات انقطعت من البنزين، وأخرى تحاول مساعدتها. رجل يضع عنزته إلى جانبه، وآخر ينقل بقراته وعجولها، وطفلة تحتضن قطّتها، تهدّئ من روع بعضهما.
قتال من أجل العبور
ليلتان كاملتان في السيّارة، من بيت ليف إلى بيروت، ثمّ إلى عاليه. في صور كانت المحطّة الأولى، حيث التقطنا أنفاسنا وحاولنا تقبّل الأمر الواقع. لكنّ الغارات على ضواحي صور جعلتنا نواصل نزوحنا نحو بيروت. تلك المدينة التي ترفضني في كلّ مرّة ألجأ إليها. وصلنا بعد منتصف الليل. لا مكان لي هنا، سوى بضعة أمتار على جانب الطريق لنقضي ليلة أخرى في السيّارة.
يتوقّف الوقت، والعمر، والأحلام، والأهداف، والروتين. لتجد نفسك تقاتل فقط من أجل العبور إلى الجهة المفتوحة من الطريق. أن تصل قبل أن تخذلك سيّارتك، وتخذلك إرادتك، وتخذلك الحياة، فتموت.
الحرب تعرّي هشاشتنا
هل استطاع أحد أن يشرح كيف نشعر بعدم الأمان خارج البيت، حتّى ولو كنّا في منطقة آمنة؟ النزوح يعني أن نترك الأشياء التي تعطي لحياتنا معنى: سريرك، قطّتك، كتابك المفضّل، سهرة مع الأصدقاء، وفنجان قهوة مع جارتك، أن تعرف الشارع الذي تمشي فيه ويعرفك، فلا تضيع.
وأنت عالق في منتصف الطريق مع كلّ العالقين، تفكّر: ما نفع الحفاظ على روحي إذا تركت كل ما يأنسها ومضيت إلى المجهول؟
تأتي الحرب دائمًا لتبدّل الأسئلة والأجوبة، ومعنى الأشياء. تعرّي هشاشتنا، وتنقل حزننا من حالته الفرديّة ليصبح حزنًا جماعيًّا معقّدًا. تدفعنا لنهيّئ أنفسنا لحزنٍ أكبر، ونتوقّع اشتداد المصائب. يصبح الانهيار رفاهيّة.
ونتساءل: إلى أيّ حدّ نحن قادرون على التحمّل؟ يأتيني الجواب من السيّارة المجاورة: عائلة ما زالت صائمة، تفطر على شربة ماء وشقّ تمرة… ثمّ تكمل طريقها. عندها عرفت أنّنا شعب سيستمرّ دائمًا في البحث عن شكل ما للحياة. عن معنى نحافظ لأجله على أرواحنا.
الألفة بيننا، أن نتقاسم رغيف خبز وماءً وتمرًا ودعوات. وعلى رغم عدم ثبات مكاننا، إلّا أنّنا ثابتون على مبدئنا.
نواجه الظلم نفسه، قاتلنا واحد، ونتشارك حبّ الأرض ذاتها. لنّا ربٌّ واحد، ناجيناه في جلوسنا على الأرصفة، في السيّارات، على الشواطئ، فوق العشب، وفي مراكز الإيواء.
ولنا أملٌ واحد نتشاركه: أن نعود يومًا إلى الجنوب.



