رَمزيّة كفرحَمَام في شِعر سليم علاء الدين.. ديوان “حَبَق” نموذجًا

على رغم انسلاخ كثير من الشعراء عن مَراتِع طفولتهم ومَناطِقهم، نتيجة الحرب والهجرة والبحث عن وظائف تؤمّن لهم حَيوات أفضل واستقرارًا أفعَل، فإنّهم كانوا يعيشون هَواجسها في قصائدهم، ذاكِرين أسماءَها وعاداتها ويَوميّاتها، بَاثّين حَنينهم إلى مَطارحها وجَلساتِها، لعلّهم بذلك يعوّضون غيابهم القَسري عنها..

فها هو الشاعر سليم علاء الدين، ابن قرية كفرحَمام الحدوديّة، يُسَطِّر في ديوانِه حَبَق، الصادر عن “دار عالم الفِكر” و”الحركة الثقافية في لبنان” العام 2019، عِشقه الصوفيّ لقريته، فيُنشِد:

كيف الصَّلا بتِنقام؟
نْ ما كان ضِحكات السَّما رَفعِت آذان الضَوّ عَ كتافِك؟
وصَوت التراب يئِمّ نَسمات لْحَلا السكران عَ شفافِك؟

فنَتيقـّن أنّ القداسة في قصائده تَشدو بالرموز الدينيّة التي تَتمَاهى مَع المظاهر الطبيعيّة التي يُؤنسِنها، مثل الضوء والتراب والشمس وأكتاف كفرحمام وشِفاهِها.

ولكي تُلغى الحدود الاصطناعيّة بَين أهل المناطِق وساكنيها، وتَحيا على الألفة والمحبّة، نَراه يَطلب من قريته:

قومِي ابعَتي شوَيّة وَرد عالشّام
جيبيلْها من القدس غِنّيّي
بَدِّك؟ بوَصّلهن بعِينَيّي
اتِّكلي يا دَمعات لهَوى عليّي

في خدمة الفكرة النهضويّة

وبما أنّ الشام والقدس هما مدينتان قريبتان جغرافيًّا من قرى الحدود الجنوبيّة، فإنّهما “مِنّا وفينا” وتتشاركان الهَمّ الوجوديّ مع هذه الأمكنة التي تفتَح ذراعَيها لاستقبال الإنسان الحرّ صاحِب القلب المُحِبّ…

لقد وضَع الشاعر نفسه في خِدمة الفِكرة النّهضويّة، انطلاقًا مِن إيمانه العَقائديّ بالقوميّة المُناهِضة للعدوان الاسرائيليّ، وكِفاحه الاجتماعيّ ضدّ كلّ ما يَطمس عَيش الإنسان الذي يُريده أن يبقى مُتجذّرًا في حياة المُدن والقرى اليوميّة… مِن دون أن نغفِل أنّه شَغوف بالأمكنة وعاشِق لِحَارات المُدن والقرى، وهو يحبّ اكتشاف كلّ شيء جميل فيهما، لذلك نَراه يَتنقّل بين مدينة عربيّة وأخرى، وقد يعيش أشهرًا في المدينة نفسها، مُتجَوّلًا في أحيائها ومُختلطًا مع سكّانها، ومُتآلفًا مع مسارحها وحَكاياها، التي يُجَمِّلها في أبيات قصائده… فها هو يكتب في قصيدة “عِرس التّين”:

يا خَاطرَا ببَال لبكِي
قومي رقُصي بحُضن لوَرَق وتضَحّكي
ولا تِتركي قلبِك حَزين
بِكفرحَمام بيَعرفو لحلوين
وَحدو لأصِل أصل الحَكي
ولعِرس عِرس التّين

قرية معجونة بالفرح

وإذا كان تاريخ هذه القرية مُقاوِمًا للاعتداءات الاسرائيليّة منذ سنة 1948، فإنّها من قُرى العُرقوب التي انحَصَر النّضال فيها مُنذ ما عُرف بـ “فتح لاند” عَقب اتفاقيّة القاهرة العام 1969.

أمّا من ناحية الحالة الجَماليّة، فإنّ شَخصيّة هذه القرية مَعجونة بالفرَح، لذلك يلحّ عليها الشاعر بأن تَرقص، علمًا أنّ الجَنوبيّ يعيش الفرَح مَعه حتّى إذا كان في أتعَس أوقاته… كذلك فإنّ هذه القرية مَشهورة بجودَة التين وكثرته، وأهلها يَعتَمدون في معيشَتهم على بَيعه. وبسبب حَلاوة طَعمه، فإنّه يُبَاع بأسعار أغلى من تين القرى الحدوديّة الأخرى.

وإذا كانت القُرى عند هذا الشاعر ترمُز إلى الأمّهات، فهذا يعني أنّ حبّها أبَديّ، وعلى الرغم من أنّه قد يَهجر قريته إلاّ أنّها تظلّ مُنشَغلة بحُبّه. أمّا المُدن في قصائده فترمز إلى الصّبايا، وقد يُمارس الجنس معهنّ، ثمّ ينسَحِب من حياتهنّ من دون أن يَتركُن اثرًا جارفًا في قصائده مثلما تتركه الضِّيَع، ولذلك نراه يكتب في قصيدة زَحلة:

هِنّي لمُدُن نِسوان
وإنتي يا زَحلي تأكّدي أحلَى مَرَا

كفرحمام هي الجنّ

وبما أنّ الشِّعر ليس وظيفة يؤدّيها الإنسان ليَتقاضى راتبه الشهريّ على أساسها، بَل هو هَمّ ماورائيّ، وقلق دائم يُساور جميع الشعراء منذ أيّام الجاهليّة وحتّى يومنا هذا، كان لا بُدّ لسليم علاء الدين من أن يَتساءَل في قصيدته:

كيف الشِّعر بيموت؟
وشَمس لقصيدي كيف بَدّا تنام؟
ما زَال قِلقانِي لسَّما بكفرحَمام
وسَكنِت ببَيتي عَشتروت؟

وإذا كان العرب منذ القديم يُناجون الجِنّ كي يكتبوا قصائدهم، فإنّ طبيعة كفرحَمام هي الجِنّ عِند شاعرنا الجنوبيّ، وهي عَبقَر الشِّعر لديه. لذلك نَراه في حالة كتابَة دائمة طالما أنّ هناك قَلقًا، ما يعني أنّ الشّعر لن يموت ولن تنتهي القصيدة (“وشَمس لقصيدي كيف بَدّا تنام؟).

وإذا كانت عَشتروت رَمز الخَصب والجَمال في الميثولوجيا، فإنّ شاعرنا جَسّدَها بشجرة السنديان المَوجودة أمام منزله في كفرحمام (“وسَكنِت ببَيتي عشتروت”)، ما يعني أنّ المرأة بكلّ  أطيافها (الحبيبة، الأخت، الزوجة، الأمّ) مَوجودة في منزله. وحال العِشق هذه تُرَسّخ الاعتقاد بأنّ الشّجر تسكُن أجساد البَشَر ممّن يَموتون…

وإذا كان منزل الشاعر موجودًا في “حَارة” من قرية كفرحمام تُدعى “خِلّة مخايل”، فإنّه كان من شبّاك هذا المنزل بالذات يُراقب تقلّبات الطقس في مختلف الفصول، ويكتب قصائده الموحية على هَديها، بناءً على الحالات النفسيّة التي تَعتريه:

نبِيد السّما مَايل
عَ جنوب يرسُم بالهَوا كَاسات
عَم يشرَبوا التَلاّت
ومعَتّقا لغَيمات
مِن هَيك شبّاك لمَدَى قَايل
أصل لحَكي ريحِة الأرض بخِلّة مُخايل

الغيوم نبيذ معتّق

ففي فترة من أيّام السنة، يُصبح لون السماء نبيذيًّا، فيُسقِطه الشاعر على تلال هذه المنطقة حيث استُشهد المقاومون والناس الأبرياء، وتلُفّ المَكان حال وجوديّة تنسَحِب إلى الغيوم التي تصبح “نبيذًا مُعتّقًا” يُغري المهاجرين ويُحَفّزهم على العودة إلى جذورهم، إلى طبيعة الأرض الجنوبيّة المقاوِمَة. تلك الأرض التي تَلهَج بالقصائد، وتحيَا بالزراعة ومَواسم الزيتون والتين.

يُذكر أنّ شاعرنا يتمتّع بتخصيصه قصائد عن كثير من القرى والمدن اللبنانيّة والعربيّة، ما أفرَد له مَنحَى تميّزَ به عن سائر شعراء المحكيّة اللبنانيّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى