شباب الفاكهة على قارعة الانتظار متخرّجون بلا عمل

في بلدة الفاكهة (بعلبك)، التي تتربّع في حضن السلسلة الشرقية لجبال لبنان، يبرز مشهدٌ يوميّ فريد، شباب متحمّسون متعطّشون للعلم، يصرّون على نيل الشهادات العليا على رغم قسوة الجغرافيا وصعوبة الواقع الاقتصاديّ. غير أنّ هؤلاء الشبّان وبعد سنوات الدرس والاجتهاد، يواجهون مأزقًا حقيقيًّا، يتمثّل في سوق العمل المحدود، والفرصٍ الضئيلة التي لا تتناسب مع مؤهّلاتهم وتحصيلهم العلميّ.

تنافس تاريخيّ

يبلغ عدد سكان بلدة الفاكهة – الجديدة حوالي 22 ألف نسمة، وتُعدّ من أكثر البلدات تعليمًا على مستوى لبنان، إذ أشتهر أهلها بالإصرار على طلب العلم. فمنذ عقود طويلة يرسلون أبناءهم إلى المدارس والجامعات. ويؤكّد مسنّو البلدة أنّ أوّل مدرسة فيها تعود إلى العام 1901 في إبّان السلطنة العثمانيّة. وأحد أبنائها الدكتور نجيب مراد كان طبيبًا في مستشفى الجامعة الأميركيّة ببيروت في عشرينيّات القرن الماضي، وفي التسعينيات برز ابن البلدة الدكتور اسماعيل سكرية الذي وصل إلى الندوة البرلمانية، وكان مدافعًا شرسًا عن قضايا الصحة في مواجهة مافيا الدواء، حيث كان رئيسًا للهيئة الوطنية للدواء.

وعلى رغم بُعد بلدة الفاكهة عن بيروت (125 كيلومترًا) وبُعدها عن المدارس الثانويّة والجامعات في ذاك الوقت، وصعوبة التنقّل، آمن أبناء الفاكهة بأنّ التعلّم هو الوسيلة الأنجع للارتقاء الفرديّ والمجتمعيّ، فكانوا يرسلون أبناءهم إلى زحلة وبيروت، وحتّى إلى مدينة النبك في سوريا.

ويُرجِع كبار السنّ في البلدة ارتفاع نسبة المتعلّمين فيها إلى ما يسمّونه “التنافس الإسلاميّ– المسيحيّ” على طلب العلم، وهو تنافس إيجابيّ تحوّل مع الوقت إلى تقليد متوارث بين الأجيال، ما جعل عددًا المتعلّمين في الفاكهة يفوق مثيله في قرى وبلدات الجوار.

تعليم عالٍ خارج الفاكهة

مع انتهاء المرحلة الثانويّة، يتوجّه شباب الفاكهة إلى الجامعات والمعاهد العليا داخل لبنان وخارجه. وغالبًا ما يقصدون الجامعة اللبنانيّة في بيروت وزحلة، فيما يلتحق الميسورون منهم بالجامعات الخاصّة. وكان يلجأ بعضهم إلى الدراسة في سوريا، وأحيانًا في أوروبّا، لا سيّما في اختصاصات الطبّ والهندسة والمعلوماتيّة.

لكنّ هذا المسار لا يخلو من التحدّيات، إذ تواجه عائلات عديدة صعوبات كبيرة في تأمين الأقساط الجامعيّة وكلف السكن والتنقّل، ما يجعل الوصول إلى التعليم العالي معركة يوميّة بحدّ ذاتها.

خيارات ما بعد التخرّج

بعد نيل الشهادة الجامعيّة، تبدأ رحلة المعاناة الحقيقيّة. فمع ندرة فرص العمل في لبنان عمومًا وفي البقاع خصوصًا، يجد عدد كبير من المتخرّجين أنفسهم مضطرّين للعمل في مجالات لا تمتّ إلى اختصاصاتهم بصلة، أو الانخراط في مشاريع صغيرة ذات مردود محدود. فالقطاع الخاصّ في المنطقة شبه غائب، والوظائف الحكوميّة نادرة، ما يولّد شعورًا متزايدًا بالإحباط، يدفع كثيرين إلى التفكير بالهجرة كخيار شبه وحيد.

شهادات من الواقع

يقول ابن البلدة محمّد علي صالح المتخرّج في العلوم المصرفيّة والماليّة في حديث لـ “مناطق نت”: “بلدة الفاكهة كغيرها من بلدات البقاع الشماليّ الحدوديّة، تعاني نقصًا كبيرًا في فرص العمل، ولا سيّما أمام الشباب الجامعيّين الذين يصطدمون بانسداد شبه كامل في أفق العمل ضمن اختصاصاتهم”.

مع ندرة فرص العمل في لبنان عمومًا وفي البقاع خصوصًا، يجد عدد كبير من المتخرّجين أنفسهم مضطرّين للعمل في مجالات لا تمتّ إلى اختصاصاتهم بصلة

ويُرجِع صالح هذا الواقع إلى “بُعد البلدة عن مراكز المدن، وغياب المؤسّسات الاقتصاديّة والإنتاجيّة، ما يجعل إيجاد وظيفة داخل البلدة أو في محيطها أمرًا بالغ الصعوبة”. يتابع صالح “فرص العمل المتاحة تقتصر في معظمها على المبادرات الفرديّة أو المشاريع الخاصّة، وهي خيارات تحتاج إلى رأس مال لا يتوافر لمعظم الشباب، فتظلّ محصورة بفئة محدودة”.

يشير صالح إلى أنّ “كثيرًا من المتخرّجين يُجبرون على الانتقال اليوميّ إلى زحلة أو شتورا أو حتّى بيروت، ما يرتّب أعباء كبيرة، فيما الإقامة في بيروت لا تؤمّن الاستقرار المطلوب، بسبب تدنّي الأجور وارتفاع كلف المعيشة”. يختم صالح “استمرار هذا الواقع يدفع شباب الفاكهة إلى هجرة قسريّة بعيدًا من بلدتهم، في ظلّ غياب أيّ مشاريع تنمويّة حقيقيّة”.

من جهتها، تقول الشابّة لمى الحاصلة على شهادة في الكيمياء وتعمل في جمعيّة محلّيّة براتب زهيد “ماذا عسانا نفعل؟ أنا ومعظم أصدقائي نجاهد للحصول على الفرصة. لكنّها للأسف شبه معدومة، فصديقي المجاز يعمل سائق ڤان وغيره كثر يجلسون في البيت بانتظار قبولهم في دول الخليج”. تتابع لمى لـ “مناطق نت”: “ماذا قدّمت لنا دولتنا غير الهموم والمشاكل؟ كيف سيعيش هـؤلاء الشباب ويفتحون بيوتًا ويؤسّسون عائلات وحياة أسريّة هادئة؟” وتختم قائلة ” للأسف ما في أمل، هذه هي الحقيقة المرّة”.

الحلّ مسؤوليّة من؟

ولتسليط الضوء على الأسباب والحلول، التقت “مناطق نت” مدير ثانويّة الفاكهة الرسميّة الأستاذ محمّد خليل، الذي قال “نحن فخورون بشبابنا المتعلّم والمثقّف، لكن للأسف سوق العمل في البلدة محدود جدًّا. كثيرون يمتلكون شهادات عليا، من دون أيّ فرصة للعمل في مجال اختصاصهم”.

وشدّد خليل على “ضرورة دعم المشاريع الصغيرة، وتطوير القطاعين العامّ والخاصّ على المستوى المحلّيّ، للحدّ من الهجرة القسريّة”. وأضاف: “التعليم استثمار نبيل في الإنسان، لكن إذا لم يترافق مع فرص عمل، يتحوّل إلى مصدر إحباط. نشجّع المجتمع المحلّيّ والمتموّلين على لعب دور أكبر، لكن بصراحة يبقى الدور الأساس على عاتق الدولة، سواء عبر إعادة تفعيل التوظيف في القطاع العام أو تحفيز القطاع الخاصّ”.

العدالة الجغرافيّة

يطالب أبناء الفاكهة، كغيرهم من أبناء مناطق الأطراف الدولة اللبنانيّة باعتماد مبدأ العدالة الجغرافيّة في توزيع الوظائف وفرص العمل، ولا سيّما في القطاع العام والمؤسّسات الرسميّة. فحصر التوظيف في مراكز المدن الكبرى يفاقم الفوارق المناطقيّة، ويحوّل التعليم في القرى البعيدة إلى عبء بدلًا من أن يكون فرصة.

ويرى كثيرون أنّ إنصاف المناطق الحدوديّة لا يقتصر على فتح باب التوظيف أمام أبنائها، بل عبر إنشاء إدارات عامّة ومراكز خدمات رسميّة فيها، ما يساهم في الحدّ من الهجرة الداخليّة والخارجيّة ويتيح استثمار الطاقات الشابّة في بيئتها الطبيعيّة بدل دفعها إلى التهميش أو الرحيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى