صباحات لبنانيّة.. فيروزيّات على طنين المسيّرات

أنا من الكائنات شبه المنقرضة – ربّما – والتي تواظب على الاستماع إلى فيروز عند الصباح مع فنجان قهوة. ربّما هي عادة متأصّلة في النفس أو هي نوستالجيا إلى ماض بعيد أو أنّها مجرّد روتين يوميّ إنّما في كلّ الحالات ثمّة متعة لا تني تحايث سماع فيروز صباحًا.

يتكلّم الشاعر التشيليّ بابلو نيرودا في مذكّراته والتي عنونها بـ “أعترف أنّي قد عشتُ” عن تلك الليالي المثقوبة بآلاف الحشرات إنّما ماذا لمّا تكون الصباحات الفيروزيّة مثقوبة بمسيّرات العدوّ الإسرائيليّ التي تداخل هذه الصباحات من كلّ حدب وصوب؟ يحاول المرء أن يحافظ على ما يداخله من فيروزيّة هانئة على الرغم من أصوات المسيّرات، بيد أنّ ثمة ما يشي بالضمور تراه يداخل أغاني فيروز مع مزاحمة هذه المسيّرات لصوتها الصباحيّ.

يكفّ حنّا السكران عن أن يكون حنّا الذي آلفناه منذ عقود وعقود وتكفّ تلك الطائرات الورقيّة وتلك الخيطان عن التحليق في كبد السماء، أمّا جسر اللوزيّة فتراه وقد تقزّم إلى أقلّ من ممرّ ضيّق وهو ما ينطبق بالمثل على حجل صنّين وتراب عينطورة وذلك “الطاحون ع نبع المَيْ”.

المسيّرات المقيتة

تجيد تلك المسيّرات المقيتة كثيرًا جدًّا من الأمور البشعة وفي حال الصباحات الفيروزيّة. تجيد أكثر ما تجيد نفض الهناء عن الكلمات وصدّ السكينة وصولًا حتّى لدفع فيروز إلى اللعثمة وتأتأة الصوت! نعم، إنّ لسان تلك المسيّرات يمتاز للأسف الشديد بمدّ من الثرثرات الفاجرة حتى فيروز الصباح تقف إزائها معقودة اللسان وخالية الوفاض.

على الرغم من شَدُو ربابة الانتصارات، وإلى آخره من حكي من قِبل جماعة الانتصارات، فإنّ ربابة المسيّرات الإسرائيليّة، لا تكفّ عن حفر سماء فيروز الصباحيّة، فإذا بفيروز الرمز تبهت وتضمحلّ وبالنسبة لي، تراها تتحوّل إلى علامة سؤال ضخمة؟

قد يستجير المرء بذاكرته الفيروزيّة الخاصّة هربًا من وقع أصوات تلك المسيّرات وقد يستجير بذاكرة أمّه وأبيه وكلّ أسلافه الفيروزيّين، إنّما تداخل صوت المسيّرات مع الصوت الصباحيّ لفيروز يهين كلّ تلك الذكريات، بل تراه يمحقها فإذا بالسماء عندئذ، حتى السماء، محلّ تواطؤ ضد فيروز، ضد ذلك الصوت العتيق المتشبّث في شدّ أواصرنا بلبنان. إنّما، أيّ لبنان هو؟ لست أدري ولا أظنّ أنّ ثمة لبنانيًّا واحدًا يدري عمق هذا السؤال؟ فشدو ربابة أهل الانتصارات أرهقت كلّ الاحتمالات بل وأرهقت السؤال.

هويّة مأزومة

كثر أولئك الذين تكلّموا عن كيفيّة تفكّك المجتمع المتعدّد الهويّات، من خلال هويّة واحدة مأزومة من ضمن هذه الهويّات، وفيروز في هذا السياق، حتّى فيروز، هي محلّ أزمة ومحلّ تخبّط بل وأيضًا محلّ مواربة، وفي البال واقعة منع سماع فيروز في كافيتيريا كلّيّة الآداب بالجامعة اللبنانيّة في بيروت، عقب تمكّن طلّاب أحد الأحزاب الدينيّة في تسعينيّات القرن المنصرم من الفوز بمجلس فرع الطلاب… “ممنوع الأغاني بالجامعة… الأغاني حرام!!”. يا لتلك المسيّرات التي تردّد بدورها وعلى طريقتها الخاصة إن سماع فيروز حرام.

قد تكون تلك المسيّرات الصباحيّة واقعة قذرة تريد بث الآتي: إنّ فيروزكم هي الموقّت وأنا الدائم الحضور..لكن هي بنهاية الأمر فعل إسناد لقصف السكون والأمان، ولكلّ ما يمكن أن تبثّنا إيّاه شجرات الحور العتيق، ورمل الطريق

“كيفك إنت…؟” لطالما خمّنتُ أن فيروز تسألني شخصيًّا هذا السؤال على وقع ذكرى كلّيّة الآداب تلك، وعلى وقع صوت المسيّرات، بيد أن زخم السؤال لا يلبث أن يخفت لدى تردادي مع فيروز “أنا عندي حنين ما بعرف لمين”… فأنا أيضًا “عندي حنين ما بعرف لمين”. ربما هو حنين إلى انتماء آخر، حنين إلى العيش بطمأنينة مؤجّلة على الدوم، وأيضًا حنين لأن تكون تلك الذكرى مجرّد وهْمٍ وأيضًا أصوات المسيّرات.

حقّي في كره الحرب

في ردّها على الدعاوى التي أقيمت ضدّها على خلفيّة نشرها الرائعة الروائيّة “فتيان الزنك” قالت الكاتبة البلاروسيّة سفيتلانا اليكسيفيتش: “ما الذي يجب أن أدافع عنه؟ أنا أدافع عن حقّي في رؤية العالم كما أحبّ أن أراه…”.

ربّما رغبة المرء بأن يختلي بفيروز صباحًا تستبطن جواب اليكسيفيتش أعلاه… ربّما سماع فيروز عند الصباح ينطوي على رغبة عارمة بأن يرى المرء العالم كما يحبّ أن يراه مع الملاحظة على أن صاحبة “فتيان الزنك” تنهي جوابها بالقول: “أدافع عن حقّي في كره الحرب”.

قد تكون تلك المسيّرات الصباحيّة واقعة قذرة تريد بث الآتي: إنّ فيروزكم هي الموقّت وأنا الدائم الحضور… قد تكون وسيلة البعض للفوز بجنة النعيم عبر استجرارها والموت تحت الأنقاض… وقد تكون وربّما تكون!! لكن تلك المسيّرات هي بنهاية الأمر وبدايته فعل إسناد لقصف السكون والأمان والطمأنينة، ولكلّ ما يمكن أن تبثّنا إيّاه شجرات الحور العتيق، ورمل الطريق، ونبعة الميّ، وأهالي الحيّ…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى