“صُنع في الجنوب” مشروع شبابي يتحدى الحرب والدمار

في بلدٍ أنهكته الأزمات والحروب، لا تأتي المبادرات الفرديّة دائمًا من مؤسّسات أو “رؤوس أموال”، بل كثيرًا ما تولد من الحاجة، ومن الإصرار على البقاء وقوفًا على رغم كلّ شيء. حسين أحمد حايك، شاب في الـ 22 من عمره من بلدة كفرتبنيت قرب النبطية، التي لم تكن بمنأى عن التداعيات المباشرة للحرب، إذ تعرّضت إلى أضرار مادّيّة كبيرة، دمّرت عديدًا من المنازل، وتضرّرت فيها البنى التحتيّة الأساسيّة، بما فيها المدارس والشوارع والمحال التجاريّة.

عاش أبناء كفرتبنيت في ظلّ قلق دائم، مع انقطاع مستمرّ للكهرباء والمياه، وحال من عدم الاستقرار الأمنيّ كانت تضغط على كلّ جانب من حياتهم اليوميّة. هذه الظروف الصعبة دفعت كثيرين من شباب البلدة، مثل حسين، إلى البحث عن طرق لدعم عائلاتهم ومجتمعاتهم عبر مبادرات فرديّة ومشاريع صغيرة، تخفّف العبء الاقتصاديّ والاجتماعيّ الذي خلّفته الحرب، وهو يقدّم نموذجًا مختلفًا لريادة الأعمال، إذ تتحوّل الملابس إلى وسيلة تعبير، والاقتصاد الصغير إلى فعل حياة.

الانتقال إلى إنتاج جنوبيّ

حسين، طالب جامعيّ خريج كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية في بيروت قبل أربع سنوات. في خضمّ الأزمة الاقتصاديّة، ومع اشتداد الانهيار الماليّ، قرّر حسين إطلاق مشروعه الخاصّ لبيع الملابس المستعملة المستوردة (Second Hand) ، في محاولة لتخفيف العبء الماليّ عن والده، وتأمين مصروفه الجامعيّ في بيروت.

يقول حسين لـ “مناطق نت”: “المشروع نجح في تحقيق هدفه الأوّل، الحمد لله قدرت ساعد بيّي كثيرًا وريّحته”. لكنّ الطموح لم يتوقّف عند هذا الحدّ، ففي تمّوز (يوليو) العام 2023، وقبل اندلاع الحرب الأخيرة، أطلق أوّل مجموعة ملابس خاصّة به، تحت اسم The Place Is Yours  (المكان لك). منذ البداية، كانت الفكرة واضحة: كلّ شيء يُصنَّع في الجنوب، من الكنزة إلى التغليف، مرورًا بالتصوير واختيار العارضين.

لكن في أحيان كثيرة تجري الرياح بعكس ما تشتهي المشاريع، فمع توسّع الحرب في أيلول (سبتمبر) 2024، انقلبت الأمور رأسًا على عقب. ومع ذلك، وبعد انتهائها بأسابيع قليلة، عاد حسين إلى المعامل الجنوبيّة وقرّر استثمار كلّ مدّخراته في إنتاج “هوديز” جديدة. هذه المرّة، حمل التصميم رمزًا مباشرًا للحرب: سيّارته، ولكن مكسّرة. إلى جانبها، بقي الشعار نفسه: The Place Is Yours، الذي تحوّل من فكرة متجر “المكان مكانك” إلى رسالة أعمق: الأرض أرضك، والمكان لك، على رغم الدمار.

صُنع في جنوب لبنان

على رغم ارتفاع الكلف بعد الحرب، أبقى حسين الأسعار على ما هي عليه: 40 دولارًا للـ “هودي” و30 دولارًا للـ “تيشيرت”. بالنسبة إليه، الرسالة أهمّ من الربح. الإقبال كان لافتًا، والمشروع لم يتوقّف لا في أثناء الحرب ولا بعدها.

في مجموعاته الأخيرة، اختار أن يكتب بوضوح: “صُنع في جنوب لبنان”. يشرح حسين أنّ هذه العبارة لم تكن تفصيلًا تسويقيًّا، بل كانت موقفًا. فبينما ترفع كثير من العلامات شعار “صُنع في لبنان” كعنوان للفخر، أراد هو أن يكون الجنوب حاضرًا بالاسم، دعمًا للمصانع الجنوبيّة التي تضرّرت جرّاء الحرب والركود الاقتصاديّ. “عنّا نوعيّات منيحة وقادرين نقدّم منتج عالي الجودة مثل أيّ براند”، يقول حسين.

البعد الشخصيّ حاضر بقوّة في تجربة حسين. فوالده، الذي يصفه بـ”المناضل”، تضرّرت مصالحه وأعماله في الجنوب بسبب الحرب. لذلك يرى في مشروعه وسيلة لدعم العائلة وترميم جروح الحرب، من تأهيل المنزل وتحمّل جزء من المسؤوليّة المادّيّة. وفي الوقت نفسه، خصّص جزءًا من عائدات المشروع لدعم عائلات متضرّرة من القصف في محيطهم، في محاولة للمساهمة، ولو بشكل محدود، في إعادة ترميم بيتهم أو تأمين مصاريفهم.

أبعد من قماش

اليوم، تكاد المجموعات تنفد فور طرحها، والطلبات تصل من مختلف المناطق اللبنانيّة، إضافة إلى بلدان عدّة مثل فرنسا، الولايات المتّحدة، كندا، سويسرا، السعوديّة والكويت. لكنّ التجربة لا تتوقّف عند قطعة ملابس. مع كلّ طلبيّة، يحرص حسين على إرفاق “رمز”؛ مرّة غصن زيتون مقطوف من أرض بيته، ومرّة أخرى قطع زجاج مكسور من نوافذ منزله المتضرّر. الهدف، كما يقول، أن يعيش الزبون تجربة، وأن يشعر بشيء أبعد من القماش.

من هنا، تتحوّل المبادرة إلى موقف سياسيّ – إنسانيّ. حسين يتحدّث عن “تعتيم إعلاميّ” على ما يجري يوميًّا في الجنوب والبقاع: استهدافات، تهديدات، قلق دائم وطائرات في السماء على مدار الساعة. بالنسبة إليه، “المقاومة ليست شكلًا واحدًا، هي سلاح، نعم، لكنّها أيضًا فكرٌ وثقافة وسياسة”. وما يقوم به يعتبره “شكلًا من أشكال المقاومة المدنيّة: أن تنتج، أن تبقى، أن تقول قصّتك بطريقتك”.

في بلدٍ تحوّل فيه الصمود إلى عبء يوميّ، يقدّم حسين حايك مثالًا عن جيل يحاول أن يعيد تعريف المقاومة بعيدًا من الشعارات الجاهزة. من خلال مشروع صغير، ورسائل مطبوعة على الملابس، يثبت أن الفعل الفرديّ يمكن أن يكون مساحة مواجهة، وأنّ كلّ من يشتري، أو ينشر، أو يدعم، يصبح شريكًا في هذه المقاومة الصامتة. ففي لبنان، كما يقول حسين، “ما فيك ما تكون مناضل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى