طارق آل ناصر الدين رحيل شاعر يشبه قصيدته بموته وحياته

“وشو الموت؟
غلطة نوم
ولعبة زمن غدار إيدو جارحة
بيقروا عليك الفاتحة
بيكون عمرو اليوم
بيصير عمرو مبارحة”
أكثر الشعراء شبهًا بقصيدته
يكاد يجمع المشاركون في تشييع الراحل الكبير، الشاعر الأمير طارق آل ناصر الدين التنّوخي، إلى مثواه الأخير في بلدته الجبليّة الوادعة كفرمتّى (الشوف)، على أنّه من أكثر الشعراء شبهًا بقصيدته، في موته كما كان في حياته، وهو مسجّى كأنّه نائم لا راحل، مرتاح على رغم ما اعتصر قلبه من ألم لشحّ الأمل، بعد الأحداث الأخيرة وما يحدث في الأمّة التي آمن بها وبوحدتها وعروبتها ولغتها، وأفنى عمره صارخًا لأجل فلسطينها ولبنانها وسورياها وناصرها ومصرها، ولأرضها المتهادية من المحيط إلى الخليج، وحقّ له على رغم ذلك أن ينام مرتاح البال، بعد أن أدّى قسطه إلى العلى شعرًا وشعورًا ونثرًا ونقلًا لجيل “آمنت فيه وسلّمته الأمانة مطمئنًّا لمستقبل الشعر واللغة”.
يُعدّ آل ناصر الدين من أبرز الأصوات الشعريّة اللبنانيّة، التي جمعت بين اللغة العميقة، والفكر التأمّليّ، وبين العمق والمباشرة، في آن معًا، في طرح القضايا الوطنيّة والعربيّة والإنسانيّة. يمثّل شعره تجربة إنسانيّة متكاملة، تتنقّل بين الفصحى، الزجل، والمحكيّة، لتعكس الهويّة والانتماء والصراع الداخليّ للإنسان مع الزمن والمجتمع.
يكاد يجمع المشاركون في تشييع الراحل الكبير، أنّه من أكثر الشعراء شبهًا بقصيدته، في موته كما كان في حياته، وهو مسجّى كأنّه نائم لا راحل
على الصعيد الشخصيّ، كان ناصر الدين ممّن دعموا تجربتي الشعريّة، جنبًا إلى جنب مع الراحل بلال شرارة، الشاعر غسّان مطر، والفنّانة التشكيليّة خيرات الزين، أطال الله بعمرهما وغيرهم. هذا الدعم كان له أثر عميق على تجربتي الأدبيّة، إذ علّمني أنّ الشعر تجربة جماعيّة، وأنّ التوجيه الصادق جزء لا يتجزّأ من صقل الشاعر، ما جعلني أنقل ما حمّلوني إيّاه لمن بدأوا يخطّون مشيهم الأوّل في عالم القصيدة.
كذلك شاركت مع الراحل في الهيئة الإداريّة لـ “لحركة الثقافيّة في لبنان”، وفي الهيئة التأسيسيّة لـ “بيت الشعر في لبنان”، ناهيك بدوره في إطلاق وفي دعم فكرة ومشروع “ملتقى أصل الحكي” وعدم تردّده في المشاركة بنشاطاته.
السياق الأدبيّ والفكريّ
نشأ شاعرنا في كفرمتّى ببيئة شعريّة وثقافيّة غنيّة، فوالده هو الأديب والعالِم اللغويّ نديم آل ناصر الدين، وجدّه الشاعر الكبير أمين آل ناصر الدين (صاحبا جريدة الصفاء)، وهذا ما مكّنه من مزج التراث الأدبيّ العائليّ مع التجربة الفرديّة، وهو القائل “لم يجدني الشعر يتيمًا فآوى أو ضالًا فهدى، بل كان قدري أن أولد في بيت الشعر”. البيئة الجبليّة في كفرمتّى والطبيعة المحيطة والتقاليد العائليّة الثقافيّة، شكّلت أرضيّة صلبة لتطوّر حسّه الشعريّ، وجعلته يرى الشعر ليس مجرّد كلمات، بل كيان حيّ يعكس الانتماء والهويّة، وهو الذي يتنفّسه كالهواء متفاعلًا ومنفعلًا به، ومرتجلًا له، عموديًّا فصيحًا أو زجليًا عامّيًّا”، وهو القائل:
«أحبّائي أنا في الحبّ دائي
ولن أشفى فموتي في شفائيّ
ويوم لو يمرّ بدون شعر
أحسّ بأنّه يوم انتهائي»
تميّز بقدرته على التكيّف بين الفصحى والزجل والمحكيّة، مع الحفاظ على البعد الفكريّ والفلسفيّ. فالزجل عنده لم يكن مجرّد لغة شعبيّة، بل أداة للتعبير عن التجربة الإنسانيّة بطريقة قريبة من المتلقّي، ما جعله صوتًا شعبيًّا وفكريًّا في آن واحد. كذلك فإنّه كان لمّاحًا سريع البديهة، يرتجل العموديّ الفصيح، كما الزجل بسرعة قياسيّة عند أيّ موقف يجري أمامه، وطبعًا اشتهر بإخوانيّته التي كان يمازح بها أحبّته وأصدقاءه.
نتاجه الشعريّ كبير جدًّا من قصائد منشورة أو لم تنشر بعد، وقد ضمّنها عديدًا من الكتب أبرزها “رباعيّات الحكّام”، “قصائد ضاحكة”، “قصائد مؤمنة”، “حبّ وحبّ”، “العائد من كلّ الأشياء”، “تابعوا موتنا” و”أماكن الروح”….
التجربة الشعرية والأسلوب
كان ناصر الدين شاعرًا متعدّد الأبعاد، متحرّكًا بين:
العموديّ: للحفاظ على التقاليد الشعريّة والوزن المتقن، وللتعبير عن مواقفه الوطنيّة والعروبيّة.
« يا وحدة قتلوها بعدما شربوا
من ضَرعِها والتقى الكلاّب والكَلِبُ..
أنا ابن ثأرٍ ولن أبكي فقاتلها
ما زال حتّى تراب القبرِ يَغْتَصِبُ
دمشق مدِّي إلى جرح العراق يدًا
تنام عينُك والنيران تلتهبُ؟
والنيلُ في قبضةِ السجَّان مذ نَعِسَتْ
تلك النواطيرُ والصحراءُ تغتربُ
ومغربُ ابنِ زيادٍ فُتَّ في يده
فراح يجرحُ عينيهِ وينتحبُ»
التفعيلة: لتوسيع التعبير وإتاحة المجال للتجريب الشعريّ.
«يا هذا الزمن المنحوس
يا زمنًا لا يوصلُ للسلطة إلاّ المهووس
أو المدسوس أو الجاسوس
من أجلِ البيت الأبيضِ مطلوبٌ من حاكمِنا الأسوَدِ،
أن يفتحَ حربَ بسوس
مطلوبٌ أن يصبحَ سعر الأطفال ِ
أقلُّ كثيرًا من مَهرِ عروسْ»
الزجل والمحكيّة: للتواصل المباشر مع الناس، ولإضفاء بعد يوميّ وواقعيّ على الشعر، وإعطاء الحسّ الفكاهيّ لحضوره اللطيف وهو القائل بالمحكيّة:
الفصحى خلقت قبل التِمّ
حتّى تشوف ال ما بينشاف
حِكْيِتْ مَرَّة، صارت دم
يرقص عا حكيا الشفاف
إم وبنتا لا تهتمّ
تنينُن حِبُّن، أوعى تخاف
الفصحى بوسة إيد الإمّ
والمحكيّة بَوْس شْفاف»
الثابت في كلّ هذه الأساليب كان المعنى والوجدان، حيث تخدم اللغة الفكرة ولا تتحكّم بها. كلّ صورة شعريّة تمثّل بوّابة لفهم الحياة والإنسان، وتكشف عن قدرة الشاعر على دمج التجربة الشخصيّة بالمجتمع والهويّة الثقافيّة.
الشعر والموقف الأخلاقيّ
لم يكن آل ناصر الدين شاعر مناسبة على رغم أنّه كان يكتب للمناسبات، بل كان شاهدًا ومشاركًا في الحياة. تناول في شعره: الانتماء الوطنيّ والهويّة الثقافيّة. الفقد والغياب، الانتظار والعودة. الإنسان في مواجهة الزمن والمجتمع، بين الصراع والأمل.
يظهر موقفه الأخلاقي دومًا في قصيدته، حيث تصبح الكلمة حقيقة وجدانيّة تُحكى بلغة بسيطة لكنّها عميقة مهما بدت أحيانًا مباشرة.
آل ناصر الدين شاعر كانت كلمته سلاحًا مؤلمًا، أوصلته إلى التعرُّض لأكثر من محاولة اغتيال. وهو الشاعر المؤرّخ الذي سجّل كلّ الأحداث التي عاصرها شعرًا وكأنّه وسيلة إعلاميّة كاملة متكاملة في رجل أو في قصيدة.
الإرث والأهمّيّة
إرث طارق آل ناصر الدين والذي يشمل الفصحى والعامّيّة، يجمع بين الجمال اللغويّ، الهمّ الوطنيّ، والبعد الإنسانيّ والعلاقات الاجتماعيّة. شعره يثبت أنّ الكلمة ليست ترفًا، بل وسيلة للتواصل والوجود. هو شاعر الجذر، شاعر الذاكرة، والشاعر الذي حوّل الكلمة إلى جسور بين الماضي والحاضر والمستقبل قولًا وفعلًا، بين الفرد والمجتمع، وبين الواقع والحلم.
تجربة طارق آل ناصر الدين تمثّل نموذجًا للشاعر الملتزم بالهويّة والفكر، الذي لا يفصل بين الشعر والحياة. الشعر عنده ليس مجرّد حروف، بل مسار وجوديّ كامل يجمع بين الانتماء والجمال، بين اللغة والروح، وبين الناس والحياة.
لعلّ أبلغ ما قد أقوله عن المير طارق آل ناصر الدين مقطعًا من قصيدة له يقول فيه:
“ع قد ما حكيو حلو
وع قدّ ما كانت بتلبقلو الحياة
لو جيت هلّأ تسألو
بيعرفش إنّو مات”



