علي مزرعاني يوثّق النبطية بين الخراب والذاكرة

في النبطية، مدينة الحجارة العتيقة والوجوه التي تشبهها، يقف المصوّر علي حسين مزرعاني متأمّلًا عاشقًا. لم يكتفِ بأن يكون مجرّد شاهد يوثّق لحظة عابرة، بل حمل على عاتقه شغفًا يشبه الوصيّة، أن يضمّد جراح المدينة التي عاش فيها بالصورة، وأن يحفظ ذاكرتها من النسيان.
في كتابه الجديد “النبطية والتراث المعماريّ المفقود قبل وبعد العدوان” (الصادر عن دار الفارابي، الطبعة الأولى – أيّار 2025، 78 صفحة من الحجم الموسوعي العريض، مزدانة بصور ملوّنة وأخرى شاحبة)، يستكمل مزرعاني، بصفته جامعًا وشاهدًا بالصورة والمعلومة، مشروعه التوثيقيّ عن مدينة النبطية، مبرزًا هذه المرّة حجم الخراب الذي خلّفه العدوان الإسرائيليّ.
يضمّ الكتاب مجموعة من الصور ما قبل العدوان وما بعده، بدءًا من شوارع وأحياء النبطية، إلى سوقها التجارية ومحالّها وبيوتها التراثيّة العريقة التي يعود كثير منها إلى الحقبة العثمانيّة. فما قبل الـ 23 من أيلول (سبتمبر) 2024، تاريخ بدء العدوان، ليس كما بعده. كثيرة الصور التي التقطها المؤلّف بعدسته، إنّما استعان ببعض صور أخرى موقَّعة بأسماء مصوّرين آخرين استطاعوا توثيقها على رغم قسوة العدوان.

صورة شاهدة على المجزرة
على غلاف الكتاب صورة لمنزل “سعيد شاهين” الكائن في حيّ الميدان في النبطية، ذلك المنزل الذي أزاله العدوان الإسرائيلي عن الوجود، شأنه شأن عديد من البيوت التراثيّة الباقية في المدينة. يشير مزرعاني إلى أنّ هذا البيت أتمّ قرنًا كاملًا من عمره هذا العام، وهو نموذج للعمارة اللبنانيّة التقليديّة بما يحمله من قناطر أنيقة، وقرميد أحمر، وبركة سداسيّة الزوايا.
كان تدمير الوسط التجاريّ بمثابة ضربة قاضية قسمت ظهر المدينة؛ صدمة لا تزال آثارها حيّة حتّى اليوم. أعجزت كثيرين عن المشي في شوارع السوق أو الاتّكاء على ذاكرة تعرف معالمه كلّها، تلك المعالم التي غيّرها الواقع القاسي.
تقف الصورة شاهدةً على المجزرة التي ارتكبها العدوّ في النبطية، المستفحل ظلمًا وعدوانًا، بعد أن أحال سوقها العريقة، بمحلاتها المقنطرة، إلى ركام فوق ركام.
بين ذاكرة الأمس وركام اليوم
يفتتح مزرعاني مقدّمة كتابه بالعودة إلى تاريخ النبطية الضارب في القدم، والذي يمتدّ إلى ما قبل الميلاد، مستندًا إلى اللقى الأثريّة المكتشفة في المغاور المدفنيّة. وكأنّه يمسك بيد القارئ ليرشده إلى الطريق، مذكّرًا إيّاه أنّ النبطية ليست ابنة اليوم.
يوثّق الكتاب العدوان الذي بدأ في أواخر أيلول 2024 وما زال مستمرًا بغاراته التدميريّة، ممعنًا في طمس معالم عمرانيّة ذات قيمة اجتماعيّة وتراثيّة
يوثّق الكتاب العدوان الذي بدأ في أواخر أيلول 2024 وما زال مستمرًا بغاراته التدميريّة، ممعنًا في طمس معالم عمرانيّة ذات قيمة اجتماعيّة وتراثيّة مرتبطة بذاكرة المدينة وهويّتها. وقد حرص مزرعاني على إرفاق كل صورة بنصّ توضيحيّ موجز.
في حديث إلى “مناطق نت” يقول المؤلّف حسين مزرعاني: “الكتاب يضمّ صورًا تقارن بين النبطية كما كانت منذ نحو أربعين عامًا، وكيف أصبحت بعد الدمار”، ويضيف: “خلال رحلتي التصويريّة، عثرت على بعض البيوت التراثية التي نجت من العدوان أو أصيبت بأضرار، فسجّلتها بعدستي حتّى لا تضيع”.
تتمّة لذاكرة مهدّدة بالاندثار
يأتي هذا الكتاب امتدادًا لعمل سابق أنجزه مزرعاني في العام 2012 بعنوان “النبطية؛ ذاكرة المكان والعمران”، وثّق فيه البيوت العمرانيّة وتاريخ المدينة منذ ما قبل الميلاد حتّى مطلع القرن الواحد والعشرين، وأصبح مرجعًا مهمًّا لطلّاب العمارة في الجامعة اللبنانيّة.
غير أنّ معظم تلك البيوت اندثرت مع الزمن؛ بعضها بفعل الإهمال وتشتّت الورثة، وبعضها الآخر قضى عليه العدوان، ولعلّ ما بقي منها نجا بالصورة “كي لا تضيع ذاكرتنا ونفقد هويّتنا في هذا الزمن الصعب” يقول مزرعاني.

يقول مزرعاني أنّه نذر حياته، مذ كان فتى في الرابعة عشرة، لتوثيق تاريخ النبطية. غطّى حروبًا واجتياحات وأحداثًا ثقافيّة وسياسيّة وأنشطة اجتماعيّة، معتبرًا هذا العمل واجبًا يفرضه على نفسه في ظلّ تراجع الاهتمام المحلّيّ بالتوثيق والأرشفة.
على مرّ السنوات، بنى مزرعاني أرشيفًا متكاملًا للنبطية بالصورة والوثيقة والنصّ. يقول: “التوثيق هو لحفظ الذاكرة المعنويّة في مواجهة الدمار المادّيّ، ولدرء ضياع السرديّة التاريخيّة منعًا لأيّ تشويه في الحاضر أو المستقبل”.
يمكن القول إنّ مزرعاني هو موثّق النبطية في القرن العشرين وما بعده، متابعًا مسيرة قلّة كتبوا عنها؛ من الشيخ سليمان ضاهر والشيخ أحمد رضا إلى محمّد جابر آل صفا، ممّن وثّقوا يوميات المدينة منذ نهاية العهد العثمانيّ حتّى بدايات الانتداب الفرنسيّ. وقد أصدر مزرعاني عدّة كتب عن النبطية منذ العام 1999.
الصورة ذاكرة لا تموت
يقول مزرعاني: “جئت لأتمّم هذه اليوميّات وأوثّقها بطريقة أكثر اتّساعًا وتنظيمًا وشمولًا. الصورة هي ركيزة أساسيّة في عالم التوثيق، تغني عن مواضيع كثيرة، وبالأخصّ إذا أرّخت لأشخاص وأحداث ويوميّات، فهي تُظهر النبطية غنيّة على جميع المستويات، وتبقى لتذكّر الأحفاد بالآباء والأجداد”.
راكم مزرعاني الصور واليوميّات على مدى رحلاته التصويريّة، واستطاع فرزها وتضمينها في كتب متنوّعة. لذلك نجد في هذا الكتاب صورًا لبيوت قديمة تحمل تواريخ بعيدة، منظّمة بدقّة تشير إلى حرص صاحبها على الترتيب والتوثيق المنهجيّ.

لا بُدّ للمطّلع على كتاب مزرعاني أن يشعر بغصّة أشبه بحشرجة الروح، حين يرى أبنية وعمارة بُنيت بجهد لتنهار فجأة وتصبح رمادًا، فـ “للدُّور روح كما الناس أرواح”، وهي العبارة التي استهلّ بها مزرعاني كتابه.
هنا نحكي عن ذكريات ممتدّة إلى حياة كانت تنبض، وعن مجتمع صاغ نفسه وروحه في المكان. تبدو المنازل المهدّمة كأشلاء منتزعة الروح، فيما الصور الملتقطة من زوايا متعدّدة، سواء من علوّ الوسط التجاريّ أو الشارع الرئيس الذي أحيل رُكامًا، تجعل المشهد يبدو وكأنّه من عالم آخر، عالم معدم الحياة لم تطأه المدنيّة. ولولا السيّارات المركونة وتحرّكاتها المتقطّعة، لظنّ القارئ أنّه أمام صورة من عهود سالفة.
تحمل الصور في كتاب مزرعاني كثيرًا من الحنين الممزوج بالألم، حيث يحتلّ الخراب المكان. المنازل والمصالح التجاريّة التي طالها القصف دمّرت بالكامل. هناك بيوت لا تعيش في ذاكرة أصحابها فقط، بل في ذاكرة كثيرين شهدوا جمالها وبساطتها، مثل منزل أبو شوقي نصّار، الذي أحالته الغارات إلى رماد.
فصلان من الألم والخراب
وأنجز مزرعاني كتابًا ثانيًا يروي يوميّات العدوان على النبطية وقضاء النبطية، ويشير إلى أنّه توثيقيّ مهمّ ينوي إطلاقه الشهر المقبل، تزامنًا مع الذكرى السنويّة لبدء العدوان الإسرائيليّ.
أنجز مزرعاني كتابًا ثانيًا يروي يوميّات العدوان على النبطية وقضاء النبطية، ويشير إلى أنّه توثيقيّ مهمّ ينوي إطلاقه الشهر المقبل
الكتاب مقسّم إلى فصلين، يوثّق أحداث العدوان وما تلاه من آثار وخراب. يحكي فيه المؤلّف كيف كان يقتنص الفرص خلال فترة نزوحه بعيدًا من النبطية، ليجمع كلّ فعل الغارات والقصف الهمجي الذي طال الأحياء والأبنية. ويعترف أنّ محتوى الكتاب مؤلم، “ولكن لا بدّ من توثيقه حتّى يدرك العالم مدى همجيّة العدوّ تجاه التراث والحجر في المدينة”.
يشير مزرعاني إلى أنّ بعض الأشخاص المهتمّين بالتراث والثقافة وتاريخ النبطية يساهمون في جزء من التمويل، بينما يُغطّى الجزء الآخر من خلال بيع النسخ. ويضيف: “لا توجد جهة معيّنة تموّل هذه الكتب، وهي كتب غالية؛ فمن يدرك قيمة الكتاب يساهم في تمويل صناعته”.
وهنا يطرح السؤال نفسه: أين دور وزارة الثقافة، الغائبة عن مشاريع كهذه، التي تحتاج إلى دعم حقيقيّ لما لها من مردود وطنيّ وتاريخيّ؟
توقيع الكتاب وتكريم المؤلف
قام الباحث علي مزرعاني بتوقيع كتابه الصادر عن دار الفارابي يوم الأحد الـ 10 من آب (أغسطس) الجاري، في مركز كامل يوسف جابر الثقافيّ في النبطية، برعاية الوزير ياسين جابر الذي أهدى مزرعاني درعًا تقديريّ باسم المركز، فيما أهدى مزرعاني نسخة موقّعة من كتابه للحضور.
وقد أشاد الشاعر هنري زغيب بأعمال مزرعاني في مقال نشر بجريدة النهار في كانون الأول (ديسمبر) 2024، قائلًا: “هو عمل، لو زاوله كلّ مؤرّخ أو حافظ تراث لمدينته أو بلدته أو ضيعته، لأزهر لبنان مشعًّا ومتوهّجًا دومًا في ذاكرة المستقبل”.