ماذا عن القلوب المرسومة على طاولات الدراسة وحديد الشاحنات والساحات؟

رسمتُ كثيرًا من القلوب في مراهقتي على طاولاتي المدرسيّة، الطاولات التي منعتنا الناظرة مرارًا وتكرارًا من الرسم عليها، ضمانًا لسلامتها على المدى الطويل، معتبرةً أنّ المقعد ليس ملكًا خاصًّا، بل هو لجميع الأجيال التي ستلينا.

المقعد نفسه الذي يحوي قلوب مئات التلامذة قبلي، حفروها بالبيكار إلى جانب أسمائهم، ولوّنوها بالأحمر القاني من أقلامهم، أو من انغراز الإبر في أجسادهم/ن.

كلُّ قلبٍ كان وعدًا بالأبديّة، تلك الأبديّة التي تأتي على حين غفلة؛ فغابت عن المقاعد وجوه كثيرات من صديقاتي لزواجهنّ أطفالًا.

كان القلب شغلنا الشاغل؛ من يحفر حرف اسمِه/ا وقد أُصيب قلبه/ا بسهمٍ خارق، هو/هي من يدخل إلى فردوس الحبّ.

وكنتُ بدوري طفلةً أبحث عن قلبٍ آخر يشبهني، يتشاركان التلصّص بالأعين من بعيد. وربّما لمسةُ أصابع عن طريق الخطأ، تسري نارها لتصل إلى العمق.

رحلة البحث عن قلب عاشق

كنّا نبحث عن قلبٍ عاشق، لا أكثر. من يحطّمه أو من يحتويه لا يهمّ، كانت تراجيديا القلوب هي الأمتع.

نرسل زهورًا حمراء، تعود إلينا بالمثل أو تُرفَض، يكفي أن يكون القلب عاشقًا؛ أمّا ما تبقّى فليس سوى تفاصيل تُروى، قرأتُها متتبّعةً سير القلوب في سلسلة روايات عبير وغادة وغيرهنّ.

لم يكن القلبُ البيولوجي في داخلنا، بمضخّاته وشرايينه غليظة الأسماء والمبهمة، هو هاجسنا كمراهقين/ات.

كان هاجسُنا قلبًا آخر؛ ثنائيَّ الفصوص، متناسقًا، أحمر داميًا. قلبًا تحوّل، مع أيقونات الفيسبوك والواتساب، إلى درجاتٍ من الألوان، والاختلافات والمستويات. فكيف صار هذا القلب، ذو الأيقونة الغريبة، هاجسًا كونيًّا؟ رابطًا بين قلبين وروحين؟ أليست الروح، أصلًا، تسكن القلب؟

أقود سيّارتي الصغيرة. تمرّ أمامي شاحناتٌ كثيرة، مزيّنة بالقلوب، العيون، والدموع، وبكلّ صنوف الهوى والغزل، وكليشّيهات الحبّ: “لو كانت القلوب تُهدى، لأهديتك قلبي”. جُملٌ نراها في كلّ مكان. في مدننا أيضًا، حيث ينتصب القلب بين الأنا واسم المدينة: (I ♡ Beirut).

فمنذ متى اقترن القلب بالحبّ؟ متى صارت الأيقونة لغةً كونيّة؟

أقود سيّارتي الصغيرة. تمرّ أمامي شاحناتٌ كثيرة، مزيّنة بالقلوب، العيون، والدموع، وبكلّ صنوف الهوى والغزل، وكليشّيهات الحبّ

من لوبركيليا إلى فالنتاين

تظهر أيقونة القلب في الـ 14 من شباط (فبراير) مع عيد الحبّ (فالنتاين)، حين يحتفل الأحبّاء، ويُرمز في هذه المناسبة إلى الحبّ الدائم بالقلوب الحمراء.

على رغم الاعتقاد الشائع بأنّ عيد الحبّ اختراع الثقافة الحديثة، فإنّ تاريخه أقدم بكثير. فهناك قدّيس يُدعى فالنتاين، أو ربّما اثنان من القرن الثالث مسجَّلان في سجلّات الشهداء الرومان، أُدرج أحدهما في التقويم الكاثوليكيّ العام 496 على يد البابا جيلاسيوس، وأصبح يُحتفل به في الـ 14 من شباط. ويُرجع بعض المؤرّخين سبب ارتباطه بالحبّ إلى عيد رومانيّ يُسمى “لوبركيليا” كان يُحتفل به في 15 شباط قبل ظهور المسيحيّة.

خلال القرن الخامس عشر، كانت كلمة “فالنتاين” تشير عادة إلى إعلان الحبّ المرسل إلى المحبوب، غالبًا على شكل رسالة مكتوبة بخطّ اليد. ولم تكن الهدايا في البداية تتجاوز بضع قصائد، لتتحوّل تدريجًا إلى الشكل الشائع اليوم بطابعها الاستهلاكيّ.

يُحتفل حاليًّا بعيد الحبّ (فالنتاين) في كثير من بلدان العالم، مع اختلافات عديدة في طرق الاحتفال. هذا وتتوسّع الدائرة التي يشملها مفهوم القلب والحبّ يومًا بعد يوم، وتختلف النظريّات حوله.

القلب قِدَم العالم

كان المصريّون القدماء يعتقدون أنّ القلب هو مركز الروح، ويُوزن بميزان عند الموت. أمّا الإغريق، فقد ربطوا بأشعارهم بين القلب والحبّ في تصوّراتٍ لفظيّة لم يكن لها معادل بصريّ في حينه. فكانت الشاعرة “سافو” تعبّر عن الأسى والحزن على “قلبها المجنون” الذي يرتعش من شدّة الحبّ. وقد عاشت سافو خلال القرن السابع قبل الميلاد في جزيرة ليسبوس، محاطةً بتلميذات كتبت لهنّ قصائد عاطفيّة، لا نعرف حاليًّا منها إلّا شذرات، ويُرجَّح أنّها تناولت الحبّ المثليّ (lesbian)، وتعود نشأة المصطلح إلى جزيرة ليسبوس.

وقد اتّفق الفلاسفة الإغريق على أنّ القلب يرتبط، على نحوٍ ما، بأقوى عواطفنا، بما في ذلك الحبّ. ولم يُجادل أفلاطون حول الدور المهيمن للصدر في تجربة الحبّ، بل جادل أيضًا حول المشاعر السلبيّة المتمثّلة في الخوف والغضب والغيظ والألم، ورسّخ في كتابه “تيماوس” سيادة القلب على الحياة العاطفيّة للجسد بأكمله. ووسّع أرسطو دور القلب أكثر، مانحًا إيّاه السيادة على جميع التصرّفات الإنسانيّة؛ فليس القلب مصدر اللذّة والألم وحسب، بل موطن الروح الخالدة.

أمّا الديانات التوحيديّة فأبدت حذرًا من القلب العاشق. وباستثناء سفر “نشيد الإنشاد” في التوراة، لم يكن الحبّ الحسّيّ مستساغًا. فقد ساهمت المسيحيّة في ظهور القلب كعضوٍ يتلقّى كلمة الله، قلبًا نقيًّا مكرّسًا للمسيح، وقد رُوِّج لهذا الحبّ بوصفه منافسًا أسمى من الحبّ الشهوانيّ.

وعلى الرغم من المعارضة، وجد إله الحبّ، إيروس، طريقه إلى الخلوات الرهبانيّة وخلوات المتصوّفة، حيث تشابهت لغة التواصل مع الله بلغة العشّاق، بما فيها من حميميّة، كما لو كانت خارجةً من الروايات الرومانسيّة في ذلك العصر.

تاريخ وجدانيّ للقلب

لم يتحوّل القلب إلى مجرّد مضخّة للدم إلّا مع علماء عصر النهضة. ففي كتابها “القلب العاشق: تاريخ غير تقليديّ للحبّ”، تتتبّع الكاتبة النسويّة مارلين يالوم صورة القلب عبر التاريخ، في تحوّلاته المختلفة، قبل أن يستقرّ على شكله المتعارف عليه اليوم.

يذكر الشاعر كاتولوس في إحدى قصائد الغزل نبتة السيلفيوم، وهي نوع من الشمّر العملاق المنقرض، وتشبه بذرتها إلى حدّ بعيد أيقونة القلب الحديثة. وقد ظهرت هذه البذرة على عملات معدنيّة قديمة من مدينة قورينا (القيروان) في ليبيا القديمة، المدينة التي ازدهرت اقتصاديًّا بفضل تصدير هذا النبات، الذي عُدّ في العالم القديم من أشهر وسائل منع الحمل ومحرّضًا على الإجهاض.

وتظهر على عملات قورينيّة أخرى امرأة تلمس نبات السيلفيوم بيد، وتشير إلى أعضائها التناسليّة باليد الأخرى. وترى يالوم أنّ هذه الفصوص المستديرة، تثير على مستوى اللاوعي، إيحاءات جنسيّة مرتبطة بالثديين والردفين، أو أنّها لم تكن سوى زخارف مستوحاة من أوراق النباتات كاللبلاب. وهكذا، ظهرت أشكال القلب في بداياتها كعناصر زخرفيّة قبل أن تتحوّل إلى رمز للحبّ.

الديانات التوحيديّة أبدت حذرًا من القلب العاشق. وباستثناء سفر “نشيد الإنشاد” في التوراة، لم يكن الحبّ الحسّيّ مستساغًا

ومن أغرب المعتقدات ربطُ رحم الأنثى بالقلب. فبما أنّ القلب عُدّ مقرّ الحبّ، والرحم حاملًا لنتاج ممارسته، أُسقطت على الرحم صفات نُسبت تقليديًّا إلى القلب، كالحبّ والفرح والتقبّل.

برزت أيقونة القلب كرمز للحبّ للمرّة الأولى في العصور الوسطى، في الأعمال الفنّيّة الدنيويّة والدينيّة، ثمّ انتشرت في المجوهرات والمفروشات والمنحوتات المخصّصة للطبقات الراقية، قبل أن تصبح رمزًا مشتركًا بين جميع أفراد المجتمع. وتُعدّ إحدى رسومات جان دي غريز أوّل تمثيل واضح للقلب بوصفه رمزًا للحبّ الدنيويّ، حيث ترفع امرأة قلبًا تلقّته من رجل يقف أمامها، بينما يشير إلى صدره، في مشهد زخرفيّ، رأى بعضهم أنّ شكل القلب فيه أقرب إلى القضيب.

من القلب إلى اليد

تاريخيًّا، ارتبط مفهوم القلب بالحبّ إذًا، أمّا اليد بالزواج، ولا تزال الممارسات المرتبطة بالقلب واليدّ إلى يومنا هذا (من خلال طلب اليدّ). في حين اعتقد أنّ لخاتم الزواج، الذي يُعطى للعروس لتضعه في إصبعها الرابع، علاقة خاصّة بالقلب.

ويعود هذا التقليد إلى روما القديمة، حيث كانت الوصيفة تجمع اليد اليمنى للزوجين خلال حفل الزفاف، وتقدّم للعروس الخاتم الذي سترتديه طوال حياتها الزوجيّة. أحيانًا كان الخاتم يحمل صورة يدين متشابكتين، دلالة على عقد الزواج.

وقد سجّل القانون الرومانيّ اليد كرمز للزواج، إذ كان هناك نوعان من الزواج: cum manu أيّ “مع اليد”، حيث تصبح المرأة جزءًا من عائلة زوجها تحت سلطته، وsine manu أيّ “بدون اليد”، حيث تظلّ المرأة تحت وصاية والدها وتحافظ على حقوقها في الميراث قبل الزواج.

لذا كان إعطاء المرأة يدها للزواج يعني حرفيًّا تسليمها بالكامل إلى شخص آخر، ما يعكس تقسيمًا جندريًّا يمنح “العقل الذكريّ” سلطة على “القلب الأنثويّ”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى