ماذا عن توجّهات “التغييريّين” للانتخابات البلديّة في بيروت وبعلبك وصور؟

قبل أسابيع قليلة من انطلاق الانتخابات البلديّة المرتقبة في مطلع شهر أيّار (مايو) المقبل، بدأ الحديث الانتخابيّ والعمل على تشكيل التحالفات واللوائح يظهر تباعًا في معظم المناطق، وبدأت معه الاتّصالات بين مُختلف قوى التغيير لحسم توجّهاتها تجاه المُشاركة الفاعلة في هذه الإنتخابات، التي يرى فيها البعض “نموذجًا” للانتخابات النيابيّة التي ستُجرى العام المقبل. ولا شكّ في أنّ الوقت ما زال مبكرًا على حسم شكل اللوائح النهائيّة، إلّا أنّه يمكن ملاحظة أنّ الاتصالات ما بين هذه القوى تأخذ بعين الاعتبار خصوصيّة كلّ منطقة وطبيعة المعركة الانتخابيّة فيها.

بيروت أمّ المعارك

وتحمل الانتخابات البلديّة في بيروت أهمّيّة خاصّة، ليس فقط لأنّها العاصمة، بل لأنّها المؤشّر الأكبر على توجّهات الناخبين نتيجة الاختلاط الحزبيّ والطائفيّ الذي تتميّز به. وكانت نتائج انتخابت العام 2016 قد أسفرت عن حصد لائحة “بيروت مدينتي” نحو 32 ألف صوت من أصل 92 ألف مقترع، أيّ أكثر من الثلث بقليل. وقد نجحت في حصر الفارق مع لائحة “البيارتة” المدعومة من مختلف الأحزاب بسبعة آلاف صوت، إذ تلقّت أحزاب السلطة آنذاك صفعة قويّة مع نيلها نحو 43 ألف صوت فقط، وهو ما مهّد الطريق لتمكّن قوى التغيير من حصد ثلاثة مقاعد نيابيّة في الانتخابات الأخيرة.

انطلاقًا من ذلك، تشخص الأنظار إلى شكل اللوائح والتحالفات في هذه الدائرة. ويلفت النائب إبراهيم منيمنة، في حديث لـ “مناطق نت”، إلى أنّه “من حيث المبدأ نقوم بالتشاور مع حلفائنا من القوى السياسيّة حول كيفيّة تشكيل لائحة تتمكّن من إيجاد توازن بالمشهد الانتخابيّ على المستوى البلديّ، ويكون لدينا بديل حقيقيّ يقدّم خيارات واضحة للناس، مع المحافظة على أعراف المناصفة بين المسلمين والمسيحيّين، ولكن بطرح جدّيّ لإدارة المدينة وإيجاد الحلول التي تحتاجها”.

النائب ابراهيم منيمنة

ويؤكّد منيمنة أنّ “نقطة الانطلاق هم حلفاؤنا الذين نتشارك معهم الخطّ السياسيّ، ولكنّ مشهد التحالفات الانتخابيّة النهائيّة لم يتّضح بعد، فالتحالف مع القوّات والكتائب وحتّى الثنائيّ الشيعيّ ما زال ضمن دائرة النقاش، وليس لدينا موقف من أيّ قوى سياسيّة”.

وحول عنوان المعركة، إن كان سياسيًّا أو إنمائيًّا، يوضح منيمنة أنّ “المعركة الانتخابيّة بالنسبة لنا هي إنمائيّة ببرنامج بلديّ واضح ويمكنها تقديم حلول للناس، فالسياسة ليست مجرّد شعارات وانقسامات واستقطاب، ومعركتنا اليوم هي معركة إيجاد بديل سياسيّ، لكن من خلال برنامج إنمائيّ للمدينة”.

في المقلب الآخر

في المقابل، فإنّ قوى السلطة التي توحّدت في انتخابات 2016 تواجه في هذه الانتخابات تحدّيات تتمثّل بتباعدها، وتفرّق معظمها بعد الانتخابات النيابيّة الأخيرة، وغياب أيّ مرجعيّة سياسيّة قادرة على جمع معظم القوى في لائحة واحدة، لا سيّما بعد تعليق تيّار المستقبل، الذي يُعدّ اللاعب الأبرز على الساحة البيروتيّة، عمله السياسيّ.

من هنا سيكون لموقف التيّار في هذه الانتخابات انعكاس واضح على نتائجها. ووفقًا لمصادر خاصّة بـ “مناطق نت”، فإنّ التيّار الأزرق حسم خياره بخوض المعركة البلديّة في بيروت، إلّا أنّه ما زال متريّثًا في إطلاق ماكينته الانتخابيّة.

منيمنة: المعركة الانتخابيّة بالنسبة لنا هي إنمائيّة ببرنامج بلديّ واضح ويمكنها تقديم حلول للناس، معركتنا اليوم هي معركة إيجاد بديل سياسيّ، لكن من خلال برنامج إنمائيّ للمدينة

بعلبك: مساعٍ لجمع المعارضة

من بيروت إلى بعلبك حيث تختلف الصورة الانتخابيّة في المدينة التي يسيطر تحالف حزب الله – حركة أمل وحلفائهما على مجلسها البلديّ. فالمدينة التي تُعاني من أزمات إنمائيّة وخدماتيّة واضحة، لم تتمكّن أيّ من المجالس البلديّة السابقة من إجراء تغيير جدّي فيها يرتقي بها إلى مصاف المدن السياحيّة لما تحمله من خصائص.

في هذا الصدد، يؤكّد أستاذ العلوم التربويّة في الجامعة اللبنانيّة وعضو مجلس بعلبك الثقافي، الدكتور عماد سماحة، في حديث لـ “مناطق نت”، أنّ “الثنائيّ الشيعيّ أعلن في بعلبك تحالفاته الذي سيضمّهما إلى جانب الحزب القوميّ الاجتماعيّ وحزب البعث وجمعيّة المشاريع الخيريّة الإسلاميّة (الأحباش)”، مضيفًا: “المشكلة في أنّ حزب الله يتعامل مع رئاسة البلديّة باعتبارها جائزة ترضية للعائلات الكبيرة، ممّا يجعله يُقسّم الولاية البلديّة إلى فترتين تترأس عائلتين خلالهما المجلس البلديّ (ثلاث سنوات لكلّ منهما)، ومن المرجّح أن يستمرّ هذا النهج في الانتخابات المقبلة، إذ يبدو أنّهم عازمون على اقتسام الولاية بين عائلتي مرتضى وطفيلي”.

ويوضح سماحة أنّه في المقابل، “فإنّ العمل جارٍ على توحيد المعارضة في لائحة ضدّ هذا التحالف، وهناك حرص كبير على الوصول إلى هذه النتيجة، فالثنائيّ الشيعيّ أثبت فشله الكامل في إدارة المدينة، وهناك حراك بدأ ونحن في صدد الدعوة إلى لقاء يجمع كلّ المكوّنات البعلبكيّة لمناقشة هذا الأمر. لذا، نأمل أن تتشكّل لائحة معارضة واحدة جدّيّة وفي حال تعدّد اللوائح سنكون أمام مشكلة”.

فشل الأداء البلديّ

في الانتخابات الأخيرة العام 2016 كان الفارق بين آخر الفائزين وأوّل الخاسرين نحو ألف صوت، وتمكّنت لائحة المعارضة من نيل نحو 35 في المئة من مجموع المقترعين في حين نال تحالف الثنائيّ نحو 55 في المئة.

أمام هذه الأرقام، يرى سماحة أنّه “في حال اعتماد تقنيّات جديدة وفي مقدّمها الميغاسنتر، فإنّ ذلك من شأنه التخفيف من التزوير والترهيب والضغوط التي يلجأ إليها حزب الله. وبحسب تقديري فإنّ هناك إمكانيّة كبيرة لخرق لائحة الثنائيّ بخمسة مقاعد كحدّ أدنى، وهذا الخرق سينسحب على قرى بعلبك الهرمل، ولكن تبقى المعضلة في أنّ هذا الخرق ربّما لا يستطيع أن يُرتّب نتائج إيجابيّة على صعيد التنمية، إذ إنّ صاحب النهج الممسك بالقرار البلديّ سيبقى ممسكًا به”.

ويلفت سماحة إلى أنّ ” ثمّة غيابًا لأيّ حراك من تيّار المستقبل، ولكن يمكن أنّ يتوجّه إلى دعم اللائحة المعارضة”، مضيفًا أنّ “المواطنين بشكل عام غير مهتمّين بالاستحقاق الانتخابيّ لأن البلد بحال انهيار اقتصاديّ”. وفي ما يتعلّق بإمكانيّة الوصول إلى لائحة واحدة تفوز بالتزكية، يوضح سماحة أنّ “حزب الله سيطر على بلديّة بعلبك منذ 30 عامًا، و أدّى سلوكه خلال هذه المدّة الطويلة إلى إخفاقات على مستوى انعدام الخدمات والبيئة وغيرها. ويخطىء مرّة جديدة في تمسّكه بالبلديّة، في حين أنّ المطلوب نقاش مع جميع المكوّنات البعلبكيّة حول شكل البلديّة والتنمية المرجوّة”. ويردف “للأسف في جميع المناطق، الانتخابات البلديّة تأخذ طابعًا عائليًّا وسياسيًّا وحزبيًّا في حين أنّ البلديّة يجب أن تكون للتنمية فقط”.

صور ومعركة الإنماء

أمّا في مدينة صور، التي تُسيطر على مجلسها البلديّ حركة أمل (16 عضوًا) وحزب الله (خمسة أعضاء)، فتُشير معلومات لـ “مناطق نت” إلى أنّ رئيس البلديّة حسن دبوق ونائبه صلاح صبراوي أبلغا المعنيّين بالملّف البلديّ برغبتهما في عدم الترشّح مجدّدًا، ممّا يفتح الباب أمام عدد من الراغبين في الوصول إلى هذه المواقع.

هذا من ناحية الثنائيّ الشيعيّ، أمّا على الضفّة المقابلة، فيُشير الناشط حاتم حلاوي، في حديث لـ “مناطق نت”، إلى أنّه “من حيث المبدأ، فإنّ قوى التغيير موقفها دائمًا يميل نحو خوض معركة الانتخابات البلديّة، فالتغيير يبدأ من هذه الانتخابات حيثُ تكمن الزبائنيّة، وبخاصّة في منطقة صور إذ يوجد عدّة إشكاليّات، ومنها ما ظهر أخيرًا ويتعلّق بأزمة النفايات، وملف المحميّات والإرث الثقافيّ والآثار وغيرها من الملفّات”.

ويوضح حلاوي أنّ “قوى التغيير تخوض النقاش مع حلفائها في المدينة من أجل الوصول إلى لائحة في مواجهة الثنائيّ، ففي هذه الانتخابات تكون الفرصة كبيرة لتوحيد المعارضة ضمن لائحة واحدة، إذ إنّ عدد المقاعد يعتبر كبيرًا نوعًا ما، وشعار المعركة سيكون محلّيًّا إنمائيًّا، في حين أنّ الطابع السياسيّ سيكون ضئيلًا وإن كانت أحزاب السلطة تعمد إلى إدخاله في الانتخابات لبلديّة”.

ويلفت حلاوي إلى أنّ “المعلومات المتداولة تُفيد بأنّ حزب الله يحاول الوصول إلى لوائح تضمن النجاح بالتزكية في القرى، ولكن أعتقد أنّ هذا الأمر ما زال ضبابيًّا في مدينة صور، لأنّه يصعب السيطرة على الترشيحات في مدينة كبيرة، كما هي الحال في القرى، حيث يكون العامل العائليّ هو الغالب”.

ويرى حلاوي أنّ ” هناك بلدات كثيرة في قضاء صور فيها تنوّع ويملك اليسار والتغيير حصّة وازنة فيها، مثل معركة وطير دبّا والقلَيْلة وعين بعال وغيرها، حتّى إنّ هناك قرى كانت قوى المعارضة تتمكّن من الخرق فيها في الانتخابات السابقة، إلّا أنّ التلاعب في الأصوات كان يؤدّي إلى إسقاطها”. وعن إمكانيّة التوافق مع لائحة حزب الله – حركة أمل، يقول “إذا كان هناك طرحًا يسمح لقوى التغيير بالتمثّل في المجلس البلديّ بطريقة تؤثّر في عمل الخطط البلديّة، فالأمر قابل للبحث، وهدفنا التغيير نحو الأفضل وليس المعارضة فحسب”.

ويؤكّد حلاوي أنّه “بعد الأزمة الاقتصاديّة في العام 2019، أصاب الإفلاس البلديّات، وأيّ مجلس بلديّ قادم سيجد نفسه غير قادر على معالجة المشاكل، والمعضلة الأخرى التي ظهرت بعد الحرب تتمثّل في أنّ هموم المواطنين في مكان آخر، فأمام الدمار الهائل والمآسي التي يعانون منها لم يعودوا يملكون رفاهيّة التفكير في معالجة المشاكل المتعلّقة بالعمل البلديّ”. ويختم “إنّ الحديث عن إعادة التعمير يمكن أن يحفّز شهيّة بعض أحزاب السلطة كي تبقى مسيطرة على البلديّات اعتقادًا منها بأنّ الأموال قادمة”.

“يُنشر هذا التقرير/التحقيق/ التحقيق المصوّر بالتعاون مع المنظمة الدولية للتقرير عن الديمقراطية DRI، ضمن مشروع الأصوات المستقلّة: دعم صناعة المحتوى المبتكر والمتمحور حول المواطنين والمواطنات في الإعلام اللبناني“.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى