ماذا لو أنّ الحاضر صدى الذاكرة والذكريات أو صناعتهما؟

قيل في الذاكرة كثير، ومع هذا تُرى كلّ من الذاكرة والذكريات محلّ توق شديد من قبل الذهن، لأن ينبش فيهما أكثر وأكثر، إذ ليس من باب العبث في هذا السياق، أن يكون الحاضر هو ضيف الذاكرة، وما تستبطنه من ذكريات وليس العكس، بحسب ما يرى جملة ممّن تصدّوا لهذا المبحث العويص.

فليس الماضي هو الذي يتطفّل على حاضرنا كما قد يتبادر للوهلة الأولى إلى الذهن، بل ترى الحاضر هو من نَسْج هذا الماضي بالتمام. فالحاضر في هذا الصدد قد يكون صدى الماضي المكتوم، أو قد يكون صدى مدوٍّ لهذا الماضي، وهو أيضًا قد يكون ذلك الماضي المدوّي والمكتوم في آن معًا، وتبقى الحقيقة أنّه في كلّ الحالات، ثمّة تواشج بين ما قد مضى وولّى (كما نظنّ) وبين حاضرنا الفجّ، وهو تواشج لا يمكن التغاضي عنه بأيّ شكل من الأشكال.

قد يكون الحاضر كبش فداء الذكريات المركونة هناك في الماضي البعيد، لكنّه أيضًا قد يكون إمتدادًا سخيًّا لهذا الماضي، الذي يحدّق في حاضرنا بألف عين وعين. من هنا لا يأتي فضّ رسائل الذاكرة بالواقعة الاختياريّة على الإطلاق، ذلك أنّ استبداد الذاكرة بإطلاق ربّما لا يجاريه استبداد.

هربًا من الحاضر

ربّما يعمد البعض إلى توزيع ذكرياتهم بما يتناسب مع محاولاتهم لفهم الحاضر المعجوق بألف عقدة وعقدة، وغيرهم تراهم يعمدون إلى الغوص في متون ذكرياتهم هربًا من حاضرهم النازف. بيد أنّ الذاكرة لا تتوانى في جميع الحالات عن هيكلة هذا الحاضر، ولا تتوانى عن صياغته، بل وتوليفه بحسب شروطها الشديدة المتانة والمثابرة والانسياب، وليس من باب “التفذلك”.

ربّما يعمد البعض إلى توزيع ذكرياتهم بما يتناسب مع محاولاتهم لفهم الحاضر المعجوق بألف عقدة وعقدة، وغيرهم تراهم يعمدون إلى الغوص في متون ذكرياتهم هربًا من حاضرهم النازف

في هذا السياق إن قارب البعض الذاكرة كما لو كانت رأسمال غير منضبط بالمرّة، فيُستثمر أو يُبذّر أو يُوظّف لأجل مآرب ربّما تسوقنا إلى ما فيه خيرنا، أو إلى ما فيه وبالنا، بما يقع خارج التوقّعات (جورج لايكوف ومارك جونسن: كتاب “الاستعارات التي نحيا بها”).

إلّا أنّ اقتراض الحاضر من الذاكرة لا ينفي بالمرّة، صياغة الذكريات من قبل البعض، بحسب شروط هذا الحاضر، وبما يمور به من فجائع أو منغّصات، أو ربّما بما يعبق به من أفراح وسكون، حيث الفصل عندئذ بين ما نعيشه الآن، وما كنّا قد عشناه يقع في باب المستحيل.

ثمة أدباء في العالم تناولوا الذكريات كنصوص أصليّة، نصوص مؤسِّسة وصولًا إلى اعتبارها نصوصًا أوّليّة في لعبة سرد الذات، وربّما هذا ما ساق الروائيّ البرازيليّ ماتشادو- وهو المهووس في نصوص الذاكرة وسرديّاتها– إلى القول: إنّ القلب هو بيت الذكريات، وليس العقل على الإطلاق، مع الأخذ بعين الاعتبار، المحمول التاريخيّ لعلاقة القلب بالعواطف والانفعالات، ومُجمل العلاقات التي يُحار بشأن توصيفها العقل المنطقيّ صاحب مقولة1+1 = 2  “واحد زائد واحد يساوي اثنين” وما شاكل من يقينيّات. فللذاكرة منطقها الخاصّ حيث العقل مجرّد شاهد لا يولي على شيء.

مسوّدة غير مكتملة

أمام عبق الذكريات وتدفّقها، يُصبح الحاضر أشبه بمسودّة غير مكتملة تتوسّل الاكتمال يومًا بيوم. يتيقّظ الماضي في الصدور، تارةً بانضباط متّزن، وتارة أخرى بلا الحدّ الأدنى من الانضباط، بل تراه يرسم حتّى آفاق المستقبل هربًا من حاضر حرِج، أو تمكينًا لآمال قيد التوقّد والاشتعال. إنّه الصراع بين الفرار من الذكريات، أو محاولة الاستحواذ عليها، و”الحاضر” في هذا الصراع المضنيّ في بعض متونه، هو مجرّد ساحة، ساحة تتّسع أو تضيق، ترفق بنا أو تتذمّر، تنساق إلى رغباتنا أو تنقلب على هذه الرغبات.

رائعة جدًا في هذا الصدد تحديدًا مقاربة الفيلسوف والمؤرّخ البريطانيّ إريك هوبساوم لذكريات الماضي باعتبارها مجرّد حبكات استنفاريّة الطابع، يتناثر حيالها الكائن الإنسانيّ في عدّة اتّجاهات. فللذاكرة تلك اليد الطولى في رسم الحاضر، وفي تأطيره كوسط تأبينيّ، أو احتفاليّ، أو مؤجّل على الدوم، وهنا الطامّة الكبرى.

تُصبح الذكريات أقرب إلى الغرائز التي تستقي منها الجماعات سبل تعزيز حضورها في العالم، بل وسبل نجاتها

على مستوى الجماعات، ثمّة من قارب الذاكرة كأداة تعظيم للذات، أو أداة تبخيس للآخرين، حيث إنّ مواربة الماضي وما يحفل به من ذكريات جماعيّة تتحوّل (هذه المواربة) إلى استراتيجيّة مواجَهة أو استراتيجيّة مصالحة مع الآخرين بشكل عام، ومع الذات بشكل خاص. إنّ الماضي في هذا المحلّ تحديدًا تراه يُحاك بنسيج الحاضر، بينما المستقبل تراه يترصّد بذعر شديد كيفيّة سوق الذكريات إلى الناس.

بهذا الصدد، تُصبح الذكريات أقرب إلى الغرائز التي تستقي منها الجماعات سبل تعزيز حضورها في العالم، بل وسبل نجاتها، بصرف النظر عن المآلات التالية لهذا الحضور، أو نجاح سبل النجاة. وعطفًا على هذه المآلات، هنالك من أكّد بشدّة أنّ أروع الذكريات، هي تلك التي لا تني تُساءل الأنا الجماعيّة… إنّها تلك الذكريات التي تحاول أن تفهم هذه الأنا، والتي تسعى إلى سبر أغوار أنماط الحضور في العالم، وأنماط العلاقات مع الآخرين، إنّها ما يمكن أن نطلق عليها الذاكرة “المعولمة” بشكل من الأشكال.

إعادة تشكيل الذكريات

ترى الذكريات على المستوى الفرديّ أو على المستوى الجماعيّ، تتطاول بأعناقها بغية حقن شرايين الحاضر بما أمكن من قداسة، أو من رفعة، من سبل الفرار أو الحاجة إلى الانزواء. وللحاضر دومًا ذلك الدور في إعادة تشكيل الذكريات، في لعبة يتداخل فيها الشكّ واليقين، الاطمئنان والفزع، التواضع والغرور.

ثمّة ما يشبه الإجماع بين من تصدّوا لمبحث الذاكرة على أنّه من المستحيل بمكان الوقوف عند الحدّ الأقصى للذاكرة، وسبل تشابك مخزونها مع ما يليه من أحداث. فالذكريات تملك تلك القدرة اللامتوقّعة– في غالب الأحيان– على سَوْق المرء إلى حاضر متلعثم، عطفًا على ماضٍ مخيّب، وصولًا إلى مستقبل هجين، لا حدود لما يعتريه من قبل وبعد.

في مذكّراته الرائعة، “مداريات حزينة”، يخبرنا الأنثروبّولوجيّ الفرنسيّ كلود ليفي شتراوس، أنّ بعض استثناءات الحاضر، قد تشكّل طبائع الأفراد، أو الجماعات. بيد أنّ الجذر الأصليّ لهذه الطبائع– ودائمًا بحسب شتراوس– تكمن هناك في الماضي السحيق، في ماضٍ يمتدّ إلى أسلاف الأسلاف، حيث ذاكرة هذا الماضي، لا تكفّ عن أن تكون بوصلة إبحار، في بحر الحياة المتلاطم الأمواج… وما ينطبق على الفرد في هذا الخصوص، تراه ينطبق أكثر على الجماعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى