ما بين النكبات والحروب أبعاد أخرى لإعادة التعمير

بينما ينصبّ اهتمام الجهات الدوليّة والمحلّيّة على تقدير كلف إعادة تعمير ما دمّرته الحرب الأخيرة، يبقى الاهتمام بالجوانب الأخرى الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة أو تلك المتعلّقة بالإرث الثقافيّ، غائبًا عن اهتمام تلك الجهات، وهو ينصرف للتركيز على إحصاء كلف إعادة تعمير الوحدات السكنيّة وفي بعض الأماكن البنى التحتيّة.

وإذا كان هناك من تقييم تجارب عديدة لعمليّات إعادة التعمير والناتجة عن الحروب التي لم تتوقّف طوال الـ 50 سنة الأخيرة، فهو أنّها لم تكن ناجحة أبدًا وبمختلف المعايير. والمفارقة أنّها لم تقتصر على تلك الناجمة من الحروب فحسب، بل تخطّتها إلى تلك المتعلّقة بالكوارث الطبيعيّة التي شهدها لبنان وسبقت الحرب بعشرات السنين.

طوفان نهر أبو علي وزلزال شحيم

وللحديث عن تلك التجارب لا بدّ من أن نعرض لوقائع تجربتين في عمليّة إعادة التعمير، وهما ناتجتان عن كوارث طبيعيّة، الأولى فيضان نهر أبو علي في طرابلس العام 1955، وزلزال شحيم العام 1956. فعقب فيضان نهر أبو علي تهجّرت الناس وتغيّرت معالم المدينة، ولا تزال منطقة “المنكوبين” حتّى اليوم شاهدة على آثار تلك الكارثة، وما رافقها من نزوح، استمرّ في خان العسكر حتّى العام 2013، قبل أن يتمّ نقلهم إلى مشروع جديد، ضمن برنامج الإرث الثقافيّ المموّل من البنك الدوليّ والذي أداره مجلس الإنماء والإعمار.

مشاهد من طوفان نهر أبو علي في طرابلس العام 1955

أيضًا لم تكن معالجة آثار زلزال شحيم أفضل ممّا سبقه، وخير شاهد على ذلك، الضريبة التي فرضتها الدولة حينذاك، وجاءت عكسيّة، إذ بيّنت ضعف قدرة لبنان على مواجهة الكوارث وإدارتها، وهذا موصول بملفّات أخرى ما زالت نتائجها ماثلة أمامنا، منها اللجوء الفلسطينيّ سنة 1948 واللجوء السوريّ بعد العام  2011 بالإضافة إلى النزوح الداخليّ أثناء الحرب الأهليّة.

الحروب وإعادة التعمير

بالانتقال إلى الحرب الأهليّة التي امتدّت 15 عامًا، وعلى الرغم من كلّ الاستثمار الذي حدث بعدها، وتمثّل بإدارة إحدى أكبر عمليّات إعادة التعمير في العالم في ظلّ ظروف استثنائيّة ربّما لا تتكرّر، إلّا أنّ آثار الدمار والتهجير ما زالت ماثلة أمامنا في كثير من المناطق اللبنانيّة. هذا من دون الدخول في النقاش القديم الجديد حول إعادة تعمير بيروت، والتعامل مع ملفّات شائكة موروثة، أبرزها ملفّا المهجّرين والإيجارات القديمة.

لم تبقَ عمليّة إعادة التعمير بعد الحرب الأهلية وحيدة، بل تبعتها عمليّات إعادة تعمير عديدة، إلى أن حطّت رحالها بعد حرب تمّوز (يوليو) العام 2006، وهي حصلت في ظروف محلّيّة وإقليميّة ودوليّة استثنائيّة، إذ تمّت عمليّة إعادة التعمير بشكل سريع، وفي فترة زمنيّة قصيرة نسبيًّا.

ثلاث عِبَر

كلّ هذه التجارب لم يكن التعامل معها ناجحًا تمامًا. لكن ما يهمّنا اليوم، وبعد الحرب الأخيرة ونتائجها المدمّرة والضخمة، هو الإضاءة على ثلاث عِبَر أساسيّة من كلّ هذه التجارب، العبرة الأولى أنّ الدولة لا تملك أدوات التخطيط والإدارة والتنفيذ التي تمكّنها من إدارة عمليّة إعادة بناء كبيرة أو التعامل مع الكوارث. وهذا ما تُرجم بعد الحروب والخصخصة في عمليّات الإعمار التي تلتها في كلّ من بيروت (بعد الحرب الأهلية) والضاحية بعد الـ 2006، مع الفوارق بين العمليّتين (سوليدير ووعد).

الدولة لا تملك أدوات التخطيط والإدارة والتنفيذ التي تمكّنها من إدارة عمليّة إعادة بناء كبيرة أو التعامل مع الكوارث. وهذا ما تُرجم بعد الحروب والخصخصة في عمليّات الإعمار التي تلتها في كلّ من بيروت (بعد الحرب الأهلية) والضاحية بعد الـ 2006.

العبرة الثانية هي أنّ كلّ إدارات الكوارث وإعادات التعمير، ركّزت على الحجر متناسية الأبعاد الاجتماعيّة والاقتصاديّة وآليّات الحوكمة والمشاركة. وهذا ما يفسّر غياب الذاكرة وآليّات الحفاظ عليها، والتي تمكّن الناس من التعامل الحيّ مع المدينة على أنّه مكان مشترك للعيش وله ذاكرة Un lieu et non pas un espace.

العبرة الثالثة هي أنّ الدولة لم تكن يومًا قادرة على إعادة التعمير بقواها الذاتيّة، أو معالجة أثر الكوارث، وذلك في أكبر ورشتين وهما: إعادة تعمير البلد بعد الحرب اللبنانيّة وحرب الـ 2006، إذ تمّ اللجوء إلى الاستثمارات الخارجيّة والقطاع الخاص، والمساعدات الخارجيّة والتمويل السياسيّ.

إفلاس وترهّل وتفكّك

تختلف عمليّة إعادة التعمير هذه المرّة عمّا سبقها من عمليّات، فهي أكبر حجمًا وأكثر خطورة، وهي تتخطّى مسألة تعداد الوحدات السكنيّة المدمّرة أو المتضرّرة والخسائر في البنى التحتيّة والاقتصاد وغيره، لتطال أثر ذلك على التهجير والهجرة وتبعاتهما الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، في ظلّ وضع مأسويّ يمرّ به لبنان، فهو من جهة يعيش في حال انقطاع عن العالم، ومن جهة أخرى يعاني الإفلاس والترهّل والتفكّك.

الدمار في بلدة حانين الجنوبية

لذلك، حتى لو توافر الدعم الماليّ من الخارج، فلن يكون بالإمكان إعادة تجربة إعادة التعمير التي حصلت بعد حرب الـ 2006. والسبب في ذلك ليس لأنّ الظروف تبدّلت تمامًا، بل لأنّ ما تهدّم يتخطّى بكثير “الحجر” ليطال دورة حياة بكاملها. يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بالظروف الحاليّة وبالمستقبل، وأيضًا الحماية لتفعيل ديناميّات الصمود والبقاء والعودة، وبخاصّة في القرى الحدوديّة، فالدولة و”المقاومة” لم يعد لديهما أيّ ضمانات للناس.

قبل الحرب، وعلى الرغم من الوهم بالأمان الذي كان يعيشه الجنوبيّون، إلّا أنّ ذلك سمح لهم بالتعامل الإيجابيّ مع قراهم والاستثمار بنسيجها الاجتماعيّ والاقتصاديّ والعمرانيّ. وهذا ما يفسّر انتشار المشاريع الاقتصاديّة والبناء حيث استحوذ الجنوب قبل الحرب على نسبة 60 في المئة من رخص البناء في لبنان.

خسائر بشريّة مخيفة

بالتوازي مع حجم الدمار الضخم للحرب الأخيرة، تبرز الكلف البشريّة العالية، وهو ما تتحدّث عنه الأرقام التي تأتينا، وإذا ما صحّت فهي مخيفة، خصوصًا أنّ الجزء الأكبر من الضحايا الشباب الذين قضوا في الحرب هم من أبناء هذه القرى، والمتابعة غير الإحصائيّة تسمح بالقول إنّ هؤلاء الشباب كانوا عصب القرى، وقلبها النابض، يعيشون فيها على مدار العام، على عكس القرى والبلدات الأخرى التي تبعد عن الحدود، فأولئك يعيشون متنقّلين ما بين بيروت أو صور أو في المهاجر.

قبل الحرب، وعلى الرغم من الوهم بالأمان الذي كان يعيشه الجنوبيّون، إلّا أنّ ذلك سمح لهم بالتعامل الإيجابيّ مع قراهم والاستثمار بنسيجها الاجتماعيّ والاقتصاديّ والعمرانيّ. وهذا ما يفسّر انتشار المشاريع الاقتصاديّة والبناء حيث استحوذ الجنوب قبل الحرب على نسبة 60 في المئة من رخص البناء في لبنان.

هذا ولم نتحدّث بعد عن دمار البنى التحتيّة للاقتصاد المحلّيّ، وللبيئة وللإرث الثقافيّ بكلّ أبعاده، فيمكننا القول إنّ الدمار هذه المرّة كان شاملًا، ويضمّ الأنسجة الثلاثة (الاجتماعيّ، الاقتصاديّ، والمعماريّ) وهي تعرّضت لزلزال كبير. يضاف إلى كلّ ذلك، تراجع كبير بقدرات الإدارة والحوكمة لهذه المناطق، التي كانت تتمحور على ثالوث الدولة المجيّرة لمصالح الثنائيّ، الثنائيّ الحزبيّ، ومؤسّسات الحزب بكلّ قدراتها الماليّة والبشريّة، دون ذكر غياب المُلهم، الأمين العام للحزب وترهّل قيادات حركة أمل.

أولويّات استراتيجيّة

لذا، على الحكومة والرئيس أن يثبّتوا أولويّات استراتيجيّة لورشة تعمير قد تمتدّ إلى عقدين من الزمن. أولويّاتها على المدى القريب تقوم على تطبيق القرار الأممي 1701 وبسط سلطة الدولة على كامل المجالات، بالتزامن مع تحسين الخدمات العامّة وبخاصّة الطبابة والتعليم الرسميّ. أمّا على المدى المتوسّط فيجب تحضير بنى الإدارة والحوكمة على الصعيد المحلّيّ والوطنيّ من جهة وسوق العمل المناسب لورشة الغد من جهة أخرى. أمّا على المدى البعيد فيجب أن تكون الرؤية في كيفيّة إعادة بناء المناطق المتضرّرة، من دون التضحية بالاستثمار المطلوب للمناطق الأخرى Égalité territoriale وفي العاصمة لإعادة إطلاق النموّ ووقف نزيف الهجرة.

كل ذلك ليس بعمليّة سهلة، خصوصًا أنّ إعادة الإعمار ستساعد في ضرب الميزان التجاريّ، وسيكون لها أثر بيئيّ سلبيّ كبير من خلال الكسّارات والمرامل ومعامل الترابة.

من فيضان نهر أبو علي إلى طوفان الأقصى، نراكم الدمار دون أيّ قدرة على تحويل الأزمات إلى فرص لتقوية الدولة واقتصادنا. فهل ستكون هذه المرّة مختلفة ونتخطّى “العقل” التبسيطيّ في مقاربتنا للأشياء؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى