مزارعو الحشيشة البعلبكية في مواجهة قوننة البذور واحتكارها

هل عصفت رياح التهجين ببذور الحشيشة البعلبكيّة مثلما عصفت بمعظم بذور النباتات التي تنغرس في تربتنا وتنمو ونأكل من ثمارها؟ أم إنّها ما زالت تحافظ على أصالتها؟ وحدهم المزارعون وتحديدًا أولئك الذين توارثوا زراعة “النبتة المشاغبة” يدركون حقيقة بذورهم والتي لم يأتِ القانون على ذكرها. الأكيد أنّ البذور خضعت على مدى سنوات من الفوضى إلى التهجين، لكنّ المؤكّد أيضًا أنّ معظم البذور لا تزال تحتفظ بهويّتها الأصليّة و”التراثيّة” والتي عاشت ونمَت في تربة بعلبك عشرات السنين.
مع الحديث عن مشروع قانون تنظيم تجارة الشتول ومواد الإكثار والذي نتج عنه عاصفة من ردود الفعل، وصل بعضها إلى الدعوة للتظاهر ضدّه، يُطرح السؤال عن مصير بذور زراعة القنّب الهنديّ المحلّيّة، باعتبارها إرثًا زراعيًّا له هويّته وجودته وتاريخه. وفي ظلّ أصوات علَت اعتبرت أنّ قانون البذور يشكّل مساسًا بالسيادة الوطنيّة والأمن الغذائيّ، ويمنح الشركات سيطرة استعماريّة مقنّعة تحت غطاء غذائيّ زراعيّ عنوانه البذور، يخشى مزارعو نبتة القنّب الهنديّ في بعلبك، أن يتحوّل موضوع البذور إلى بازار تجاريّ للاستيراد من الخارج بحسب الأهواء والمصالح السياسيّة.
في ظلّ ذلك يبقى السؤال مطروحًا عن كيفيّة العلاقة بين بذور نبتة تتبع القانون 178 والمتعلّق بتنظيم زراعة القنّب الهنديّ، وبين قانون تنظيم تجارة الشتول ومواد الإكثار الذي لم يُقرّ بعد؟
رحلة القانون الطويلة
حول علاقة قانون تنظيم تجارة الشتول ومواد الإكثار ببذور زراعة القنّب الهنديّ (الحشيشة) يُوضح رئيس الهيئة الناظمة لتشريع الزراعة الدكتور داني فاضل أنّه حتّى الآن لم يتمّ توجيه أيّ كتاب رسميّ للهيئة الناظمة بهذا الشأن، معتبرًا أنّ مشروع قانون البذور لم يقرّ بعد، وأمامه رحلة طويلة لتجاوز عديد من المطبّات والعقبات كي يصبح نافذًا. ويلفت فاضل في أثناء حديثه لـ “مناطق نت” إلى أنّه “لا يمكن للقانون التعامل بالطريقة نفسها مع جميع النباتات، ومن المفترض التواصل مع الهيئة الناظمة المسؤولة عن زراعة القنّب الهنديّ والتباحث معها بشأن القانون”.
يتابع فاضل “يجب أن تُستثنى بذور زراعة القنّب الهنديّ من قانون البذور، لأنّ القانون 178 هو الذي ينظّم الزراعة بكلّ تفاصيلها بما فيها البذور”، وأوضح أنّ “الهيئة الناظمة لزراعة القنّب الهنديّ، لا يمكنها تطبيق أيّ قانون باستثناء القانون 178 الذي أقرّ في المجلس النيابيّ وشرّع الزراعة ووضع كلّ تفاصيلها”.

“البذرة التاريخيّة”
يعتبر أحد المزارعين من آل علّوه بذرة نبتة القنّب أنّها “بذرة تاريخيّة توارثها أجدادنا الفلّاحون منذ بداية زراعة الحشيشة حتّى يومنا هذا”. ويتابع علو لـ “مناطق نت”: “المزارع في كلّ عام كان يبيع قسمًا من إنتاجه الزراعيّ، ويحتفظ بقسم آخر من أجل البذور تمهيدًا لزراعتها في العام التالي، وهكذا حافظت بذرة القنّب الهنديّ على هويّتها الزراعيّة على مدار كلّ تلك السنوات”.
لعلّ أهم ما يميّز نبتة القنّب الهنديّ التي تُزرع في منطقة بعلبك، هو مقاومتها للظروف المناخيّة القاسية ونموّها في ظلّ درجات حرارة متدنّية، وفي منطقة ترتفع عن سطح البحر أكثر من ألف متر، حيث تتراكم الثلوج، كذلك تكيّفها مع درجات حرارة مرتفعة في الصيف وبقدر قليل من المياه في سنوات الشحّ.
عن ذلك يقول علوه إنّ “البذور نفسها قد تمنح إنتاجًا مختلفًا، وهذا يعود إلى درجات الحرارة ونوع التربة، فتلك التي في الجرود العالية شقراء، وتلك التي في السهول تميل إلى السواد، ولكلّ منها جودتها التي ترتفع كلّما ارتفعت عن سطح البحر. ففي جرود الهرمل على سبيل المثال القنّب الهنديّ في منطقة ‘جباب‘ أكثر جودة من سهل مرجحين، والقنّب الهنديّ في منطقة ‘السّوَح‘ يتّصف بأنّه زراعة شبه بعليّة ما يمنحه جودة خاصّة”.
“الملكية الفكريّة غطرسة وجريمة”
البذور ليست مجرّد موادّ تُزرع في الأرض، بل هويّة وثقافة وإرث زراعيّ، وأكثر من ذلك إنّها أمن غذائيّ يصون صحّة الناس، وهي تشكّل بالنسبة للمزارعين دورة حياة ترافق مواسهم من عامٍ إلى عام. لذلك يصفها رئيس جمعيّة “بذورنا جذورنا” سيرج حرفوش بـ “حاملة ذاكرة التراث”، وكلّ الموروثات وذاكرة التقلّبات المناخيّة والزراعيّة والقدرة على التأقلم. يتابع لـ “مناطق نت”: “البذور البلديّة تحافظ على الإنتاج وجودته، أمّا تلك المهجّنة فلا قدرة على إعادة إنتاجها، وبالتالي فإنّ الاتكال حينها يكون على الشركات الخارجيّة، التي تزيد من فرص الاحتكار والتبعيّة للخارج وبالتالي هذا الأمر يمسّ بالسيادة”.
شمص: بذرة القنّب الهنديّ البعلبكيّة تعتبر أفضل بذرة في العالم بحسب الأبحاث والدراسات
حول دور جمعيّة ” بذورنا جذورنا” يشرح حرفوش “نعمل على نشر المعرفة حول الموضوع من جهة، والإكثار من البذور البلديّة من جهة أخرى”. وفي ما يتعلّق بموضوع تسجيل البذور والملكيّة الفكريّة فيعتبرها حرفوش “غطرسة وجريمة، إذ لا يمكن امتلاك الحياة واحتكارها، ويجب أن تكون متوافرة للجميع من دون استثناء”.
“أفضل بذرة في العالم”
من ناحيته يتحدّث مؤسّس مشروع “لبن العصفور” ابن بلدة بوداي حمزة شمص الذي يعتمد في منتوجاته على نبتة القنّب الهنديّ عن “أنّ لبذور النبتة تاريخًا طويلًا مع المزارع في منطقة بعلبك، بدأ بزراعتها في العشرينيّات من القرن الماضي، أمّا المهجّنة (البذور الكنديّة)، فقد زُرعت مدّة قصيرة، لكن استغنى عنها المزارعون وعادوا إلى بذورهم البلديّة”.
تابع شمص لـ “مناطق نت”: “يجب الحفاظ على البذور البلديّة كتراث زراعيّ، وذلك من خلال زيادة الوعي لدى المزارعين وأهمّيّة البذور في دورة مواسمهم”. وأضاف شمص أنّ “بذور نبتة القنّب الهنديّ تعطي 25 ألف منتج تتوزّع بين دواء وموادّ صناعيّة وغذائيّة”. مشيرًا إلى أنّ “بذرة القنّب الهنديّ البعلبكيّة تعتبر أفضل بذرة في العالم بحسب الأبحاث والدراسات”، لافتًا إلى أنّ “البذور المهجّنة لا يمكن أن تعطي إنتاجًا كبيرًا إلّا بالاعتماد على الكيماويّات”.
وأردف شمص قائلًا: “الهيئة الناظمة خلال جولتها على المزارعين في بعلبك أكّدت بشخص رئيسها الدكتور داني فاضل أهمّيّة هذه البذور ودافع عنها”. كاشفًا أنّ “اللجنة وجدت خلال دراساتها لنحو ستّة إلى سبعة أنواع من البذور البلديّة أنّ لكلّ واحدة هويّتها، بعضها تهجّن عبر الزمن”.
بروتين وموادّ أوّليّة
عن مشروع “لبن العصفور” يشرح شمص أنّه “عبارة عن دراسة على بذرة القنّب الهنديّ، تبيّن أنّها تحتوي على نسبة عالية من البروتين ونوعيّ الأوميغا ثلاثة وستّة”. وكشف أنّه “من أعواد (أغصان) الحشيشة التي يحرقها المزارعون أنتجنا ورقًا، وموادّ بناء، بلاستيكًا طبيعيًّا يتحلّل بعد مرور 60 يومًا ولا يؤذي الطبيعة، وموادّ أوّليّة لصناعة القماش”.
هناك توصية قدّمتها الهيئة إلى المزارعين للاحتفاظ بالبذور وعدم بيعها كونها من أفضل الأنواع
أيضًا يشرح شمص أنّ “بذور الحشيشة بعد طحنها يمكن تحويلها إلى حليب نباتيّ غنيّ بالبروتين”، معتبرًا أنّ “المشروع هو دليل على فعاليّة هذه البذرة التي أنتجت أكثر من خمسة إلى ستّة منتجات صناعيّة وغذائيّة عدا عن الدواء، مع العلم أنّ المشروع يعتمد على الطرق البدائيّة والمكننة البسيطة، فكيف لو أُتيح تطويره واستخدم في ذلك أجهزة وآلات متطورة؟”.
بين الهنديّ والشاميّة (البعلبكيّة)
من جهته يميّز المزارع حسن حسين مهدي شمص بين القنّب الهنديّ الذي يجري الحديث عن تشريعه والحشيشة الشاميّة التي يزرعها المزارعون في منطقة بعلبك والهرمل، موضحًا أنّ “كلاهما صالح للاستخدام الطبّيّ، ولكن للنبتة الشاميّة خصائص تتفرّد بها وتتفوّق على مثيلاتها، منها ما يتعلّق بوفرة إنتاجها”. يتابع لـ “مناطق نت”: “لعلّ مقاربة بين نبتة الحشيشة الشاميّة والقنّب الهنديّ لجهة الإنتاج، تظهر أنّ الأولى أكثر إنتاجًا من الثانية، بحيث أنّ 250 كيلوغرامًا من الحشيشة الشاميّة تنتج ما بين ستّة إلى سبعة كيلوغرامات، بينما 250 كيلوغرامًا من القنّب الهنديّ ينتج كيلوغرامًا واحدًا فقط”.
لناحية الريّ يشرح شمص “تحتاج الحشيشة إلى الريّ من ثلاث إلى أربع مرّات خلال الموسم، بينما القنّب الهنديّ يحتاج للريّ أسبوعيًّا”. وعن تخزين المحصول من عام إلى عام، يشير شمص إلى أنّ “محصول الحشيشة يمكن تخزينه، بينما القنّب الهنديّ لا يصلح إلّا لعام واحد ولا يمكن حفظه في المخازن لأنّه يتعرض للتلف بسرعة”.
البذور والقانون 178
على الرغم من أنّ المادّة الثانية من القانون 178 المتعلّق بزراعة القنّب الهنديّ لحظت وفي فقرة “المعايير” موضوع بذور الزراعة، إلّا أنّها لا تزال غير واضحة إذ وردت على الشكل الآتي: “تشمل الـمتطلّبات التقنيّة والفنّيّة والأمنيّة التي تحدّدها الهيئة في ما خصّ الـمراحل التي تغطّي زراعة النبتة ونوعيّة البذور والعمليّات الـمتفرّعة عنها وعمليّة التصريف، وهي تتّصف بالإلزام”.
عن ذلك يشير علّوه إلى أنّه “في الاجتماعات المتتالية التي تُعقد مع الهيئة الناظمة، يتمّ الحديث عن توثيق لهذه البذور مع إحصاءات للمساحات المزروعة بالحشيشة وأصحابها”، معتبرًا أنّ “التباين بوجهات النظر بين الهيئة والمزارعين هو على خلفيّة تجاريّة أكثر منه على طبيعة البذور”، مشيرًا أنّ هناك توصية قدّمتها الهيئة إلى المزارعين للاحتفاظ بالبذور وعدم بيعها كونها من أفضل الأنواع، إذ عاد الحديث عن “الهؤّة” بدل الكيلوغرام.



