مسدسات شارع الحمرا أجنحة فوق خصور خالية الوفاض

كثيرًا ما تصادف المرء مسدسات في شارع الحمرا تتغندر تارة بالتواري وتارة أخرى بالظهور الفجّ.
“إنت عسكري؟”، سألته وقد أرخى بثقله فوق كرسيّ قبالتي في أحد المقاهي. كان مسدّسه بغاية الجلاء عند خصره المشدود بحزام جلديّ بنّي اللون. جاء سؤالي من باب الحشريّة أولًا ثمّ من باب… (اختاروا الكلمة التي تشاؤون).
“ليه عَمْ تسأل يا حاااج؟”، ردّ عليّ وقد لوى فمه بدائرة تحوط كلّ شارع الحمرا المسكين. لم أردّ عليه وهو أيضًا لم يردفني بأيّ كلمة أخرى، وقد تواطأتُ وإيّاه على تبادل ابتسامة صامتة تفوح برغبة كلّ منّا في أن “يشلخ” الآخر “شي كفّ”.
لست أدري. ربّما لهذا الشاب، أو الفتى أكاد أن أقول، ملء الحقّ في أن يتباهى بمسدّسه المتعملق عند خصره، وقد رتّبت الأقدار أيّامه لأن يكون ابن بيئة ترى في السلاح بعامّة شأنًا إلهيًّا يفوق فهمه قدراتنا الذهنيّة نحن البشر العاديّين.
“شو بتشتغل يا حاااج؟”، عاد وسألني وهو ينفث دخان نارجيلته. “دركي متقاعد”، قلت، له ليردّ عليّ بالقول: “ع راسي يا طيّب”. هو أيضًا شخص طيّب إلى أبعد الحدود، أمّا ذلك التواطؤ السرّيّ برغبة كلّ منّا في أن يصفع الآخر سرعان ما توارى خلف تبادلنا المتقطّع لشتات الحديث.
المسدّس كجزء من هويّة
ثمّة من كتب أنّه إذا ما وُلد المرء دون أجنحة فلا يجب أن يمنع نموّها بأيّ طريقة كانت. على الرغم من تلقّفي منظر المسدّسات على الخصور بعدائيّة مكبوتة أو بسخريّة خفيفة الوقع، تراني من آن إلى آن أرى تلك المسدسات كأجنحة يأبى بعض الشبّان منع نموّها عند الخصور لحاجتهم المعنويّة إليها بالدرجة الأولى. طبعًا، لا أبرّر على الإطلاق حمل المسدّسات، إنّما يبدو أنّ سبل المحافظة على بعض أنماط الهويّات تقع في الغالب خارج إطار توقّعاتنا.
فبالنسبة إلى فتى المسدّس في ذلك المقهى بالحمرا وما شابه من فتيان، فإنّ المسدّس هو جزء من هويّة لا يملك هؤلاء ترف إغفالها أو رفضها أو تعليقها من حين إلى حين وقد تجذرتْ في بيئتهم منذ قبل أن يولدوا بكثير… هم “الحربجيّة” للعظم!
إنّما وعلى الرغم من تلك الفحولة المتوهّجة التي يضفيها “شكّ الفرد عل خصر”، فإنّ هذا المسدّس عينه تراه أحيانًا أقرب إلى لسان متلعثم؛ وهو تلعثُم شاهدته مرّة بأمّ العين، وكان ذلك حين سقط المسدّس من فوق أحد الخصور في أثناء ترجّل حامله عن درّاجته الناريّة، “ويا أرض انشقّي وابلعيني” هي الكلمات الوحيدة التي لها أن تصف راكب الدراجة ذاك.
كلّ الأمل أن يصار إلى الاقتناع بأنّ خصور المسدّسات هي بنهاية الأمر خصور خالية الوفاض
احتلال المسدس للبصر
على كلّ حال وعلى الرغم من فجاجة منظر المسدّسات فوق الخصور في شارع الحمرا بالذات، فإنّ لهذا الشارع سبله الخاصّة في رمي هذا المنظر خارج طائلة البصر. فأن تدخل إلى هذه المكتبة أو تلك في شارع الحمرا بعد احتلال المسدّس بصرك للحظات، فإنّ هذا الاحتلال القسريّ سرعان ما يزول على وقع عجقة الكتب وفلفشة الصفحات وتأمّل العناوين – وبالنسبة إليّ – ملامسة الكتب بالأكفّ وبالنظرات، وبالتالي، نسيان مسدّسات الخصور أو خصور المسدّسات، الأمر سيّان. وأصلًا من قال إنّ النسيان بشكل عامّ ليس جزءًا من حرّيّة المرء في هذا العالم الذي يعجّ بالسلاح؟
فلننسَ مسدّسات شارع الحمرا أو أقلّه فلنقاربها – إذا ما تعذّر هذا النسيان – كملمح صريح من ملامح أولئك الذين يتباهون بها في ذلك الشارع الذي لا يكفّ عن بعث الدهشة وبعث الملل في آن. ربّما مسدّسات الخصور تلك هي ترف لا يمكن التنازل عنه أو تنفيسة عن ضيق خلق مديد أو – ولِما لا – ربّما تلك المسدّسات هي في بعض تعيّناتها بمثابة قصائد من نوع آخر تُتلى فوق الأنظار، وإذا ما وقع المشكل تتلى أيضًا فوق الآذان.
وشارع الحمرا، وهو الشارع الذي يفور بالشعراء والشعراء والشعراء، عوّدنا منذ عقود وعقود على أنّ لكلّ إنسان حقًّا في أن يتلو قصيدته الشخصيّة بالطريقة التي يشاء. فلتكن القصيدة مسدّسًا مشدودًا عند الخصر من جهة الأمام أو الجنب أو الخلف، فللقصيدة مآربها الخاصّة شأن المسدّسات في هذا الشارع الـ…
أورويل والسلاح
إنّ الرغبة التي تعبث بالقلوب هي من القوّة بحيث إنّ إمكان تجنّبها أحيانًا يكون من سابع المستحيلات، وليست مسدّسات شارع الحمرا كما أشاهدها بكثرة في هذه الأيّام إلّا أنماطًا معدنيّة من تلك الرغبات، وجلّ ما عليّ فعله كواحد من ناس الحمرا الدائمين هو مجاراة تلك الرغبة أو تجاهلها، أو جرجرة ضروب الصحبة لبعض أصحاب خصورها كحالي مثلًا مع ذاك الفتى الذي افتتحتُ به هذه المقالة.
وعلى كلّ حال، ومع توسيع دائرة البيكار لِما يتجاوز شارع الحمرا ومدينة بيروت، بل وكلّ لبنان، ثمّة روائي عالميّ عظيم تربطني به مشاعر الودّ و”الخوشبوشيّة” بسبب تردّدي الدائم عليه هو الخبير في الأسلحة والرصاص، وقد استقرتْ رصاصة داخل فمه بالتمام في إحدى الحروب ويدعى جورج أورويل، تراه في أحد كتبه يقول: “من المألوف أن يُنظر إلى تاريخ الحضارة إلى حدّ كبير على أنّه تاريخ السلاح”.
ربّما لبنان وعلى ضوء عبارة أورويل الواردة في كتابه “لماذا أكتب؟” هو قزم حضاريّ من جهة السلاح أو ربّما هو عملاق، أترك هذا الأمر للقرّاء. فمتى كان هذا البلد منذ أيّامه الأولى خاليًا من الخصور التي تعمر بالمسدّسات؟ أمّا في ما يتعلّق بمسدّسات شارع الحمرا اليوم، والتي قد شحذتها ذاكرة “حربجيّة ما إلها ربّ”، فكلّ الأمل أن يصار إلى الاقتناع بأنّ خصور المسدّسات هي بنهاية الأمر خصور خالية الوفاض.



