مسرحيّة خيال صحرا لجورج خبّاز مرآة الحرب وأوهام الصورة

في “خيال صحرا”، يضع جورج خبّاز وعادل كرم الجمهور أمام تجربة تتجاوز المسرح الواقعيّ إلى ما يمكن وصفه بـ “التشريح الرمزيّ للذاكرة”. النصّ لا يكتفي باستعادة يوم الـ 13 من نيسان (أبريل) 1975 كحدث تاريخيّ مؤسّس للحرب الأهليّة اللبنانيّة، بل يحوّله إلى مرآة متكسّرة تعكس الماضي وتكشف الحاضر من خلال تراكم خيباته. رولان بارت كان ليقول: لسنا أمام “واقعة” بل أمام “نصّ ثانٍ”، نصّ يعيد كتابة نفسه باستمرار عبر انعكاساته المتكرّرة. ما نراه ليس الحرب، بل خطاب عنها، محاكاة (simulation)  تفرغ الحدث من مادّته وتحيله إلى صورة دائمة التجدّد.

إلى مسرح المحاكاة

القنّاصان اللذان يعتليان الخشبة ليسا شخصيّتين تاريخيّتين بقدر ما هما استعارة حيّة. في لحظة هدنة، يشرّعان في حوار يذكّر بأسلوب أنتونان آرتو في “مسرح القسوة”: الموت يصبح لغة يوميّة، والضحك يتحوّل إلى قناع يموّه الرعب. غير أنّ الضحك هنا لا يعبّر عن كونه انعتاقًا، بقدر ما هو اعتراف بالعجز. وبودريار ينبّهنا إلى أنّ المحاكاة أشدّ قسوة من الحقيقة: فهي لا تعكس الواقع بقدر ما تبتلعه، تفرغه وتعيد إنتاجه كصورة مستقلّة. هكذا يغدو الحوار بين العدوّين أكثر واقعيّة من الحرب نفسها، لأنّه يكشف زيف الأساطير الطائفيّة، لكنّه في الوقت عينه يحاصرنا داخل وهم مسرحيّ يتغذّى من ذاته.

 الشاشة آلة أيديولوجيّة

الخلفيّة البصريّة التي تعرض مشاهد إعادة التعمير، صعود الحريريّة، التحرير سنة 2000، ثمّ الانهيارات والاغتيالات، لا تُقرأ كأرشيف محايد. إنّها، بتعبير بارت، “النصّ الثالث”؛ جهاز أيديولوجيّ يُحوّل كلّ حدث إلى صورة، وكلّ صورة إلى استهلاك. من الحرب إلى المصرف، من القنّاص المسلّح إلى “القنّاص الاقتصاديّ” الذي يفرغ جيوب المواطنين عبر البنوك، تتجسّد هنا آليّة انتقال العنف من الجسد إلى الحساب المصرفيّ. الحرب لم تتوقّف، بل بدّلت أدواتها: من البندقيّة إلى ماكينة الصرّاف الآلي.

جورج خباز وعادل كرم في مسرحية “خيال صحرا”

الذروة تأتي في النهاية: البطلان وقد تقدّمت بهما السنون، قامتان منحنيتان، وجهان أنهكهما الزمن، يقفان حارسين بائسين أمام ماكينة الصرّاف الآليّ. ليست صدفة أن يكونا من حماة المصارف وليس حماة الوطن. المشهد يحيلنا مباشرة إلى انتفاضة “17 تشرين”، حين كان المتظاهرون يهتفون ضدّ المصارف ويحاولون اقتحامها، بينما يقف رجال بائسون للدفاع عنها. هنا يكتمل “الدور التراجيديّ”: من قنّاص على جبهة الحرب إلى قنّاص يحمي واجهات البنوك. سلسلة خيبات لا تنتهي، بلا أفق، بلا درس مستفاد. إنّه مسرح يعرض تحوّل الحرب من صراع دمويّ إلى نظام هيمنة ماليّة، ويكشف أنّ المأساة اللبنانيّة تتعدّى مسألة القتال نفسه لتطال عجزنا عن الخروج من دوّامته.

مرآة بلا جمهور

لكنّ القسوة الأشدّ تكمن في المفارقة: المسرحيّة نفسها تُعرض في فضاء لا يدخله إلّا من يملك ثمن التذكرة. أبناء المناطق الفقيرة ـــ وقود الحروب والثورات ـــ غائبون عن القاعة. المسرح يروي حكاياتهم، لكنّه يقدّمها للنخب التي تستهلكها كفرجة.

هنا نصطدم مجدّدًا بانتقاد بارت للبورجوازيّة: تحويل المأساة إلى أسطورة، وتقديمها في فضاء معزول عن الواقع. هكذا يصبح “خيال صحرا” مرآة مشروخة، بلدًا يُعاد تمثيله بلا جمهوره الحقيقيّ، بلدًا يعيش مسرحيّته التراجيديّة من دون أن يُتاح لضحاياه أن يشاهدوها أو يتعلّموا منها.

خيبات بلا نهاية

من مشهد القنص إلى مشهد المصرف، يرسم خبّاز خطًّا دراميًّا يعكس تاريخ لبنان كدورة مغلقة. كلّ محطّة سياسيّة كبرى- من الحرب الأهليّة إلى التعمير، من التحرير إلى الانهيار- ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة خيبات بلا أفق. المسرحيّة لا تترك مجالًا للوهم الإصلاحيّ أو الحلم التحرّري. إنّها تعلن بصراحة أنّنا محكومون بإعادة إنتاج الأخطاء ذاتها، وأنّ الجرح لا يلتئم بل يتوسع.

لبنان في “خيال صحرا” لم يخرج من الحرب، إنما يعيش حربه كصورة، كفائض مرآويّ، كخيال لا ينفد

بهذا المعنى، يمكن قراءة المسرحيّة كمرثيّة ما بعد حداثيّة، حيث الماضي لا ينتهي والحاضر لا يبدأ، بل يذوبان في محاكاة لا متناهية. لذلك يتخطّى عمل خبّاز تصنيفه كـ “مسرحيّة حدث”، ليتحوّل إلى “مسرحيّة علامة”، حيث الصورة تُعيد إنتاج نفسها بلا توقّف. لبنان في “خيال صحرا” لم يخرج من الحرب، إنما يعيش حربه كصورة، كفائض مرآويّ، كخيال لا ينفد. قوّة العرض أنّه يفضح هذه الحقيقة: أنّ ما نعيشه هو إعادة إنتاج للتاريخ في شكل مسرح دائم، مرآة مشروخة لا تعكس سوى عجزنا عن الاعتراف بأخطائنا.

تراجيديا وكوميديا سوداء

“خيال صحرا” تتعدّى كونها مجرّد مسرحيّة، لتتحوّل إلى درس مؤلم في كيفيّة عمل الذاكرة اللبنانيّة. إنّها تجمع بين الكوميديا التي تُضحك الجمهور والتراجيديا التي تتركه معلّقًا على حافة اليأس. العرض يضعنا أمام مفارقة كبرى: الضحك على خشبة المسرح يقابله بكاء مكتوم خارج القاعة. وما يجعل النصّ أكثر حدّة أنّه يعيد تذكيرنا بأنّ الجيل الذي قاتل في الحرب لم يختفِ، بل أعيد إنتاجه كحارس لمصارف تنهب ودائع اللبنانيّين.

إنّها سلسلة خيبات بلا نهاية، من رصاص القنّاص إلى رصاص المصارف، من دم الحرب إلى جفاف الحسابات. “خيال صحرا” ليست استعادة لزمن مضى وحسب، بل إعلان أنّ الحاضر ليس إلّا تكرارًا مُضاعفًا للماضي. مسرحيّة لا تُعلّم دروسًا، لأنّ أحدًا لا يريد أن يتعلّم، بل مرآة صادمة تكشف أنّنا نعيد السير على الرمال ذاتها، بلا أفق، بلا اعتراف، وبلا مخرج.

ساعة وثلث

عرضت مسرحيّة “خيال صحرا” على خشبة كازينو لبنان، في صالة تتّسع لـ 1500 مقعد امتلأت عن آخرها في جميع العروض، ما يعكس حجم الإقبال والجاذبيّة التي يحظى بها هذا العمل.

العرض جاء للمرّة الثانية بعد أن احتلّ الخشبة نفسها طيلة شهر آب  (أغسطس) العام الماضي 2024، في ما يشبه عودةً منتصرة لعمل وجد مكانه الطبيعيّ بين جمهور واسع.

النصّ، الذي صاغه خبّاز بحسّ نقديّ وساخر، ضمّ لمعات ذكيّة تستعيد بعض النكات المتداولة في الشارع ووسائل التواصل، لكنّه أعاد توظيفها ضمن سياق دراميّ محكم جعلها أكثر وقعًا وعمقًا. بين الحين والآخر، يتحوّل خبّاز وكرم إلى راقصَين أو مغنّيين أو حتّى شاعرين، في مشاهد تكسر الإيقاع وتمنح العرض طاقة حيويّة متجدّدة، مدّتها ساعة وثلث من دون استراحة، زمن محسوب بدقّة بحيث يبقي الجمهور مشدودًا منذ اللحظة الأولى حتّى الإظلام الأخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى