من الأبجديّة إلى الرقميّة.. أوّل متحف فينيقيّ تفاعليّ في جبيل

تخيّل أنّك تقف في جبيل، لكن ليس اليوم، بل قبل آلاف الأعوام. تسمع صوت المطارق في الميناء، فتفتح عينيك لتجد نفسك في قلب الحكاية، مسافرًا عبر الزمن، فتعيش التاريخ بحاضره.

المدينة التي تعتبر واحدة من أقدم المدن المأهولة بشكل متواصل في العالم تستعدّ لاحتضان مشروع ثقافيّ وسياحيّ غير مسبوق، يعيد تقديم الحضارة الفينيقيّة بأسلوب معاصر، جامعًا بين الذاكرة، والتكنولوجيا، والتجربة الإنسانيّة.

في مبنى بلديّة جبيل، أُعلن في أواخر العام الماضي عن مشروع “الرحلة الكبرى للفينيقيّين – The Grand Voyage of the Phoenicians”، وهو أوّل متحف رقميّ تفاعليّ من نوعه في لبنان مخصّص للحضارة الفينيقيّة، برعاية وزارة السياحة وبالتعاون مع بلديّة جبيل، ليشكّل محطّة جديدة في مسار المدينة الثقافيّ والسياحيّ.

المشروع لا يُقدّم التاريخ كرواية جامدة، بل يحوّله إلى تجربة حيّة، يعيشُ فيها الزائر بكلّ حواسه. من خلال عروض رقميّة ومؤثّرات بصريّة، يلامس الزائر تفاصيل الحياة الفينيقيّة اليوميّة، والتجارة، والابتكارات وعلى رأسها الأبجديّة.

التاريخ ينطق بتقنيّات الحاضر

من المتوقّع أن يٌفتتح المتحف في ربيع العام 2026، إذ ستتحوّل الحديقة العامّة في جبيل إلى بوّابة زمنية فريدة. فمشروع “الرحلة الكبرى للفينيقيّين” لن يكون متحفًا بالمعنى التقليديّ حيث تقف خلف حاجز زجاجيّ لتراقب قطعة أثريّة، بل سيكون عالمًا رقميًّا صُمّم كي يمحو الخطوط الفاصلة بين الزائرين والماضي. إذ سيجد الزائر نفسه محاطًا بمشاهد بصريّة وصوتيّة بزاوية 360 درجة، سيعيش التفاصيل اليوميّة لإمبراطوريّة البحر، من صخب الأسواق القديمة إلى الرحلات البحريّة.

وخلف هذا المشروع الاستثنائيّ، الذي يجمع بين الدقّة التاريخيّة والابتكار التقنيّ، تكمن رؤية واضحة: أن يكون الزائر بطلًا داخل الرواية الفينيقيّة. فقد تعاونت نخبة من المؤرّخين على ضمان صحّة المحتوى التاريخيّ، إذ استخدمت أحدث التقنيّات البصريّة، والصوتيّة، وتقنيّات الذكاء الاصطناعيّ.

المشروع لا يُقدّم التاريخ كرواية جامدة، بل يحوّله إلى تجربة حيّة، يعيشُ فيها الزائر بكلّ حواسه

ومن خلال مزج الإضاءة الرقميّة، والصوت السينمائيّ، والسرد القصصيّ، سيعيش الزائر رحلة حسّيّة وعاطفيّة عبر بدايات الحضارة: من اختراع الأبجديّة، مرورًا بامتداد التجارة الفينيقيّة عبر البحر المتوسّط، وصولًا إلى تأثير هذه الحضارة على الثقافات، ليشعر وكأنّه يعبرُ في التاريخ، لا يسمعه فقط.

أوّل متحف رقميّ تفاعليّ

أوضحت المسؤولة الإعلاميّة في بلديّة جبيل-بيبلوس آية يونس، في حديث خاصّ لـ “مناطق نت”، أنّ مشروع “الرحلة الكبرى للفينيقيّين” يُعدّ أوّل متحف رقميّ تفاعليّ من نوعه على مستوى لبنان، وهو مشروع ينفَّذ من قبل القطاع الخاصّ بالتعاون مع بلديّة جبيل، وتقتصر مساهمة البلديّة على تقديم الموقع اللازم لإقامته.

وأشارت يونس إلى أنّ اختيار مدينة جبيل لاستضافة هذا المتحف لم يأتِ صدفة، بل يعود إلى كونها تُعدّ مهد الحضارة الفينيقيّة، إذ انطلقت منها أولى المراحل التاريخيّة لهذه الحضارة. وأضاف أنّ جبيل معروفة عالميًّا بتاريخها ومكانتها السياحيّة، ما يجعلها الموقع المناسب لاحتضان مشروع يسلّط الضوء على الإرث الفينيقيّ.

وفي ما يتعلق بأهمّيّة المتحف، لفتت إلى أنّ التجربة الرقميّة ستسهم في تعزيز الهويّة التاريخيّة لجبيل، من خلال تقديم الحضارة الفينيقيّة بأسلوب تفاعليّ معاصر. فالمتحف، الذي سيقام في الحديقة العامّة لمدينة جبيل، موجّه إلى الزوّار من مختلف الأعمار، وسيعتمد على تقنيّات رقميّة متطوّرة تتيح للزائر التعرّف إلى التاريخ الفينيقيّ بطريقة مختلفة عن الأساليب التقليديّة المعتمدة في الكتب والمناهج المدرسيّة.

نقل المعرفة عبر التكنولوجيا

وأكّدت يونس أنّ الهدف من هذا الأسلوب الجديد هو نقل المعرفة التاريخيّة عبر التكنولوجيا، باستخدام عروض ثلاثيّة الأبعاد وتجارب غامرة، تُمكّن الزائر من الشعور وكأنّه دخل فعليًّا إلى عالم الحضارة الفينيقيّة، ما يجعل التاريخ أقرب وأكثر حيويّة، لا مجرّد معلومات جامدة.

وأفادت أنّ الاعتماد على الطابع الرقميّ يواكب طبيعة العصر والجيل الجديد، من دون التقليل من أهمّيّة الكتاب، لافتةً إلى أنّ المحتوى التاريخيّ الموجود في المصادر الورقيّة يمكن تقديمه بوسائل تكنولوجيّة حديثة تُحوّله إلى تجربة حسّيّة شاملة. وأشار إلى أنّ الاستفادة من التكنولوجيا في هذا المجال أمر ضروريّ، لا سيّما أنّ فهم الحاضر والمستقبل يستلزم العودة إلى الجذور ومعرفة البدايات.

وفي هذا السياق، لفتت يونس إلى أنّ جبيل مدينة قائمة فوق طبقات تاريخيّة متراكمة، حيث بُنيت مدينة فوق أخرى عبر العصور، ما يجعلها غنيّة بالآثار. ورأى أنّ المتحف يشكّل فرصة فريدة لإعادة إدخال الزائر إلى عمق هذا التاريخ، وإلى نقطة انطلاق الحضارة الفينيقيّة.

أمّا عن موعد افتتاح المتحف، فأكّدت أنّ الأعمال التحضيريّة بدأت بالفعل، ومن المتوقّع أن يكون المشروع جاهزًا لاستقبال الزوّار في ربيع العام 2026، وفقًا لما كانت قد أعلنته الجهة المنظّمة.

ربّما يكون أبرز ما هو لافت في مشروع “الرحلة الكبرى للفينيقيّين”، كونه مسارًا يربط بين الأمس واليوم: بين أبجديّة الفينيقيّين وعالم الرقميّة الحديثة، مجسّدًا جهد الإنسان في نقل المعرفة. هنا، يصبح الماضي حيًّا من خلال الحاضر، والتاريخ تجربة يمكن الشعور بها، ليؤكّد أنّ الحضارات والثقافات لا تنتهي، بل تتجدّد من خلال أدوات وعقول اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى