“وقت بين السيجارة والتخت” لهشام أبو خزام.. عن دخان النوم وتفاصيل أخرى

بعد طول انتظار، صدرت المجموعة الشعريّة “وقت بين السيجارة والتخت” عن دار النهضة العربيّة للشاعر هشام أبو خزام. ديوان يقارب 100 صفحة تستطيع أن تقرأها بأذنيك قبل عينيك، وإن لم تك التقيت بكاتبها، كأنّك به مخرجًا سينمائيًّا مُبدعًا أبطاله ذاته وكل ما يقع إبداعه عليه. فالكلّ في قصيدته ناس (الأشياء ناس، الأماكن ناس، المشاعر ناس، الآلهة ناس، حتّى الموت ناس).
يشكّل الديوان تجربة شعريّة فريدة تتجاوز حدود النصوص المحكيّة، لتصبح رحلة في وجد الإنسان اليوميّ، وفي أسرار الذات العميقة، وفي التناقضات الحسّيّة والعاطفيّة التي نعيشها دون وعي كامل. النصوص هنا ليست مجرّد كلمات مرتّبة على ورق، بل نوافذ على عالم داخليّ متشابك، حيث يلتقي الواقع العابر مع التأمّل الداخليّ، والسطحيّة اليوميّة مع العمق النفسيّ.
يبرع أبو خزام في تحويل لحظات ربّما تبدو عابرة إلى تجارب شعوريّة مكثّفة. فالسيجارة، على سبيل المثال، ليست مجرّد عادة أو فعل روتينيّ، بل لحظة توقّف وتأمّل، منفذ للذات، ووسيلة للتواصل مع هواجس داخليّة لا يجرؤ المرء على التعبير عنها عادة، كما أنّها امرأة يتغزّل بها وبعلاقته معها فيخاطب الحبيبة بتلقائيّة “فكري اكتبلك قصيدة، عن شكل السيجارة بإيدي”.
عن التخت وأشياء أخرى
أمّا التخت، فهو ليس مجرّد مكان للنوم، بل فضاء حميم تتلاقى فيه الذاكرة، الحنين، والتفاعل مع الذات الداخليّة والذوات الأخرى. بهذه الطريقة، يصبح كلّ نصّ تجربة حسّيّة وفلسفيّة في آن واحد، حيث تتداخل اللحظة الصغيرة مع الرؤى الكبيرة.
محكيّة أبو خزام أداة فنّيّة دقيقة، تمنح النصّ إحساسًا بالحميميّة والقرب من قارئه أو سامعه، وكأنّ النصّ يُقال بصوت داخليّ مألوف، يقوله كما يقال، فليس الشاعر متخصّص تجميل للغة، فلا ضير أن “يتمنيك” أو يشتم إن كان الأمر في سياقه وفي مكانه، والكلمة عنده يكتبها كما يفكّر فيها، ومهما بدا من أمر فهي تحمل عمقًا فلسفيًّا وتأمّليًّا، تُجبر القارئ على التوقّف والتساؤل عن معنى الوقت، عن معنى الوجود، وعن الأفعال اليوميّة التي غالبًا ما تمرّ دون وعي. القصيدة لا تكتفي بالوصف، بل تخلق حوارًا بين القصيدة والقصيدة، بين القصيدة والقارئ، بين الكاتب وذاته، وبين القارئ وذاته، واللغة عنده ليست ترفًا ولا متنفّسًا بل هي همّ وتعب وشقاء، يقول شاعرنا:
أوعى تخافي من اللغة
إن شفتي الشعر صفّى قبر مهجور
شغل اللغا بالأصل حفّارة قبور
تأرجح وجدانيّ مستمرّ
أسلوب هشام في التنقّل بين المشاهد الصغيرة والانفعالات المتفجّرة، يعطي الديوان إيقاعًا شعوريًّا متقنًا: لحظات هدوء وسكون، ثمّ اندفاع شعوريّ مفاجئ، ثمّ موجات حنين، ثمّ سخرية صامتة، بحيث يعيش القارئ حالة تأرجح وجدانيّ مستمرّ. يقول في إحدى قصائده:
«بيعنّ ع بالي الشعر أوقات
مسبّات
عم تركض ورا مسبّات
ثم ينهي قصيدته:
بيعنّ ع بالي الشعر أوقات
مسبّات
عيب القصيدة تنتلي مسبّات».
في الختام، لعلّ أبلغ ما قد يقال عنه جملة اختتم بها أبو خزام قصيدته التي أسماها “كتابي العزيز” حين يقول: “الحزن ال بقلبي كتاب”
في الكتاب، معظم القصائد قصيرة لكنّها مكثّفة في العمق والفكرة، وتترك أثرًا في النفس، تجعلنا نعيد النظر في التفاصيل اليوميّة، وفي المشاعر التي نمرّ بها دون وعي كامل. وبعضها يذكّرنا بشعر “الهايكو” الياباني من حيث التكثيف في الصورة والمعنى في كلمات قليلة، يذكّرنا به دون أن يشبهه، حين يقول مثلًا:
«لمّا اشتقت للوقت
علّقت
صورة وجّك بهالبيت
ساعة حيط…».
القصائد في مختبر بو خزام خريطة وجدانيّة للذات البشريّة: مزيج من الحنين، الانكسار، الحبّذ، الفقدان، والسخرية الصامتة. هشام بو خزام خلق حالة من التأمّل الدائم، جعلتنا نعيش اللحظة بكلّ تفاصيلها، ونعيد التفكير في ما كان يُعتبر مسلّمًا به. وقد جعل من مجموعته الشعريّة الأولى مساحة لاكتشاف الذات، وفهم الآخر، وإعادة تقييم التجارب اليوميّة من منظور حسّاس وفلسفيّ.
إضافة إلى ذلك، يتميّز الكتاب بالقدرة على مزج البساطة بالعمق، والعامّيّ بالفلسفيّ. حين تتحوّل قصائده إلى تجارب شعوريّة مكتملة، تكشف ما هو خفيّ وتدلّ على الملموس في آن واحد.
رحلة استكشافيّة للنفس
“وقت بين السيجارة والتخت” ليس مجرّد كتاب شعريّ، بل هو رحلة استكشافيّة للنفس، وتأمّل فلسفيّ في تفاصيل الحياة اليوميّة، ومواجهة صادقة مع الانفعالات الإنسانيّة التي تشكّل جوهر تجربتنا الحياتيّة.
بدا واضحًا في كتاب أبي خزام علاقته وتعلّقه المرهف بعائلته وبأصدقائه، فها هي أمّ هشام التي أجزل وأوجع ابنها في تخليدها شعرًا يقول عنها:
«عم أكتب وسمّي
أوّل نبي وآخر نبي أمّي
هوّي قلب إمّي…».
وأبو هشام الذي «اشتهى بليلتا غزْل البنات» والذي كما يقول شاعرنا:
«بيّي بسرعة كش… مات
ما ضلّ منّو غير تلويحة الإيد…».
وخلود التي قال لها ذات قصيدة، ذات عيد:
«يا بنت
جسمي إلك مخبوز من ضحك ودمع
بالعيد.. صبّي نبيد
وضوّي صابيعن شمع
و»النبي» اللي
اسمو نديم وضحكتو بعز الفرح سكرة
خصوصي ان طلعلو الضحك ع بكرا…».
في الختام، لعلّ أبلغ ما قد يقال عنه جملة اختتم بها أبو خزام قصيدته التي أسماها “كتابي العزيز” حين يقول: “الحزن ال بقلبي كتاب”



