مبادرات وأعمال

النبطية: موسم زيتون إستثنائي بزيادة ستة اضعاف عن العام الماضي

زهير دبس

على وقع هدير طائرات الاستطلاع الاسرائيلية MK (يلقبها الجنوبيون بأم كامل) والتي لم تغب منذ فترة عن سماء الجنوب، افترش الجنوبيون كرومهم لقطاف موسم زيتون إستثنائي يمر هذا العام، غير آبهين لأصوات الطائرات التي تحلّق بشكل متواصل وأصبحت جزءاً من المشهد الجنوبي. موسم الزيتون حديث الساعة في كل مكان، ومظاهر قطافه تبدو طاغية على الساحات والطرقات حيث يتجمع العمال منذ الصباح الباكر متوجهين إلى الكروم. المركبات بمختلف أنواعها تقلّ عمالاً من أجل قطاف الموسم وفي الكثير من الأحيان عائلات بأكملها يحملون متاعهم المؤلف من قطع قماش يفرشونها تحت شجر الزيتون وسلالم وأكياس وغيرها من الأدوات تمهيداً ليوم طويل وشاق لكنه ممتع. مشهد الناس في الحقول ظاهر للعيان والعمل جارٍ على قدم وساق والمحصول ممتاز. الزحمة على الأفران كبيرة ومضاعفة فالترويقة مناقيش مع كباية شاي في ظلال الزيتون. المعاصر لا تهدأ والازدحام فيها كبير والعمل ليل نهار وعلى مدار الساعة، وحجز موعد لعصر الزيتون يتطلب الانتظار لأيام طويلة.

لماذا الموسم إستثنائي هذا العام؟ يجيب رئيس تعاونية مزارعي الزيتون في قضاء النبطية حسن أسد الله سلامة الذي التقته “مناطق. نت” في المعصرة التي تملكها التعاونية في بلدة الدوير. أن الموسم لم نشهد له مثيلاً من قبل وهو يبلغ حوالى ستة أضعاف الموسم السابق. والسبب في ذلك يقول سلامة إن موسم الأمطار كان جيداً جداً (حوالى الألف ملم) إضافة لذلك أن المناخ كان مؤاتياً لشجرة الزيتون التي تعتبر حساسة وفي الوقت نفسه قوية في هذه المنطقة التي تتراوح الارتفاعات فيها بين ٤٠٠ إلى ٤٥٠ متر والتي لم تتعرّض بشكل كبير هذا العام إلى موجات حرّ شرقية أثناء انعقاد الزهر.

زراعة الزيتون شهدت نمواً مضطرداً منذ حوالى الثلاثين عاماً حيث لجأ معظم أهالي قضاء النبطية إلى زراعة هذه الشجرة في حقولهم بعدما كانت مقتصرة على أماكن محددة في الوديان حيث يوجد أشجار معمّرة منها، عمرها مئات السنين. وفي هذا الإطار يقول سلامة إن حوالى ٤٠ ألف دونم هو حجم الأراضي المزروعة زيتون في منطقة قضاء النبطية وأن بلدة بريقع هي الأولى في القضاء لجهة عدد أشجار الزيتون. وأشار سلامة إلى أن الاستثمار في زراعة الزيتون غير مربح من الناحية التجارية لأن كلفته مرتفعة والعمل فيه يتطلب أوقاتاً طويلة لكنه ضروري من أجل حاجات العائلة. وقدّر سلامة نسبة العمالة الأجنبية في قطاف محصول الزيتون بحوالى التسعون في المئة معظمهم سوريون حيث يتراوح الأجر اليومي للعامل بين ٣٥٠٠٠ إلى ٤٠٠٠٠ ليرة لبنانية يومياً. تابع سلامة: “ الأحوال تبدّلت ولم يعد الشباب اللبناني يهتم بالعمل في هذا القطاع”. وأوضح أن القطافات زادت من نسبة تراجع العمالة في هذا الحقل حيث حلّت “القطافات” التي تقطف الواحدة حوالى ٦٠٠ كيلو زيتون في النهار، وهذه توفّر على المزارع أجور عشرة عمال.

عن نوعية زيت الزيتون في منطقة قضاء النبطية يقول سلامة إنه فاخر جداً يُطلق عليه “خدير” وقد فاز في المرتبة الأولى في لبنان ثلاث مرات بشهادة لجنة دولية ضمّت أعضاء من الأردن، تونس، إيطاليا وإسبانيا. وعما إذا كان يستوفي الشروط الأوروبية قال إن المعصرة التي تمتلكها التعاونية قدمتها الحكومة الإيطالية كهبة بعد حرب تموز العام ٢٠٠٦ وهي متطورة تعصر ٥٠٠ كيلو زيتون في الساعة وتعالجه بطريقة حديثة بحيث تنتج زيت يستوفي الشروط الأوروبية. وأشار إلى أن المعصرة لا تنتج فضلات مؤذية للطبيعة من مياه زيبار وغيرها لأنها تعمل على البارد وفضلاتها تستعمل في التدفئة والتسميد. عن كمية الإنتاج وعمّا إذا كانت تكفي المستهلك في القضاء قال سلامة إنها بالكاد تكفيه. وعن سعر تنكة الزيت هذا العام توقّع سلامة أن تكون في حدود المئة دولار.

الزيتون يعطي سنة ويعتكف سنة عن العطاء. عن هذه المقولة يقول سلامة إنها خاطئة وليس لها أي تبرير علمي، فالزيتون يعطي كل عام في حال اتبعنا الطرائق الصحيحة في العناية به وهي تبدأ بالتشحيل الصحيح وبتسميد الشجرة بعد القطاف، ومن ثم إعطاؤها المغذيات في شهر شباط، ورشها بالمبيدات في أوقات معينة حماية لها من مرض عين الطاووس الذي يصيب الزيتون، حينها تعطي كل عام. عن أنواع الزيتون في القضاء قال سلامة إن معظمه بلدي والباقي إيطالي وإسباني.

عن تأسيس التعاونية يقول سلامة إنها تأسست في العام ٢٠٠٣ وهي جمعية لا تبغي الربح، وتمّ تسجيلها في وزارة الزراعة وتضم ٢٥ عضواً من بلدات عدة في قضاء النبطية. سلامة قال إن موسم الزيتون وعمل المعصرة يمتد لشهر ونصف تقريباً من بدايات شهر تشرين الأول وحتى منتصف تشرين الثاني، وتوقع أن تصل الكميات التي ستعصر في المعصرة هذا العام إلى حوالى ١٤٠ طن في حين كانت الكميات في العام الماضي ٣٦ طن. وقال إن كلفة عصر كيلو الزيت هي ١٠٠٠ ليرة.

وحذّر سلامة من حفظ الزيتون في غالونات بلاستيكية مشيراً إلى أن هذه الغالونات مصنوعة من بترول وهي تفسد الزيت وتضر به، ونصح بحفظ الزيت في أوعية زجاجية أو ستانلس بعيداً عن أشعة الشمس والضوء والهواء.

من جهته يقول أمين سر الجمعية التعاونية الأستاذ إسماعيل حطيط أن أحد أهداف الجمعية هو تعميم ثقافة جديدة حول كيفية زراعة الزيتون وتوسيعها وذلك بالتعاون مع خبراء أجانب استقدمتهم الجمعية من أجل ذلك، ويتعلق بطرائق زراعته وقطفه وتوضيبه وصولاً إلى عصره وتخزينه. يضيف حطيط أن ما نشهده اليوم من تطور في إنتاج الزيتون هو نتيجة عمل الجمعية من توعية حول تلك الشجرة، بدءاً من تقليمها ورشها بالمبيدات المطلوبة وحراثة الأرض بشكل علمي والاعتناء بها واستخدام طرائق حديثة في قطاف المحاصيل منها “القطافات”. يضيف حطيط أن لزيت الزيتون فوائد كبيرة على صحة الإنسان.

الموسم لا يزال في عزه والقطاف جارٍ على قدم وساق، والحديث لا ينفك عن معادلة الزيت نسبة للزيتون وهو يُقاس “بالمد” والأخير هو عشرة كيلوغرامات. المعاصر تدور ومعها تدور الحكايات صافية لا يعكر صفوها لا طائرات تهدر في الأجواء، ولا تعب النهار الذي يقطر مواسم خير وبركة ولسان حاله يقول “كان غير شكل الزيتون”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى