منطقة بعلبك المنسية تلملم جراح الحرب وركامها

في الجنوب اليوم، تحضر الكاميرات، تتزاحم التصريحات، وتُعقد المؤتمرات حول الدمار وإعادة التعمير. أمّا في البقاع، حيث شمسطار وسرعين والنبي شيت وطاريّا والتليلة وغيرها من المناطق المدمّرة، المشهد مختلف تمامًا. هنا، لا ضجيج سياسيّ، ولا زيارات رسمية تُطمئن الناس، ولا خطّة واضحة للتعويضات. هنا، العائلات تواجه مصيرها وحدها.
بحسب الباحث في الدوليّة للمعلومات محمّد شمس الدين، فإنّ حجم الدمار الذي أصاب المناطق اللبنانيّة كبير، وإعادة تعمير هذه المناطق لا تحتمل التأجيل. وبالأرقام، هناك 53 ألف وحدة سكنيّة دُمِّرت بالكامل في لبنان، منها 4500 وحدة في البقاع. و317 ألف وحدة تضرّرت جزئيًّا، منها 13 ألف وحدة في البقاع.
هذه الأرقام، التي ما زالت ترتفع حتّى بعد وقف إطلاق النار نتيجة استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة، تكشف أن معاناة الناس لم تتوقّف مع توقّف الغارات، بل بدأت فصولها الأكثر قسوة.
فاجعة بثلاثة شهداء ودمار
في منزل عائلة سماحة في بلدة طاريّا قضاء بعلبك، لا شيء يوحي بأنّ الحياة يمكن أن تزور هذا البيت من جديد. خلال دقيقتين فقط من خروج الأب رفعات سماحة من المنزل، اخترق صاروخ إسرائيليّ السقف، ما أدّى إلى مقتل أبنائه الثلاثة: فضل، علي ومحمّد الهادي.
يروي الأب حكاية المجزرة بنبرة مختنقة، وكأنّها المرّة الأولى التي يسمع فيها صدى الخسارة. ركض نحو المنزل لم يجد سوى ركام، ولا جسد واحد يمكن حمله.
هناك 53 ألف وحدة سكنيّة دُمِّرت بالكامل في لبنان، منها 4500 وحدة في البقاع. و317 ألف وحدة تضرّرت جزئيًّا، منها 13 ألف وحدة في البقاع
يقول رفعات سماحة في حديث إلى “مناطق نت”: “بعد شهرين من وقف إطلاق النار، زاروا منزلنا وأجروا كشفًا على الأضرار. لكنّ التعويضات الموعودة لم تصل بعد. حصلنا على 8000 دولار لشراء أثاث منزل و3000 دولار بدل إيجار لسنة واحدة، وهي مبالغ لا تقترب من كلفة إعادة بناء المنزل”.
يسمع سماحة عن دفعات محتملة قدرها 10 آلاف دولار، لكن “ما في شي أكيد… كلّه حكي يتداوله الناس”.
بيوت بين الدمار والصقيع
في التليلة قضاء بعلبك، شهد جهاد شداد لحظة قلبت حياته رأسًا على عقب. ففي الـ 23 من أيلول (سبتمبر) 2024 عند الساعة الـ 5:45 مساءً، سقط صاروخ فوق منزله مباشرة، وحوّله إلى ركام، ومعه 15 منزلًا مجاورًا، بينها منزل والده، حيث سقطت الجدران وتكسّرت النوافذ.
في تلك الليلة، قضى جهاد الساعات وهو يحاول استيعاب أنّ لا سقف فوق رؤوس أطفاله الذين يبحثون عن ألعابهم تحت الأنقاض. يقول: “جنى عمري راح، بيتي راح كلّه”.
بعد شهر من “وقف إطلاق النار” في الـ 27 من تشرين الثاني (نوفمبر) العام الماضي زارت جهات معنيّة بالتعويضات المنطقة، وعاينت الدمار. لكنّ “الملفّ” بقي حبرًا على ورق، ولم يحصل جهاد على أيّ تعويض سوى بدل إيواء، ما اضطرّه إلى استئجار منزل في بلدة العقيديّة لمدة ستّة أشهر، ثمّ عاد ليُرمّم منزل والده، وانتقل مع عائلته للعيش هناك.

يختم جهاد كلامه متوجّهًا إلى الدولة بصوت يغلبه الغضب: “يا دولة، نحن عبواب الشتويّة. تحرّكوا. ما عاد فينا نتحمّل”.
مجزرة في طاريّا
في طاريّا، سقط 32 شهيدًا من بينهم عائلة حميّة التي تعرّضت لواحدة من أبشع الغارات. في الـ 23 من أيلول 2024، سقطت صواريخ عدّة متتابعة على منازل البلدة، وارتفعت سحب الدخان ودوّت صرخات.
وصل عبدالله حميّة إلى المكان بعد سماعه الصوت. يصف المشهد اليوم بأنّه كان كيوم القيامة: جثامين ممدّدة على الأرض، رائحة تراب ممزوجة بالدم، ونساء يصرخن على أبواب البيوت المدمّرة. استشهدت جدّته، ابنتاها، حفيدان، زوجة أحدهما وولدهما الصغير، إضافة إلى جيرانه ممّن كانوا داخل المنزل لحظة الانفجار.
على رغم الدمار، تحوّل المنزل إلى مركز لمساعدة الناس: سيّارات إسعاف، توزيع مساعدات، وشباب يجمعون الجرحى، فيما تطبخ الوالدة يوميًّا لأكثر من 20 شخصًا.
دولة لا ترى ولا تسمع
لكنّ المأساة لم تتوقّف هنا، فصاروخ وزنه 900 كيلوغرام، انغرس 12 مترًا في أرض بيت عبدالله، دون أن ينفجر. لولا ذلك، لكانت البلدة شيّعت دفعة أخرى من العائلة. دمّر الصاروخ أسس المنزل، وأمر المهندسون بهدمه، لتبدأ رحلة نزوح جديدة.
يبقى السؤال: هل سيتمّ دفع بدل إيواء عن سنة نزوح أخرى؟
يقول عبدالله: “المقاومة قامت بكلّ واجب وزيادة… دفعت مبالغ كافية وافية، ما سمّيتها تعويضات، بس هيدا تفضّل منهم لوقفتنا معهم”.
أمّا في ما يخصّ ما قدّمته الدولة اللبنانيّة، يقول عبدالله: “ولا حتّى إحصاء للأضرار، ولا زيارة، ولا مساعدة… نوابنا قدّموا اقتراح قانون لإعفاء الناس من ضرائب على خدمات أصلًا مش موجودة… وين المنطق؟”.
ويختم عبدالله: “الدولة واجبها أن تحمينا. بس الدولة مش سامعة، ولا شايفة”.
البقاع بين الركام والصمت الرسمي
البيوت يمكن ترميمها، لكنّ الشروخ التي تركتها الحرب في نفوس الناس لا تُشفى. في البقاع، يشعر المواطن أنّه واقف بين حرب لم يخترها ودولة لم تختره.
كم من الوقت سيظلّ البقاع يدفع ثمن تجاهل الدولة لأهله؟ ومتىّ تتحول الوعود إلى قرارات؟ والقرارات إلى تعويضات؟ والتعويضات إلى بيوت تُبنى من جديد؟ حتّى ذاك الحين، يظلّ الركام يروي قصصه بصوت أعلى من كلّ البيانات الرسميّة.
بعد مرور سنة على إعلان وقف إطلاق نار هشّ ودفع تعويضات بدل أثاث منزل وإيواء لمدّة سنة، هناك آلاف العائلات في منطقة بعلبك الهرمل فقدت منازلها وتعيش النزوح والانتظار. تنتظر من يعيد إليها منازلها المدمّرة، ليمسح بعضًا من ذكريات الأيّام السود الأليمة، لكن يبقى السؤال: هل سيتمّ دفع بدل إيواء عن سنة نزوح أخرى؟



