شباب عالق بين قلق الانتظار واحتمال الهجرة

في أحد مقاهي بيروت الصغيرة، تجلس مهى (27 عامًا) بعينين متعبتين تتنقّلان بين الـ “لابتوب” وأوراق عملها المكدّسة أمامها وجهاز هاتفها. حين تنظر إليها من بعيد يُخيّل إليك أنّ حياتها عاديّة جدًّا ومستقرّة، فهي تعمل وتضحك مع أصدقائها وترتشف قهوتها كأيّ شخصٍ يجلس في مقهى. لكن، في داخل تلك العينين يدور سؤال الهجرة المستمرّ والحاضر دائمًا كظلٍّ لا يغادرها.
“صحيح أنّ هذا السؤال لا يظهر في حديثي اليوميّ، لكنّه حاضر بقوّة وصمت ويفرض نفسه دائمًا على تفكيري. ويتجسّد في تأجيل خططي وتردّدي في اتّخاذ القرارات، وفي شعوري بأنّ كلّ شيء موقّت حتّى وإن طال”، توضح مهى لـ “مناطق نت”.
هكذا، تعيش مهى حياتها كمن يضع قدمه داخل المكان ويُبقي الأخرى جاهزةً للانسحاب في أيّ لحظة. فبالنسبة إلى كثيرين من الشباب والشابّات في لبنان، لم تعد فكرة الرحيل مرتبطةً بلحظةٍ حاسمة أو بقرارٍ واضح، بل تسلّلت بهدوء لتصبح جزءًا من وعيهم اليوميّ.
وبهذا المعنى، لم تعد الهجرة خيارًا جاهزًا ولا خطّةً مكتملةً، بل حالة ذهنية ترافقهم وتعيد تشكيل علاقتهم مع الحاضر: العمل والعلاقات والعائلة. وبين البقاء الذي لا يُختار دائمًا، والرحيل الذي لا يتحقّق بسهولة، يعيش جيل كامل في مساحةٍ معلّقة، حيث يبدو البقاء غير مستقرّ بما يكفي، والرحيل غير ممكنٍ بما يكفي. وبين هاتين الحالتين، تتشكّل حياة كاملة لكنّها مؤجَّلة وغير محسومة. حياة مفتوحة على سؤال: كيف يُعاش هذا التعليق الطويل؟ وكيف تبدو الحياة حين يكون المستقبل مؤجّلًا باستمرار؟
عيش في مساحةٍ معلّقة
لا يظهر وضع التعليق، إذن، بالضرورة على شكل إعلانٍ صريحٍ بالرحيل أو يتحوّل إلى خطّة واضحة. هي حالة تتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليوميّة، فتجعل التخطيط نفسه فعلًا هشًّا. تقول مهى وهي تُخفي ابتسامةً حزينةً: “أرسم خططي مع هامش تراجع، وأؤجل مشاريع شخصيّة ومهنيّة مرارًا ليس بسبب غياب رغبتي في تنفيذها، بل غياب الشعور بالاستقرار الكافي للمضيّ في أيّ شيء”. وتضيف: “كأنّ الاستثمار في الحاضر بات يتطلّب يقينًا لا أملكه، وكل ما أفكّر فيه أنّني سأرحل في أيّ لحظة عن هذا البلد”.
تتحوّل الهجرة قبل أن تصبح قرارًا أو خطّةً أو فعلًا، إلى حالٍ ذهنيّةٍ وطريقة تفكير تُرافق يوميّات اللبنانيّين واللبنانيّات الشباب، وتُعيد تعريف معنى العيش
حتّى العلاقات، في معظم الأحيان، لا تنجو من وضع التعليق الذي يعيشه كثيرون من شباب لبنان. تؤكّد مهى: “أُعيد ترتيب علاقاتي الاجتماعيّة على أساس احتمالات رحيلي التي تدور في رأسيّ بشكلٍ مستمرّ، وأتعامل بعاطفةٍ محسوبة، وبقربٍ حذر ومع هامش تراجع. كذلك أصبح الارتباط مشروطًا خوفًا من البقاء في مكانٍ قد لا يكون نهائيًّا”. وتضيف: “هكذا، حياتي موزّعة بين حاضر أعيشه بحذر، ومستقبل أحضّر له ذهنيًّا في مكانٍ آخر”.
حال العيش في مساحةٍ معلّقة تتّخذ أشكالًا أكثر وضوحًا في ممارسة هؤلاء الشباب اليوميّة، مثل البحث الدائم عن فرص عمل في الخارج، متابعة إعلانات المنح الجامعيّة وبرامج الهجرة، وتعلّم لغاتٍ جديدة. وفي خلفيّة تفكيرهم، يُجرون مقارناتٍ لا تتوقّف بين الداخل والخارج، بين ما هو متاح هنا وما يبدو ممكنًا هناك.
هكذا، تتحوّل الهجرة قبل أن تصبح قرارًا أو خطّةً أو فعلًا، إلى حالٍ ذهنيّةٍ وطريقة تفكير تُرافق يوميّات اللبنانيّين واللبنانيّات الشباب، وتُعيد تعريف معنى العيش في بلدٍ يبدو دائمًا موقّتًا. هي ليست رغبة دائمة في الرحيل بقدر ما هي صعوبة في الاستقرار التامّ، وحياة تُدار على إيقاع الاحتمال.
عوائق الرحيل
بحسب الباروميتر العربيّ، يفكّر نحو 63 في المئة من الشباب اللبنانيّ بين 18 و29 عامًا في مغادرة البلاد، وهي نسبة لا تعبّر فقط عن رغبة واسعة بالهجرة، بل عن فجوة عميقة بين التفكير في الرحيل والقدرة الفعليّة عليه.
فهذا الاستعداد الذهنيّ للرحيل لا يعني بالضرورة القدرة الفعليّة عليه. إذ خلافًا للصورة الشائعة، الهجرة ليست خيارًا متاحًا أمام الجميع، أو قرارًا يمكن اتّخاذه بمجرّد رغبنا في ذلك. تبرز في لبنان عوائق كثيرة تُبقي الشباب في حال انتظارٍ طويلة، تبدأ عند الكلفة المادّيّة المرتفعة من معاملاتٍ ورسومٍ وسكنٍ وانتقال، ولا تنتهي عند القوانين المعقّدة التي تنظّم التأشيرات والإقامات، فتتحوّل فكرة الرحيل إلى مسارٍ مليء بالشروط والترقّب.
كذلك تلعب المسؤوليّة تجاه العائلة دورًا حاسمًا. فبعض الشباب يُعيلون أهلهم، وآخرون يشعرون أنّ مغادرتهم تعني ترك عبءٍ ثقيلٍ خلفهم، كما تقول مهى: “ترك العائلة ليس أمرًا سهلًا ويؤثّر في تأجيل قراري بالرحيل. والداي لم يعودا صغيرين في السنّ، ويجب أن أتواجد من أجلهم”. في هذه الحالات، يصبح الرحيل قرارًا جماعيًّا، يتداخل فيه الشعور بالواجب مع الإحساس بالذنب، ويُؤجّل مرارًا.
تنعكس حالة التعليق الطويل التي يعيشها الشباب اللبنانيّ مباشرةً على تفاصيل حياتهم اليوميّة. فيعمل كثيرون في وظائف غير نهائيّة بالنسبة إليهم
من هنا، تتكشّف الفوارق بوضوح في مسألة الهجرة، بين من يملكون الموارد والشبكات والقدرة على العيش في الخارج، وبين من يملكون الرغبة فقط، تتّسع الهوّة. في هذا السياق، لا تبدو الهجرة خيارًا متكافئًا في لبنان، بل امتيازًا يُتاح للبعض، فيما يبقى آخرون عالقين في المساحة نفسها، أيّ مستعدّين للرحيل ذهنيًّا لكن عاجزين عنه فعليًّا، ومضطرّين لمواصلة حياتهم اليوميّة في مساحة التعليق الطويل.
أثر العيش في مساحةٍ معلّقة
تنعكس حالة التعليق الطويل التي يعيشها الشباب اللبنانيّ مباشرةً على تفاصيل حياتهم اليوميّة. فيعمل كثيرون في وظائف غير نهائيّة بالنسبة إليهم، حتّى وإن استمرّت سنوات. توضح مهى أنّ “الالتزام طويل الأمد مهنيًّا ليس أمرًا سهلًا في غياب أفقٍ واضح، فالعمل بالنسبة إليّ ليس مسارًا، بل محطة موقّتة تُؤمّن لي الاستمرار إلى حين تنفيذ قرار الهجرة”.
ومع مرور الوقت، تتسرّب هذه الحال إلى علاقتهم مع البلد التي تفقد معناها. فيصبح الانتماء معلّقًا: لا عداءً ولا حبًّا كاملًا، بل كفتور تدريجيّ. وتضيف مهى: “يتسلّل إليّ شعور باللّاجدوى وعدم الانتماء، وأشعر كأنّ أيّ جهد أبذله هنا لا يُراكم، وكأنّ بقائي لا يحقّق نتيجةً ملموسة”.
على المستوى النفسيّ، لا تأتي آثار هذه الحال مرّةً واحدة، بل تتراكم بهدوء، قلق لا يهدأ تمامًا وإحباط يعود كلما حاول الشاب أو الصبيّة رسم طريقهما، وإحساس دائم بأن الأمور خارج سيطرتهما. فغياب الأفق لا يسبّب صدمة بل يُرهق، هو ضغط بطيء يجعل الاحتمال نفسه حالةً يوميّة.
ويزداد هذا الثقل مع المقارنات التي تفرض نفسها على وسائل التواصل الاجتماعيّ. أصدقاء في الخارج تبدو حياتهم أكثر انتظامًا، وقراراتهم أوضح وخطواتهم محسوبة. لا يعرف أحد تفاصيل حياتهم وما يُتعبهم، لكن يراهم الشباب يمضون قدمًا فيما هم عالقون في المكان نفسه. في هذا السياق، لا يعود التعب حالة فرديّةً بل شعورًا مشتركًا بين كثيرين، جيل كامل يحاول الاستمرار لأنّه لا يملك ترف التوقّف والراحة.
جيل بلا قرار نهائيّ
هكذا يتشكّل جيل بلا قرارٍ نهائيّ، لا هجرة كاملة تفتح باب بدايةٍ جديدة، ولا استقرار حقيقيّ يسمح ببناء حياة آمنة في لبنان. وبين هذين الخيارين غير المكتملين، يمتدّ تعليق طويل الأمد يستهلك طاقات الشباب ببطء، ويحوّل الانتظار إلى حالةٍ دائمة تتخلّل تفاصيل حياتهم اليوميّة، فيتعايشون مع الإحساس في أنّ أيّ خطوة قد تكون موقّتة، وأنّ الغد ربّما يحمل تغيّرًا جذريًّا لا يمكن التنبّؤ به.
في هذه المساحة المعلّقة، يعيش الشباب وكأنّهم موقّتون في بلدهم، يقيمون فيه ويعملون ويبنون علاقاتهم، لكن من دون إحساسٍ حقيقيّ بالثبات أو الاستمراريّة. لا يقطعون علاقتهم مع المكان ولا ينتمون إليه بشكلٍ كامل، وكأنّهم ينتظرون لحظةً ما ربّما لا تأتي كي يتّخذوا قرار البقاء أو الرحيل. في هذا المعنى، لا يكون العيش في حالة راهنة خيارًا واعيًا بل نتيجة واقعٍ يفرض نفسه، يترك لهم هامشًا ضيّقًا من الحسم، ويُبقي جيلًا كاملًا معلّقًا بين ما هو قائم وما قد يأتي.
ففي فضاءٍ يبدو بلا حدودٍ واضحة يعيش الشباب اللبنانيّ روتينه اليوميّ وكأنّه نسخة متكرّرة. كلّ يومٍ يشبه الآخر من بعيد، وكلّ قرارٍ صغير يحمل في طيّاته سؤالًا أوسع عن المستقبل. لا هجرة كاملة ولا استقرار حقيقيّ، كلّ شيء مؤجّل وكلّ خطوةٍ محسوبةٍ في ضوء احتمالات متعدّدة، بين ما يمكن تحقيقه وما يبقى حلمًا بعيدًا، لكنّ هذا التعليق الطويل يستهلك طاقاتهم بهدوء.
المقاومة الصامتة
ربّما لن تغادر مهى الآن، وربّما ستبقى تنظر سنوات، لكن في هذا التعليق الطويل تعلّمت كما يتعلّم كثيرون من الشباب، أنّ “الحياة لا تنتظر قرارًا نهائيًّا، ومعنى العيش لا يُقاس بالمكان وحده، بل بالقدرة على الاستمرار والمقاومة الصامتة، والبحث عن لحظات استقرار وسط الغموض”، تختم مهى.
هي لحظات صغيرة: محادثة صادقة مع صديق، إنجاز مشروعٍ صغير، قهوة تُحتسى ببطء، لحظات تجعل استمرار الحياة ممكنًا على الرغم من التعليق الطويل، وعلى الرغم من الشعور بأنّ المستقبل دائمًا مؤجّل.



