شجرة ميلاد بعلبكيّة بروح ثقافيّة من كتب وورق وذاكرة

في قلب مجلس بعلبك الثقافيّ، وسط قاعة هادئة تتعانق فيها أنفاس الكتب القديمة، ترتفع شجرة ميلاد استثنائيّة، كأنّها وُلدت من جوهر المعرفة نفسها. ليست شجرة تُصاغ من أغصان حقيقيّة أو بلاستيك أو من خشب، إنّما بناءٌ متدرّج من مجلّدات طبّيّة وعلميّة وأدبيّة تلتفّ حول محور غير مرئيّ، ثمّ ترتقي طبقة بعد أخرى، حتّى تبلغ قمّتها حيث تتلألأ نجمة ذهبيّة صغيرة. تبدو الأوراق وكأنّها غدت فروعًا، والعناوين صارت زخارف، والإضاءة الخافتة التي تتسلّل بين الصفوف تمنحها روحًا بصريّة تحيي السكون.
هندسة روحيّة
طريقة ترتيب الكتب أقرب إلى هندسة روحيّة منها إلى مجرّد تصميم. المجلّدات الضخمة تشكّل قاعدة صلبة تُشبه جذرًا معرفيًّا يمتدّ في الأرض، وتتراخى الأوزان تدريجًا كلّما صعد البناء نحو القمّة، حتّى يبدو المجّسم كلّه أشبه ببرج من طبقات الحكمة. وبين تلك الطبقات تتوزّع مخاريط الصنوبر وربطات القماش الصغيرة وكرات ضوء ناعمة، كأنّ المكتبة نفسها تحاول أن تهمس بأنّ المعرفة حين تتجسّد شجرة، تكون أقدر على إعلان الفرح من أيّ زينة تُشترى جاهزة.
أمّا اختيار بعلبك موطنًا لهذه الشجرة، فيحمل دلالات تتجاوز الزينة الموسميّة. فهذه المدينة الواقعة عند أطراف البلاد، على مسافة من العاصمة التي تتكاثر فيها الأضواء وتتنافس مجمّعاتها التجاريّة على بريق المواسم، مقترحة نموذجًا مختلفًا للاحتفال. هنا، الشجرة ليست عرضًا للاستهلاك، بل محاولة لاستعادة عمق العيد في مكان يتغيّر نسيجه الديموغرافيّ عامًا بعد عام، حيث يتراجع حضور المسيحيّين ويزداد الحنين إلى طقوس كانت في الماضي جزءًا من إيقاع المدينة.
أضواء بيروت وشجرة بعلبك
في بيروت، تنجذب العين إلى بهارج الألوان وكثافة الزينة، فتغدو شجرة الميلاد في كثير من الأحيان امتدادًا لمنطق السوق الاستهلاكيّ. أمّا في بعلبك، فتستمدّ الشجرة المذكورة حضورها من فكرة أعمق: القدرة على ابتكار احتفالٍ يتخطّى الثراء البصريّ ويقارب جوهر المناسبة. فحين تُبنى الشجرة من كتب، يتحوّل العيد إلى فعل ثقافيّ يرفض أن يُختزل في الواجهة، ويبحث عن معناه في الذاكرة المشتركة، في المعرفة التي توحّد بين الآراء المختلفة، وفي رغبة صامتة في حماية ما تبقّى من ملامح المدينة.
يُقبل غير المسيحيّ في هذه المناطق على طقوس الميلاد من زاوية تتجاوز الانتماء الدينيّ. فالطقس هنا يُقرأ بوصفه حدثًا اجتماعيًّا يرمّم العلاقة بين الناس، ويعيد التوازن بين الفصول، ويبعث شيئًا من الطمأنينة في المدن المختلطة. إنّه احتفال يكتسب شرعيّته من العيش الواحد، ويتحوّل رمزًا للضوء الذي يحتاجه الجميع، لا إلى طقس خاصّ بفئة أو طائفة بعينها. وبهذا المعنى، يصبح عيد الميلاد، والشجرة الملتصقة بطقوس إحيائه، مناسبة تُؤنس الانتماء أكثر ممّا تُثبّت الفوارق.
إنّ اختيار الكتب في بناء الشجرة ليست مجرّد حيلة جماليّة. إنّه إعلان بأنّ المعرفة قادرة على تجسيد معنى العيد، وأنّ الأطراف حين تحتفل تبتكر لغتها الخاصّة بعيدًا من ضجيج العاصمة. شجرة من مجلّدات ثقيلة، تتزيّن بإضاءات خجولة، تصبح شهادة على أنّ الاحتفال الحقيقيّ لا يحتاج إلى وفرة كي يلمع، بل إلى فكرة تقاوم التآكل، وتنهض في قلب مدينة تتقاطع فيها الحساسيّات والهواجس، من دون أن تفقد قدرتها على الحلم.
مصير مدينة وهويّة مجتمع
هكذا، تبدو شجرة الميلاد وكأنّها لحظة نادرة يتقاطع فيها الزمن بالمعرفة، ويتحوّل فيها العيد من حدثٍ احتفاليّ إلى تأمّلٍ في مصير مدينة وهويّة مجتمع. إنّها ليست زينة موسميّة تُعلَّق ثمّ تُطوى، لكنّها فعل رمزيّ يلمع وسط تحوّلات ديموغرافيّة وثقافيّة تتسارع حوله. فهذه الشجرة المشيّدة من تراكم عقولٍ وتجارب تُذكّر بأنّ المدن البعيدة عن المركز تمتلك قدرة خاصّة على إعادة ابتكار طقوسها، وحماية ما يستحقّ الحماية، وصوغ معنى جديد للفرح في بيئات تتغيّر باستمرار.
في عمق تلك الصورة، يلوح وعدٌ خافت: أنّ المعرفة، حين تترامى جسدًا مرئيًّا، قادرة على أن تُبقي الضوء حيًّا، حتّى في الأماكن التي يخفت فيها الحضور وتشتدّ فيها الذاكرة. وبعلبك، بهذا الفعل البسيط والعميق معًا، تعلن أنّ العيد ليس حدثًا يُنتظر، بل معنى يُعاد بناؤه كلّما اشتدّت العتمة.
عند تخوم التاريخ والرمز
لطالما وقفت شجرةُ عيد الميلاد عند تخوم التاريخ والرمز، بين ما هو مُثبت بالبحث، وما هو مُثقل بالأوهام. فهي ليست مجرّد طقس موسميّ عابر، إنما أثر حيّ لذاكرة إنسانيّة معقّدة، تشكّلت عبر قرون من تداخل الليتورجيا في العصور الوسطى، مع رعاية النقابات داخل المجتمعات الأوروبّيّة، قبل أن تتحوّل، منذ القرن السادس عشر، إلى ممارسة خاصّة تحمل طابعًا منزليًّا وحميميًّا. غير أنّ هذا المسار التاريخيّ الواضح لم يمنع ولادة سرديّات تخمينيّة، صيغت لخدمة نزعات طائفيّة، قوميّة أو أيديولوجيّة، حتّى غدت “أوهامًا تاريخيّة”، لا تزال تتناسل ويُعاد إنتاجها في الخطاب الإعلاميّ المعاصر، وكأنّ الخيال حين ينفصل عن المعرفة يسعى دائمًا إلى شرعنة ذاته.
ومن منظور فلسفيّ أعمق، تتجاوز شجرة عيد الميلاد حدود الجغرافيا والعقيدة، لتغدو رمزًا كونيًّا للحياة والنور والتجدّد. إنّها نقطة التقاء بين الإرث الوثنيّ الذي يحتفي بالانقلاب الشتويّ وانتصار الحياة على الموت، وبين المعنى المسيحيّ الذي تستحضر شجرة الحياة، ونسب المسيح، ونجمة بيت لحم، وصورة الفردوس المفقود. في هذا التداخل الرمزيّ، تمتدّ الجذور في عمق الأرض، بينما تتّجه الأغصان نحو السماء، في استعارة بليغة للترابط الكونيّ والأخوّة الإنسانيّة، حيث تتحوّل الزينة إلى لغة نابضة تعبّر عن الحبّ والسلام والرجاء المشترك.
ولعلّ أكثر ما يضفي على هذا الرمز عمقه الأخلاقيّ ما نجده في سفر التكوين، حيث تتقاطع شجرة الحياة مع شجرة معرفة الخير والشرّ، بوصفهما وجهين لاحتمال إنسانيّ واحد. فليست الثمرة في ذاتها هي ما يحدّد معناها، بل النيّة التي تُقطف بها: إن كانت خالصة، أضحت ثمرة حياة، وإن شابتها أنانيّة، انقلبت إلى معرفةٍ تُثقل الروح بالخطيئة.
هكذا، لا تعود شجرة عيد الميلاد مجرّد زينة، بل مرآة فلسفيّة تذكّر الإنسان بأنّ المعنى الحقيقيّ لا يسكن الأشياء، بل المقاصد التي يسكبها فيها.




